عمل الشباب اليمني في غير تخصصه العلمي: إهدار للطاقات وانعكاسات نفسية

تخرج دفعة جديدة من قسم الخدمة الإجتماعية بجامعة صنعاء

تقرير نورا الظفيري حول عمل الشباب اليمني في غير تخصصه العلمي: إهدار للطاقات وانعكاسات نفسية متعددة


يتخرج عشرات الآلاف من المتخصصين الشباب من الجامعات اليمنية سنويًا, ليفرض عليهم سوق العمل اختيارات قليلة أمامهم بعد سنوات من الدراسة. ولنا أن نتخيل حجم الطاقات المهدورة خلال الفترة الجامعية الأولى (البكالوريوس).
يقضي الطالب قرابة أربعة أعوام أو أكثر يقرأ ويبحث ويتلقى المحاضرات في مجالٍ ما ، ليذهب ويعمل في مجالٍ آخر بعد التخرُّج؛ هذا إن حالفه الحظ ووجد عملاً بعد التخرج ولم يتذوق طعم البطالة لسنوات ليحصل على وظيفة في مجال غير تخصصه .
تتحدث قطر الندى السالمي وهي خريجة جرافكس لـ”نشوان نيوز” عن اختيارها لتخصصها بقولها:”اخترت تخصصي بناء على رغبتي وهوايتي في التصوير والرسم والمونتاج وكان نفسي أدخل إعلام بس ما شاء لي القدر ودخلت جرافيكس”.

وتقول السالمي إنها عملت في مجال غير تخصصها فقد عملت في التسويق الإلكتروني وعملت كمدرسة في مدرسة وتُرجع عدم عملها في مجال تخصصها إلى زيادة عدد الموظفين في الشركات في نفس مجال تخصصها.
تتمنى السالمي أن تأتيها الفرصة للعمل في مجال تخصصها “أتوظف بمجال عملي على الأقل أحس إنه تعبي ما راح هدر وكمان أمارس الشيء اللي أنا هاوية له ورغبتي فيه”.
وتكمل حديثها “لكل تخصص في الجامعة وظيفة وبالنسبة للوظائف هي أرزاق ما تعتمد على تخصص مطلوب وتخصص مش مطلوب هذا، نحن دخلنا تخصصات مطلوبة والآن نشتغل مدرسين لكن الواحد يدخل المجال الذي هوايته ورغبته حتى يقدر على فعل شيء، أما لو دخل مجالاً غصباً لن ينجز شيئاً”.

اختياري لتخصصي عن قناعة ذاتية
بدورها تقول ضحى أحمد وهي خريجة إعلام لـ”نشوان نيوز” إن اختيارها للتخصص كان عن قناعة ذاتيه وحباً بمجال الإعلام وتكمل: “كان حلمي منذ الصغر أن أدخل مجال الإعلام مستقبلاً وأستطيع التأثير الإيجابي بالمجتمع من خلال هذا المجال .. كانت كلية الإعلام هي خياري الأول”
وتضيف: “بعد أن أنهيت دراستي في كلية الإعلام وخرجت إلى سوق العمل للأسف انصدمنا بعدة مطبات أفقدتنا تلك الروح المتحمسة للعمل والإبداع فيه , ومن تلك المطبات الوساطات والمحسوبيات و-الخبرةـ وأوضاع البلاد المتدهورة والتي أثرت بشكل قوي على الجانب الإعلامي”.
تواصل “ظللت فترة بسيطة بالتدريب في بعض المؤسسات الإعلامية لكن بسبب الحرب أغلقت تلك المؤسسات, ولم يكن لدي حظ بالحصول على عمل بتخصصي الجامعي، وقد حصلت على فرصة عمل أخرى بعيدة كل البعد عن مجالي واشتغلت فيها”.
وتشير ضحى أحمد إلى أن العمل بمجالك العلمي أو بتخصصك يجعل الشخص أكثر إبداعاً في العمل ويكون الشخص متقناً في عمله ويطور من ذاته ويجعله مؤثراً بشكل أكبر”
وتوضح أن عملها في مجال غير تخصصها لم يشعرها بتأقلم لذلك استمرت لفترة وتوقفت عن العمل، منوهة إلى أنه يجب على الشباب أولاً مراعاة المجالات المطلوبة في سوق العمل عند اختيار تخصصهم الجامعي”.

توارثت المهنة من أبي وعمي
ويسرد لـ”نشوان نيوز”، نور الدين الوصابي وهو دكتور صيدلة قصة تخصصه وعمله “اختياري لتخصص الصيدلة كان ناتج عن توارث المهنة من أبي وعمي وكنت أعمل معهم, وعندما أكملت دراسة الثانوية التحقت بكلية الصيدلة لأمارس نفس المهنة , وكان ذلك تلبية لرغبة أبي , بينما كانت رغبتي هي أن التحق بكلية الإعلام ,ومرت السنوات وحبي للعمل في مجال الإعلام ما زال يشغل تفكيري وعندما أتيحت لي الفرصة انتقلت إلى العمل في المجال الذي أحبه وهو المجال الإعلامي والفني”.

الخبرة تتغلب على الصعوبات في العمل
من جانبها، توضح غدير القدسي وهي خريجة علم نفس وتعمل سكرتارية لدى شركة أدوية بأنها اختارت التخصص |لأني أحب مجال علم النفس واشتغلت بغيره لأني حاولت أشتغل فيه بس للأسف ما لقيت فرصة”.
وتضيف في حديثها لـ”نشوان نيوز”، إنه “في البداية حصلت صعوبة في تأقلمي وقدرتي على العمل بس بحكم إني درست دبلوم سكرتارية أفادني كثيراً و مع الخبرة تغلبت على تلك الصعوبة”.

العمل في غير التخصص من وجهة نظر نفسية
يرى الدكتور عبد الخالق حندة خميس وهو أستاذ علم النفس الإكلينيكي ومعالج نفسي بمركز الإرشاد النفسي بجامعة صنعاء أن”عند اختيار الشباب لمجال تخصصهم، فإن الغالبية العظمى منهم لم يتم اختيارهم في ظل رؤية سليمة وشخصية أو حتى علمية”.
ويضيف لـ”نشوان نيوز” أن الاختيار يخضع للكثير من الاعتبارات الخاطئة أحيانا إما لسماعه بأهمية هذا التخصص أو تلبية لرغبة الأهل أو أن هناك مكانة لهذا التخصص في المجتمع”.
ويتابع خميس أنه “للأسف يأتي الاختيار الصحيح القائم على الرغبة والميول والاستعدادات والقدرات عند الأقلية من الشباب الذين يختارون حسب هذه المعارف الصحيحة لاختيار التخصص”.
ويرى المتحدث نفسه أن ذلك يسبب مشاكل كثيرة في سوق العمل سواء للشخص نفسه أو لجودة العمل والخدمات التي يقدمها لأنه يقدم خدمات قليلة الجودة والفهم، لأنه اقتحم تخصصا ليس بتخصصه وقام بالأداء فيه، لذلك تحدث الكثير من الأخطاء والمشاكل التي يسببها عدم الفهم التام بالمجال الذي يعمل به ويكتسب الخبرة بالتجربة وبأسلوب المحاولة والخطأ أو التوقع”.
ويواصل أن “هذا يُحدث مشاكل خاصة إذا كانت المهنة التي يمارسها تحتاج إلى المعرفة والفهم العلمييَن أو تتعلق بالإنسان، ويلعب العمل في مجال غير التخصص الكثير من التعب النفسي لأنه يضع الفرد تحت التوتر والضغط النفسي المستمر، بل ويزيد من قلقه وتوتراته ويقع في الكثير من الأخطاء والمشاكل سواء مع الجمهور أو أرباب العمل، وهو ما ينعكس على المجتمع في حالة حدوث خطأ مهني أو يعكس صورة سلبية عن الشخص والمؤسسة التي ينتمي لها”.
ويشدد خميس على أنه يجب تقديم النصح والإرشاد للشباب في بداية الأمر أولاً بأن يهتم الشباب بالمعرفة والبحث في اختيارهم للتخصص الذي يناسبهم ويناسب قدراتهم وميولهم ورغباتهم, وبهذا القرار المناسب في الاختيار في ضوء المعرفة بأنفسهم وما يرغبون به, كما يفضل أيضاً التعرف على التخصصات والأشخاص ذوي الخبرة ممن يستطيعون مساعدتهم في الاختيار الصحيح.
ويشير إلى أنه “إذا اتبع الشباب عند اختيارهم للتخصص هذا الطريق من البداية فسيكون ناجحاً في المستقبل, بالإضافة إلى الصبر حتى يحصل على الوظيفة في مجال تخصصه ويستطيع تقديم خبراته وممارسته وتطبيقاته العلمية التي اكتسبها بصورة صحيحة ومناسبة وتخدم الناس والمجتمع وتخدم نفسه بالدرجة الأولى أيضاً, لأنه سيعمل بنجاح ورغبة وفهم في عمله وفي مجال تخصصه”.

Print Friendly, PDF & Email