اليمن وإيران.. أزمة الاتهامات المتبادلة وعلاقة ما خفي أعظم

اليمن وإيران.. أزمة الاتهامات المتبادلة وعلاقة ما خفي أعظم

تحذير وزير الخارجية الدكتور ابو بكر القربي إيران من الانعكاسات السلبية في علاقات البلدين في حال استمر الاعلام الإيراني بدعم الحوثيين، نال صدى اعلاميا واسعا. فالقربي، اكد حضور الاجراءات الدبلوماسية اليمنية في موضوع الاتهامات المتكررة ضد التدخلات الإيرانية في الشأن اليمني..

وذلك بالاشارة إلى ان اليمن ابلغت وزارة الخارجية الإيرانية وكذلك السفير الإيراني بصنعاء رسالة احتجاج على طريقة اداء الاعلام الإيراني الذي وصفه بالتحريضي وبأنه يشوه الحقائق. وقال "نحن نبهنا الحكومة الإيرانية بأن هذا الخطاب لايخدم مصلحة العلاقات الثنائية بين البلدين، واذا ما ارادت وسائل الاعلام الإيرانية ان تظل اداة بيد عناصر التخريب بصعدة، فذلك سيجعل اليمن تقدم على اتخاذ قرارات صعبة."

وبعد ان اخذت تصريحاته ردود فعل سياسية واعلامية كبيرة، تسائل البعض، ماهي ياترى نوعية القرارارات الصعبة التي يمكن لليمن اتخاذها ضد طهران؟. وقد جاء التساؤل على خلفية كم هائل من التصريحات اليمنية الرسمية وغير الرسمية والتي تشير باصبع الاتهام نحو إيران بالتدخل في احداث صعدة منذ انطلاق جولة الحرب الاولى في صيف العام 2004م.

ومع ذلك، فان اقصى ماتم عمله حتى الآن هو استدعاء السفير اليمني في طهران في وقت سابق من العام 2007م قبل أن يعلن الرئيس علي عبد الله صالح في اكتوبر من السنة نفسها عودة العلاقات الثنائية إلى طبيعتها. كما ان رسالة الاحتجاج اليمنية لم تأت الا بعد ان سجلت الحالة الإيرانية تدخلات غير مسبوقة في في الشأن اليمني حد رشق السفارة اليمنية في طهران بالحجارة من قبل المتظاهرين الغاضبين مصحوبة بأنباء عن تسمية احد الشوارع الإيرانية باسم حسين الحوثي.

وبالرغم من تعدد الاتهامات الرسمية، وتأكيد الوسائل الاعلامية المختلفة وكذا بعض الدراسات المتخصصة حول علاقة الحوثيين بالجمهورية الاسلامية في إيران. الا ان اتهامات المسؤولين اليمنيين لإيران لم تأخذ في الغالب صيغة الاتهام الصريح والواضح، وانما تلميحا ويتم ذكرها على استحياء.

وفي الرسالة الاحتجاجية الاخيرة، تكرر الشيء ذاته، فالبداية كانت من جناب الناطق الرسمي للحكومة حسن اللوزي حين اتهم إيران ضمنا بدعم الحوثيين. وفيما اشار اللوزي إلى لقاء القربي مع سفير بلد لم يسمه ليطلب منه وقف التدخل في شؤون اليمن. كشفت وكالة الصحافة الفرنسية ان الدبلوماسي الوحيد الذي التقاه القربي هو السفير الإيراني بصنعاء، وبعدها جاءت تحذيرات القربي الاخيرة.

يأتي ذلك فيما يشير مراقبون إلى ان البعد الخارجي الإيراني يمثل احد الملامح البارزة في جولة الحرب السادسة بين القوات الحكومية والحوثيين في صعدة. و إلى جانب التعاطف الذي تبديه الوسائل الاعلامية الرسمية في إيران والموالية لها مع عناصر الحوثيين، مثيرة جملة من الاتهامات ضد قوات الجيش والمملكة العربية السعودية.

تحكي مصادر مختلفة معظمها اعلامية قصة النفوذ الإيراني المتعاظم في المنطقة خلال السنوات الاخيرة وتحديدا منذ ما بعد غزو العراق، وهو النفوذ المتنامي بفعل سياسة تصدير الثورة الإيرانية واستغلال ورقة الاقليات المذهبية الشيعية.

ففي الحالة اليمنية، ربما لم يعد جديدا الاشارة إلى مدى تأثر الحوثية بنموذج إيران وحزب الله اضافة إلى طرق الدعم وجسور التواصل الفكري والثقافي الذي بدأ مع السنوات الاولى للثورة الإيرانية. وبحسب التقرير الاستراتيجي اليمني لعام 2004م فقد شهدت إيران " زيارات عديدة من قبل شخصيات يمنية يقال انها كانت تسافر إلى هناك عبر سوريا التي كانت محطة آمنة تسمح بالسفر دون ان يظهر أثر لذلك على جواز السفر خوفا من ردود فعل النظام في صنعاء الذي كان من اهم حلفاء النظام العراقي السابق في صراعه العسكري الطويل ضد إيران خلال الفترة من عام 1980م وحتى 1988م."

واذا كان من ضمن المفارقات المسجلة في العلاقات بين صنعاء وطهران ان اليمن الذي يعد من من أوائل الدول التي اعترفت وباركت انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية. لكنه تحول لاحقا إلى النقيض، وعلى مدى سنوات الحرب الثمان مع العراق، دعم اليمن الاخير في حربه إيران سياسيا وعسكريا, بل قاتل آلاف العسكريين والمتطوعين اليمنيين ضمن ما كان يسمى بألوية العروبة, وكان الرئيس علي عبد الله صالح من زعماء قلائل زاروا جبهة القتال.

لكن رغم كل ذلك لم تسجل على إيران محاولات واضحة لتصدير الثورة الإسلامية إلى اليمن باستثناء نشاطات محدودة هدفت إلى دعم أوساط وشخصيات شيعية يمنية هي اليوم تصنف على أنها أقرب إلى المذهب الجعفري الاثنى عشري السائد في إيران منها إلى المذهب الزيدي.

وبعد سقوط نظام صدام حسين في العراق عام 2003م ، تحول الدعم الفكري الإيراني إلى دعم مادي وعسكري. كما شهد النفوذ الإيراني تناميا ملحوظا في المنطقة. وعلاوة على التصريح الخطير لقائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري قبل اسبوعين والتي اكد فيها على ان طهران ستكثف تواجد قواتها العسكرية في خليج عدن لضرورات دفاعية، قائلا ان صواريخ إيران دقيقة جدا وتصيب اهدافها في أي مكان.

ذكرت جريدة "الحياة اليوم" في عددها الصادر في الاسبوع الماضي، بأن بارجة إيرانية وصلت إلى المياه الدولية قبالة سواحل عدن بعد وصول بارجتين اخريين قبل اكثر من شهرين بحجة مكافحة القرصنة.

وبحسب مصادر الصحيفة، فقد تحدثت المصادر عن انزال البارجة اسلحة إيرانية حديثة الصنع على متن قوارب صغيرة ونقلها على شاحنات من السواحل الشرقية إلى صعدة عبر حدود التماس بين اليمن والسعودية.

يأتي ذلك في ظل ما تحشده الالة الاعلامية في طهران من اتهامات مستمرة ضد القوات الحكومية والسعودية ايضا والقول ان الاثنين يشتركان في مهاجمة الحوثيين وضربهم بالقنابل الفوسفورية. وهو ما يعني بحسب احد المراقبين التوطئة للتدخل في مناصرة الحوثيين أو ايجاد ذريعة له على اقل تقدير.

وبحسب مصادر خاصة تحدثت لـ" الناس" عن محاولات سابقة للحوثيين لاايجاد منفذ آمن لهم على البحر الاحمر يتلقون من خلاله الامدادات. واشارت المصادر إلى قيامهم بشراء الاراضي في منطقة ميدي المطلة على البحر مما رفع اسعار العقارات في تلك المنطقة النائية إلى مبالغ باهضة.

وكانت مصادر صحفية قد كشفت في وقت سابق عن تقدم طهران بالعديد من طلبات الاستثمار في اليمن. وتوقع مسؤولون حكوميون وبعض المحللين اليمنيين ان طلبات إيران الاقتصادية غير بريئة. وكشف الصحفي عباس غالب نائب رئيس التحرير في صحيفة الجمهورية الرسمية النقاب عن قيام مسؤول إيراني رفيع المستوى زار صنعاء قبل اشهر من اليمن، السماح لطهران بتوسيع وتنشيط احد الموانئ الصغيرة. مؤكدا انه عندما أصرَّ المسؤول الإيراني على طلبه، هم أن طهران ترمي من تنشيط ذلك الميناء النائي والصغير إلى الحصول على فرصة لإيصال عتاد وأسلحة إلى عناصر التمرد الحوثي خاصة أن هذا الميناء البحري يقع جغرافياً بالقرب من المناطق التي يتحصن فيها الحوثيون.

وأضاف أن قيام الحوثيين منذ أسابيع بإجراء مناورات بأسلحة حديثة ومتطورة، يؤكد أن بعضاً من الحوثيين قد تلقوا تدريبات عسكرية في دورات متطورة في الخارج. والمسؤول الإيراني الذي قصده الصحفي عباس غالب هو رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني الذي زار اليمن في مايو الماضي. ولاحظ متابعون في حينه مدى الحميمية التي بدا عليها الجانبين اليمني والإيراني وخصوصا اللحظة التي اهدى فيها لاريجاني الرئيس علي عبد الله صالح سجادة إيرانية الصنع. وبحسب مصادر رسمية فقد تناولت المباحثات عدد من الاتفاقيات الاقتصادية إلى جانب الملفات السياسية غير المرئية.

ولعل من المفاجآت في تحذيرات القربي الاخيرة كما في سياسة اليمن الخارجية أو النظام بشكل عام هي الاتيان بالشيء ونقيضه معا. وكما اثارت زيارة لاريجاني ومباحثاته مع المسؤولين اليمنيين الاستغراب خاصة تزامنها مع قرار طهران بارسال بارجتين إلى مياه خليج عدن. فعلى الرغم من الاتهامات التي اكدها مصدر امني مسؤول بشأن عثور الجيش على مخابئ اسلحة إيرانية الصنع في منطقة حرف سفيان. لكن القربي في مقابلته مع جريدة الميثاق قال ان هذه مجرد معلومات رددتها وسائل الاعلام ولم تات من مصادر رسمية.

وبرغم تهديد مراجع شيعية عراقية بفتح مكاتب للحوثيين، اصدرت اليمن قرار بتعيين على البجيري سفيرا ومفوضا فوق العادة لدى بغداد وذلك للمرة الاولى منذ سقوط نظام صدام حسين. وجاء القرار ايضا بعد يومين فقط من الانباء التي اشارت إلى استدعاء الحكومة اليمنية للسفير العراقي بصنعاء طلال العبيدي احتجاجا على ماقيل تدخله في الشأن اليمني.

لقد دفعت هذه المواقف وغيرها صحيفة الحزب الحاكم نفسه إلى اثارة الحديث حول الاجراءات الدبلوماسية المفترضة تجاه إيران. وفي اشارة لافتة، تحدثت الصحيفة عن الازمة الدبلوماسية بين بغداد ودمشق على خلفية الانفجارات التي هزت بغداد قبل نحو اسبوعين. وتسائلت بالقول " وفي بلادنا وامام تفجيرات عناصر الفتنة بصعدة التي لاحصر لها، اصبح الشارع يتسائل لماذا لاتتخذ الحكومة موقفا حازما تجاه إيران وكل من تسول له نفسه العبث بالدم اليمني؟".

مشيرة إلى ان الإيرانيين متورطون إلى جانب دعم عناصر التخريب في صعدة بانشطة تخريبية اخرى منها صفقة باصات مؤسسة النقل ومولدات محطة الكهرباء الغازية وتجارة المخدرات والمخطوطات وغيرها.

وتحت عنوان "اغلقوا الاستثمارات الإيرانية المشبوهة" اوضحت الصحيفة ان هناك ممارسات مشبوهة لمراكز طبية إيرانية، وان هذه المراكز تخصص جزء من ايراداتها لدعم عناصر الحوثيين في صعدة.

وهكذا تبدو صورة العلاقات اليمنية الإيرانية خلال السنوات الاخيرة، فبرغم من كثرة الاتهامات المتبادلة حد الاضرار بالمصلحة اليمنية إلى حد كبير، لكن ذلك لم يمنع الجانبين من اللقاءات الحميمية والاستمرار في مجالات التعاون بصورة اثارت ارتياب الكثيرين.