جنوب اليمن: مجلس عسكري يستنسخ تجربة الحوثيين

  عدن ــ فارس الجلال

يجد اليمنيون الجنوبيون أنفسهم تحت وطأة التطورات السياسيّة المتسارعة في اليمن، إذ إنّه بعد يومين على توقيع اتفاقية “السلم والشراكة”، بين الحوثيين والرئاسة والأطراف السياسية اليمنية، وسيطرة “الحوثيين” على صنعاء، أعلنت مجموعة من القادة العسكريين المتقاعدين ولادة مكوّن عسكري جنوبي، تحت مسمى “المجلس العسكري والأمني الأعلى الجنوبي”.

ويحدّد القائمون على المجلس، الذي تقف خلفه قوى في “الحراك الجنوبي”، ويقوده عدد من القادة العسكريين المتقاعدين، الهدف الأساسي منه، بـ”إسقاط مناطق الجنوب، على غرار ما حدث في الشمال، وفرض الأمر الواقع، بفكّ الارتباط بين شمال اليمن وجنوبه، من خلال استغلال الأحداث، وانهيار الدولة في صنعاء، وسقوط مراكز قوى النظام السابق بقيادة علي عبدالله صالح وشركائه في حزب الإصلاح”.

وتولّد فكرة إسقاط المدن وإعلان ولادة المجلس مخاوف لدى الشارع الجنوبي، حول كيفية إسقاطها، ففي حين يرى البعض في معطى تفكك الشمال والدولة، فرصة لإقامة الجنوبيين دولتهم، ما زال البعض الآخر يرفض الفكرة ويتوجّس منها.

ويرى الصحافي حسين حنشي، تعليقاً على إعلان المجلس العسكري، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أنّه “على المكوّن العسكري الجديد، أن يقنعنا صراحة وبالفعل، أنّه قادر على طرد مسلحي القاعدة من أراضي الجنوب. ثم سنقتنع فعلاً أنّ الوقوف خلفه لإبعاد الجيش اليمني هي قضية ناجحة، ولن تذهب بنا إلى الهاوية”.

ويضيف أن “اجتماع مجموعة من العسكريين، القدماء والنشطاء، في فندق لإعلان المجلس العسكري، لن يضيف غير مكون جنوبي جديد إن لم تتلوه خطوات، استثمار الكوادر والشباب، وبأموال مستقلة”.

في المقابل، يبدّد رئيس المجلس العسكري الجديد، العميد محمد صالح طماح، تخوفات الشارع والمراقبين، بقوله لـ”العربي الجديد”: “سنسعى من خلال المجلس، لاستعادة الجيش، وتأهيل الشباب، ولن نعتدي على أحد”، مضيفاً: “سندافع فقط عن مناطقنا وكرامتنا، فغالبية مناطق الجنوب تكاد تكون ساقطة بيد أبناء الجنوب، باستثناء مدينتي عدن والمكلا، وعملية إسقاطهما ستكون سلمية، من خلال التواصل مع الجنوبيين، خصوصاً الموجودين في السلطة، تجنباً لإراقة الدماء، التي عانى منها الجنوبيون كثيراً”.

ويرى طماح أن تغيير موازين القوى يخدم الجنوبيين، ويتّهم “القوى التقليديّة الساقطة، بتدمير الجيش الجنوبي، الذي كان يبلغ قوامه 85 ألفاً، بكل إمكانياته العسكرية، وممارسة الإقصاء والتسريح لأكثر من 15 ألف عسكري جنوبي، يجلسون في المنازل، إضافة إلى ممارسة العقاب الجماعي عليهم، وعلى الجنوبيين بشكل عام”.

ويبدو أنّ ما حصل في صنعاء أعطى الجنوبيين، وفق طماح، دافعاً لإعادة رفع مطالب الانفصال عن الشمال، وتكثيف تحرّكاتهم السياسيّة الخارجيّة والداخليّة، خلال الأيام الأخيرة، بعد ضغوط شعبيّة، لعبت فيها عوامل عدّة دوراً مساعداً، منها سقوط القوى التقليدية، وانهيار الدولة، وبروز قوة سياسيّة غير مرغوبة دولياً، إضافة إلى بعض القوى الدينية، التي كانت تعارض الانفصال، وباتت تدعم تحرّكات الانفصال، رفضاً للبقاء تحت حكم “الحوثيين”، مع احتمال دعم دول الجوار لذلك.

ويشير طماح إلى أن “احتمال الانفصال، يأتي بعد ارتفاع أصوات خليجية وعربية كثيرة، داعمة في هذا الاتجاه، بدأت عقب سقوط صنعاء، نكاية بسقوط الشمال في يد “حليف إيران”، في إشارة إلى الحوثيين. ويرى أن هذه البوادر، بنظر الجنوبيين، تساعدهم في تحقيق أهدافهم، وانعكست من خلال التطمينات التي سعى القائمون على هذا المجلس الجديد، إلى إرسالها لتلك البلدان.

ويوضح أن “على دول الخليج ومصر أن تدعم الجنوبيين لإقامة دولتهم، فهي الطريق الأفضل لاستقرار المنطقة من خلال التعاون في مواجهة الإرهاب والتطرف”. ويؤكد أن “جميع الجنوبيين، باتوا اليوم متفقين على حق استعادة دولتهم، على الرغم من ضعف الإمكانيات والتنسيق”.

وفي موازاة إطلاق دعوات الجنوبيين للتحرّك، واستغلال التظاهرات والاعتصامات وإسقاط المدن، بدءاً من أكتوبر/تشرين الأول المقبل، تحذر أصوات أخرى من أنّ عدم تقدير الواقع وعدم معرفة حقيقة ما يجري، قد يعرّض الجنوب للخطر، مطالبة بالتأني حتى تتضح الرؤية.

وفي سياق متّصل، يقول الناشط السياسي أحمد حرمل، لـ”العربي الجديد”، إنّ “المشهد لم يتضح بعد، ولا توجد مؤشرات مطمئنة، وعلينا عدم الاستعجال، فالأوضاع التي تعيشها البلاد، شبيهة بالأوضاع التي كانت سائدة عقب التوقيع على وثيقة “العهد والاتفاق”، في العاصمة الأردنية، في فبراير/شباط 1994، إذ لم يمض سوى شهرين واندلعت الحرب العدوانية الظالمة ضد الجنوب”.

ويشكّك حرمل في قدرة الشمال على إقامة دولة مدنية حديثة، ويقول: “تؤكّد التجربة أنّ الشمال لا يستطيع العيش داخل الدولة. فمشروع الدولة في الشمال فشل أربع مرات؛ المرة الأولى كانت في نوفمبر/تشرين الثاني 1967، عندما تمّ الانقلاب على رئيس الجمهورية العربية اليمنية عبد الله السلال. والمحاولة الثانية، كانت في عهد الرئيس الراحل عبد الله الحمدي، وانتهت بمقتله. أما المحاولة الثالثة، فكانت عام 1990، وانتهت بفشل المرحلة الانتقالية. فيما كانت المحاولة الرابعة وثيقة “العهد والاتفاق” وانتهت بحرب احتلال الجنوب”.

يجعل تغيير موازين القوى السياسية في صنعاء، من “الحراك الجنوبي”، رقماً صعباً، في حال تمكن من استغلالها سياسياً وشعبياً، وعدم الانجرار إلى مربّع الصراع القائم. فإمكانية نجاحه يستمدها من استمرار سلميته، خصوصاً أن بعض القيادات في “الحراك الجنوبي”، حاولت خلال السنوات السابقة، رفع السلاح تحت شعار “المقاومة”، لكنّ الأمر كان يواجه بالرفض من أطراف أخرى، خوفاً من الانزلاق وتحويل الجنوب إلى ساحة صراع، تسيطر عليها الجماعات المسلحة، كتنظيم “القاعدة” وسواه، وإعطاء النظام حينها، فرصة لضرب “الحراك الجنوبي” وقضيته.