شبح التقسيم يهدد محافظة حضرموت: حسابات النفوذ ومخاوف المستقبل

ما أن ينتهي الحديث عن تقسيم محافظة حضرموت، شرقي اليمن، حتى يطل مرة أخرى إلى الواجهة، إلا أن عودته هذه المرة تأتي في ظروف أمنية وسياسية حساسة، مع تغيّر خارطة النفوذ وصراع المشاريع في المحافظة الغنية بالنفط، بفعل الحرب وحسابات الإقليم.
وانتشرت خلال الأيام الماضية أنباء عن توجّه لإعلان وادي حضرموت محافظة مستقلة عن الساحل، وسط جدل محتدم شهدته وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيدين ومعارضين للفكرة. وكشف مصدر خاص لـ”العربي الجديد”، أن مساعٍ تقوم بها أطراف في وادي حضرموت بعيداً عن وسائل الإعلام، للدفع بإعلان الوادي محافظة، لافتاً إلى أن “المقترح بات على طاولة الرئيس عبدربه منصور هادي”. وتواصلت “العربي الجديد” مع مسؤول رفيع في وادي حضرموت لاستيضاح الأمر، إلا أنه تحفّظ عن الإدلاء بأي معلومات.

وحضرموت كبرى محافظات اليمن، تنقسم إدارياً إلى قسمين، الساحل ويتكوّن من 10 مديريات من ضمنها مدينة المكلا مركز المحافظة، ووادي حضرموت ومركزه مدينة سيئون يتكوّن من 18 مديرية، ويعامل من قبل الحكومة كمحافظة مستقلة، فكل مكتب تنفيذي للوزارات في مدينة المكلا يقابله مكتب مماثل في مدينة سيئون.

وعاد حديث تقسيم المحافظة إلى الواجهة تزامناً مع زيارة قيادة “المجلس الانتقالي الجنوبي” إلى حضرموت، والتي استغلت “التسريبات” للهجوم على خصومها السياسيين في المحافظة، في مقدمتهم سلطة وادي حضرموت وحزب “الإصلاح” واتهامهم بالوقوف خلف مشروع التقسيم، على الرغم من أن السلطة في الوادي وقيادات في الحزب كانت قد أعلنت سابقاً رفضها تقسيم المحافظة.

كما أن الحديث عن تقسيم حضرموت، جاء بعد أيام من لقاءين جمعا وفدين من وادي حضرموت بنائب الرئيس اليمني الفريق علي محسن الأحمر، الأول ضم قائد المنطقة العسكرية الأولى اللواء صالح طيمس، وقيادات عسكرية ووكيل وادي حضرموت عصام الكثيري، أما الثاني فقد ضم زعماء قبائل وشخصيات اجتماعية منضوية تحت ما يسمى بمرجعية حلف قبائل وادي حضرموت. وتتهم أطراف ومكونات سياسية في حضرموت نائب الرئيس بالسعي لإعلان وادي حضرموت محافظة مستقلة، استناداً إلى نفوذه النسبي وولاء قيادات عسكرية له في وادي حضرموت، بخلاف مناطق الساحل التي باتت تخضع عسكرياً لوحدات توالي الإمارات.

في الإطار نفسه، لم يسلم زعماء القبائل المنضوون تحت ما يسمى بمرجعية حلف قبائل وادي حضرموت، من تهم الوقوف خلف مشروع التقسيم، ويغذي هذا الطرح حالة “الفتور” التي سادت العلاقة بين قبائل الوادي والساحل منذ عام 2013 على خلفية تبعات الهبّة الشعبية، ومنعطفات أخرى مرت بها المحافظة لاحقاً.

ولم يكن تقسيم حضرموت حديث اللحظة، فقد سبق أن طُرح المقترح في العام 1997 ضمن مشروع “التقسيم الإداري” الذي هدف آنذاك إلى إضافة أربع محافظات جديدة، وراوح المقترح لمدة بين مجلس الوزراء والنواب والمجلس الاستشاري من دون الفصل فيه. وحينها طالب وفد من وادي حضرموت خلال لقاء بالرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، بإعلان وادي حضرموت محافظة مستقلة تحت لافتة تسهيل العمل الإداري. إلا أن وفداً آخر أكبر عدداً وتأثيراً ضم قرابة 200 شخص من برلمانيين وزعماء قبائل ومسؤولين وقيادات حزبية بقيادة مرشح الرئاسة الراحل فيصل بن شملان، توجّه إلى صنعاء وأجهض الخطوة بعد لقاء صالح الذي كان يميل إلى مقترح التقسيم، قبل أن تعتمد الحكومات المتعاقبة لاحقاً إنشاء فروع لمكاتب الوزارات في وادي حضرموت كحل وسط يلبي مطالب الطرفين.
وكانت آخر مرة أثير فيها موضوع تقسيم محافظة حضرموت في يناير/ كانون الثاني مطلع العام الحالي، حين توترت العلاقة بين المحافظ السابق اللواء أحمد بن بريك، وسلطات وادي حضرموت، وبدا واضحاً آنذاك استغلال “إشاعة التقسيم” للهجوم على مسؤولي الوادي، الذين نفوا أي مساعٍ لهم في هذا الاتجاه.

وفي حسبة المكسب والخسارة، يبدو أن أكبر المستفيدين من إعلان الوادي محافظة هي القوى القبلية المقربة من السلطة والتي ينتمي معظم المسؤولين في المناصب الحساسة إليها، فضلاً عن التيارات السياسية التي تتخوف من تمدد النفوذ الإماراتي إلى وادي حضرموت. أما أبرز الخاسرين فتأتي في مقدمتهم القوى المحسوبة على “الحراك الجنوبي” ودولة الإمارات، التي تسعى إلى بسط سيطرة قوات “النخبة الحضرمية” على وادي حضرموت عبر أدوات محلية، وإبعاد قوات المنطقة العسكرية الأولى المنتمي معظم أفرادها إلى شمال البلاد، والتي باتت تشكل “عقبة” في طريق تمدد “النخبة الحضرمية”.

كما أن للسعودية حساباتها في هذا الملف، فوادي حضرموت يرتبط بحدود شاسعة مع المملكة ويُعد بمثابة الحديقة الخلفية لها، مع الأخذ في الاعتبار أن وادي حضرموت هو المنطقة الجنوبية الوحيدة التي لا تزال خارج النفوذ الإماراتي العسكري، وهو ما يعزز احتمال تصاعد التنافس بين الحليفين في وادي حضرموت لاحقاً.

وعلى الرغم من عدم إعلان أي جهة رسمية أو حزبية تأييد فكرة تقسيم المحافظة، لتجنّب على ما يبدو تحمّل أي تبعات مستقبلية للخطوة، إلا أن آراء برزت على مواقع التواصل الاجتماعي تؤيد الفكرة وترى فيها حلاً للمعضلة الإدارية التي تتمحور في اقتصار اهتمام معظم المحافظين بمدينة المكلا ومدن الساحل، وتجاهل الوادي. أما المعارضون فيرون في تقسيم حضرموت بعداً سياسياً يتمثّل في تمكين قوى نفوذ من الوادي والاستئثار به بعيداً عن الساحل، فضلاً عن ضرب “الخصوصية” والمكانة التي تتمتع بها حضرموت عن غيرها من المحافظات.

في سياق الآراء المؤيدة، قال الكاتب والناشط السياسي جمعان بن سعد، إن “التقسيم الإداري لا يلغي الهوية، لأن الهوية الحضرمية ضاربة في عمق التاريخ، ولكنها مرت بتقسيمات إدارية تتعلق بمصالح الناس وإدارة شؤون حياتهم ولا علاقة لها بتاريخ ولا هوية”. وأضاف بن سعد في منشور على صفحته في فيسبوك، أن “محافظ حضرموت لا يحضر إلى الوادي إلا بضعة أيام في السنة، وتحويل الوادي إلى محافظة سيسهّل الكثير من الأعمال وسيمكّن طاقم العمل الإداري في الوادي من التواصل مع المحافظ شخصياً كل أسبوع في الاجتماع التنفيذي، إضافة إلى أن ميزانية حضرموت ستتضاعف”.

على الجانب الآخر، رأى الكاتب عبدالله الدقيل، أن تقسيم المحافظة ستنتج عنه محافظتان “ساحلية” غنية نسبياً، وأخرى “صحراوية” فقيرة، مضيفاً في مقال له، أن “أراضي حضرموت واسعة وقبائلها متداخلة، لذلك يصعب رسم خط حدود بين أراضي وقبائل المحافظتين، وعند فرض أي خط خصوصاً في منطقة الموارد الطبيعية، سيندلع صراع على الموارد”.

 

نشوان نيوز - العربي الجديد