يوميات العنف الحوثي في صنعاء قبل سقوط القصر

  نبيل سبيع - صنعاء

الحوثي هو “الميكانيكي” الوحيد في العالم الذي يعرض عليك “إصلاح” سيارتك، في مقابل أجرٍ رمزي بسيط، ألا وهو سيارتك! وإذا لم توافق، “يصلحها” رغماً عن أنفك! المشكلة أنه لا يصلحها، بل “يحوِّثها”، و”التحويث” يعني التشليح. فاليد التي وضعت الكلاشنيكوف على كتف الحوثي سلبتْ منه العقل، ثم أطلقته على القرى والمدن والبيوت كجائحة. من يُقنع هذه الجائحة العمياء أن الاعتداء على بيوت الناس “عيب”؟ من يقنع هذه الجائحة المدججة بالسلاح والبلطجة والوقاحة أن الإعتداء على بيت إمرأة “عيب مضاعف”؟ كان يقال إن “العقل زينة”، لكنْ يبدو أن الكلاشنيكوف أصبح زينة الحوثي الوحيدة.

هناك فساد صامت، وهناك فساد يتكلم، وهناك فساد يصرخ. الأخير “فساد حوثي” بامتياز. الحوثي أباح لنفسه الانقضاض على الدولة اليمنية بمؤسساتها وأجهزتها بحجة “تطهيرها” من الفساد والفاسدين، فمَنْ سيطهِّر الآن مؤسسات الدولة وأجهزتها من فساده ومنه؟! في الأمس، دهم الحوثي “مؤسسة الثورة” بحجة مكافحة الفساد فيها. اليوم، دهم المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون و”مؤسسة الأحوال المدنية”، فيما لا يزال الوضع متوتراً في محيط وزارة الدفاع، حيث يستعد الحوثي للسيطرة عليها. من ينكر وجود الفساد في مؤسسات الدولة اليمنية؟ لا أحد. لكن الحوثي “يكافح” الفساد بفساد أكبر، و”يكافح” النهب بنهب أكبر، و”يكافح” الظلم بظلم أكبر! الأمثلة على هذا أكثر من أنْ تُحْصَى وأكبر من أن تُوصَف، والمثال فضيحة دوَّنت نفسها بكل “بجاحة” في وثائق العالم: شكوى مرسلة من السفارة الألمانية الى وزارة الخارجية اليمنية. تعرض الرسالة المضايقات التي يتعرض لها ديبلوماسيون ألمان في مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين: فرض
200-250 دولارا على كل فرد من الديبلوماسيين، رشوة، مقابل السماح لهم بالمغادرة أو الوصول، على رغم امتلاكهم مذكرات رسمية من وزارة الخارجية اليمنية الموقرة، وفقاً للشكوى. هناك ما يقارب 14 رسالة مماثلة من سفارات غربية وغير غربية تحمل شكاوى حول اساءات مختلفة يتعرض لها ديبلوماسيون في مطار صنعاء. وإذا كان الحوثي قد بدأ سلطته في مطار صنعاء على هذا النحو، فتخيلوا كيف ستتطور وكيف ستنتهي. الحوثي لا “يكافح” الفساد بفساد أكبر منه فحسب، بل وبفساد غير مسبوق: فساد الحوثي صريح وصارخ، شجاع وفخور بنفسه، يجوب مؤسسات الدولة ويتجول في الأنحاء وعلى كتفه كلاشنيكوف. إنه فساد أرعن، وقح، أخرق، وأحياناً، يسألك بـ”هنْجَمَة”: “أيش أنا؟”. وإذا أجبته: “فساد!”، أطلق عليك الرصاص، أو، في أحسن الأحوال، هوى عليك بعقب البندقية! كيف، إذاً، تتفادى شرَّه؟ قل له: أنتَ مكافحة الفساد.

أنتَ أشرف الناس، وسِيْد الناس. وإيَّاكَ أنْ تخطئ، وتقول له: أنتَ سِيْد التسلط والفساد.

إرهابان متكافئان

ترتكب “القاعدة” عملية إرهابية، فيمسك الحوثي بالجثث ويضرب بها الصحافيين والنشطاء الذين ينتقدون أخطاء الحوثيين. تابعوا ما كتبه ويكتبه الحوثيون عن مذبحة الطالبات في رداع: إنهم لا يدينون “القاعدة” قدر ما يدينون الصحافيين والناشطين المدنيين واليساريين والليبيراليين. هناك فرق كبير بين إدانة الإرهاب وإستخدامه لإرهاب الآخرين. وفرق كبير بين التضامن مع الضحايا واستخدام دمائهم من أجل صناعة ضحايا جدد. وحين تتابع طوفان التحريض وشتائم الحوثيين ولعناتم وكل أنواع عنفهم اللفظي ضد الصحافيين والناشطين المدنيين واليساريين والليبيراليين، وضد كل من لا يوافقهم الرأي والهوى، فإنك لا تشعر بحزنهم على الضحايا الأبرياء قدر ما تراهم فرحين بالمذبحة لأنها منحتهم فرصة للتحريض على أبرياء آخرين. استخدام رخيص لدماء الضحايا الأبرياء الذين يسقطون في مذابح “القاعدة” الإرهابية. ومن أجل ماذا؟ من أجل إرهاب الصحافيين والتحريض عليهم، من أجل المزيد من الدم والمزيد من الإرهاب. لديهم تصورات خاطئة عن مهمة الصحافي والكاتب والناشط المدني. تصورات عوجاء، وعليك أن تكون أعوج مثلهم ومثل تصوراتهم.

يتصورون أن عليك أن تهرع لكتابة إدانة لكل عمل إرهابي أو جريمة فور وقوعها، وإلا فإنك تبارك العملية الإرهابية أو الجريمة التي لم تدنها. من قال إن على الصحافي أو الكاتب أن “يدين” أصلاً؟ هذه مهمة المنظمات والجهات والأطراف السياسيين. مهمة الصحافي أن يغطي الحدث، إذا كان من شهوده. مهمته أن يعلّق عليه إنْ كان لديه ما يقوله. وإذا لم يعلّق عليه، فهذا لا يعني أنه يبارك الجريمة أو يصمت عنها تواطؤاً، بل ليس لديه ما يقوله، ربما ليس لديه معلومات، وربما لا يجد كلاماً يضيف به جديداً. هناك عشرات بل مئات الجرائم والقضايا التي لا نكتب عنها، ليس لأننا نباركها، ولا لأنها غير مهمة في نظرنا، بل لأسباب كثيرة من بينها مثلاً أننا كثيراً ما نقف أمامها عاجزين عن الكتابة. لكن الوقاحة والبلطجة والاعوجاج وقلة العقل والجهل المطبق بالبديهيات وقد اجتمعت كلها في “مزايد” ميليشيوي يطبّل طوال الوقت لتفجير المنازل وقتل الناس، ثم يأتي في لحظة ما ويصرخ في وجهك: أين أنتم يا أدعياء حقوق الإنسان والمدنية من هذه الجريمة البشعة؟! أين نحن؟ نحن هنا أمامكم نتعرض لطوفان تحريضكم وشتائمكم وترهاتكم وإرهابكم، ولا ندري كيف نشرح لكم كم أنتم مخطئون: كم أنتم مخطئون في فهم دورنا، وفهم معنى التضامن مع الضحايا، وفهم معنى إدانة المجرم والإرهاب، بل وفي تحديد المجرم المستحق الإدانة. وإذا كنتم تدينون الإرهاب بهذه الطريقة، فما هو الإرهاب؟!

على كل حال، لا فائدة. استمروا في ما أنتم فيه، وعفواً على المقاطعة!

ثأر إيراني

أنْ تكون عميلاً، هذا ما يفعله كثيرون. لكنْ، أنْ تكون عميلاً وتصف كل خصومك ومخالفيك في الرأي بأنهم “عملاء”، فهذا ما يفعله الحوثي.

وسائل الدعاية الحوثية حوّلت مؤتمراً صحافياً عقدته السفارة الأميركية في صنعاء قبل أيام، مناسبة لشنّ حملة تخوين وتشهير ضد الصحافيين والكتاب الذين ينتقدون ممارسات الجماعة. “قلبوا الدنيا” رأساً على عقب، وطالبوا بقائمة أسماء الصحافيين الحاضرين، وهددوا بمعاقبتهم باعتبارهم “عملاء”. المضحك أن الحملة تركزت على صحافيين لم يحضروا المؤتمر ولا علموا به، وأنا أحدهم. كيف يمكن اقناع الحوثيين بأن حضور صحافي ما مؤتمراً صحافياً لا يعني أنه “عميل”، بل صحافي، فقط صحافي؟ لا أدري. لكنْ، طالما أنهم مستمرون في الحديث عن المؤتمر و”العمالة”، دعونا نحاول الخروج بأمثلة بسيطة عن معنى “العمالة” لدولة أجنبية:

أن تنفذ عمليات إستخباراتية وعسكرية لحساب دولة أجنبية في بلدك، فهذه هي ذروة العمالة. هذا ما فعله ويفعله الحوثي. مثلاً: أول ما فعله الحوثي بعد اقتحامه صنعاء (21 أيلول)، هو قتل واعتقال عشرات الضباط العراقيين العاملين في جهاز الأمن القومي اليمني، وضباط عسكريين آخرين يعملون بصفة مستشارين في وزارتي الداخلية والدفاع اليمنيتين، وعدد من ضباط القوة الجوية اليمنية، وكل هؤلاء محسوبون لدى طهران على جهاز مخابرات البعث العراقي ونظام صدام سابقاً. ومن لم يُقْتَل أو يُعْتَقَل منهم، تم طرده بطريقة مهينة: أعطوا العشرات منهم ممن كانوا يعملون في القوة الجوية اليمنية مهلة أسبوعين لمغادرة البلاد. هذا كله لم يكشفه إعلام مناوئ للحوثيين بل قناة “العالم” يوم 29 أيلول. القناة الإيرانية أوضحت أن الحوثيين قتلوا نظمي أوجي، وكيل أعمال صدام حسين ومحمد برزان التكريتي، وصدام الكعود، أبرز قيادات حزب البعث العراقي في اليمن. ونقل عن لسان عبد الخالق الحوثي قوله “أننا اليوم (الإثنين 29 أيلول) تمكنّا من قتل أبرز قيادات البعث العراقية التي كانت تقود التنظيم بعد عام 2003 في اليمن”.

بعد دخولهم صنعاء، لم يتصرف الحوثيون كـ”ميليشيا يمنية” تسعى فقط للسيطرة على العاصمة، بل تصرفوا كقوة تابعة لـ”الحرس الثوري الإيراني” اقتحمت صنعاء وعلى رأس أولوياتها تصفية الضباط العراقيين المحسوبين على نظام صدام والعاملين لدى الدولة اليمنية واعتقالهم وطردهم. وفيما قتلوا واعتقلوا العشرات منهم بشبهة مشاركتهم في حروب صعدة، طردوا البقية من دون سبب سوى أنهم محسوبون على نظام بغداد الذي حارب طهران قبل 30 عاماً!

إنه ثأرٌ إيراني بأيدٍ حوثية من ضباط عراقيين لاجئين في اليمن على خلفية حرب بين العراق وإيران مرت عليها ثلاثة عقود.

خبر قناة “العالم” أثار استياء الحوثيين كما يبدو، ما دفعها إلى حذفه، ولكنْ بعدما تداولته وسائل الإعلام. هذا الخبر لم يظهر بالطبع سوى “أُذْن الجَمَل”، جمل العمليات الإستخباراتية والعسكرية الحوثية لحساب إيران في اليمن. لا تشكل هذه العمليات في حد ذاتها سوى “أُذْن جَمَل” العمالة الحوثية لإيران. هناك جوانب أخرى عديدة لهذه “العمالة” لا تبدأ من فرض “شعار الخميني” كبديل من العلم الوطني اليمني (أو في أحسن الأحوال: فوقه) ولا تنتهي بالتمويلات المالية وغيرها ونقل سيادة القرار السياسي اليمني من صنعاء الى طهران: “إتفاق السلم والشراكة” الذي ظننا أنه أتى من صعدة، أتى في الواقع من طهران عبر عُمان، كما كشف عبد الكريم الإرياني في مقابلته الأخيرة.

أليس هذا (وغيره الكثير) “عمالة” سافرة وصارخة، أم لا؟ ألا يمثّل ما تفعله إيران منذ وقت، تدخلاً صارخاً وسافراً في شؤون اليمن أم لا؟ إذا كان الحوثيون ينفذون أجندة إيران في اليمن ويضعون قرار صنعاء السياسي في قبضة طهران من دون علمٍ منهم بأن هذه “عمالة”، فهذه مصيبة. أما إذا كانوا يفعلون هذا باعتباره “عملاً وطنياً”، فالمصيبة أعظم.
هل يؤمن الحوثي حقاً باستقلال اليمن عن إيران، وأنه ليس من حق أي دولة أجنبية بما في ذلك إيران التدخل في شؤون اليمن؟ أشك في هذا فكل ممارساته تؤكد العكس.

في النهاية، إذا كان قادة جماعة الحوثي ونشطاؤها يعتبرون العمل الصحافي “عمالة”، فهذا طبيعي جداً لهم. فهم يعتبرون “العمالة” لإيران “وطنية”.

أعزائي أنصار إيران، هل تودون رؤية “العمالة” وجهاً لوجه؟ انظروا الى المرآة!

“جِنَان حوثي”

نايف أبو خرفشة هو إبن خال عبد الملك الحوثي، وهو على الأرجح أول إبن خال يمنحه إبن عمته محافظة كاملة، لا لشيء إلا لأنه قريبه. تعرفت قليلاً على أبو خرفشة على هامش مؤتمر في إيران في العام 2012، حضره ناشطون وناشطات من أكثر من 70 بلداً عربياً وإسلامياً، منها اليمن الذي مثّله ناشطون توزعت انتماءاتهم على مختلف التيارات السياسية في البلاد وكان بعضهم مستقلاً، وأنا أحدهم. لم نتحدث كثيراً ولم يجمعنا لقاء خاص خارج اللقاءات التي تحدث عادةً بين المشاركين على هامش مؤتمر. لكنه بدا يومها شاباً مهذباً وخجولاً بعض الشيء وانعزاليا الى حدٍّ ما. كان قليل الإختلاط بمن لا ينتمون إلى جماعته وبدا عمره بين نهاية العشرينات وبداية الثلاثينات. لستُ في صدد الكتابة عنه، لا إيجاباً ولا سلباً، لكني أحاول التساؤل باقتضاب كيف أصبح هذا الشاب “الرجل الأول” في محافظة الحديدة، وعلى أي أساس منحته جماعته موقعاً وسلطة فوق موقع المحافظ وسلطة الدولة، سوى كونه ابن خال عبد الملك.

لا حاجة للقول إن وجود جماعة الحوثي كسلطة في الحديدة بلا أساس دستوري ولا قانوني، ولا للقول إن عبد الملك الحوثي يظل بلا أي صفة شرعية تخوِّله تعيين أحد في أي موقع مسؤولية في أي محافظة، فهذا معلوم. لكنْ، دعونا نفترض أن هذه الجماعة أصبحت “الدولة الشرعية”، وأصبح لزعيمها وقادتها “الحق” في تعيين من يرون في المواقع القيادية العليا للدولة في كل المحافظات. حتى لو حدث هذا، يبقى السؤال: على أي أساس تم تعيين نايف أبو خرفشة في موقع “المشرف العام لمحافظة الحديدة”؟

حمل التوجيه رقم 9 قرارات اتخذتها “قيادة أنصار الله”، وعلى “الدولة” تنفيذها فوراً. خذوا مثلاً: القرار رقم 1، “يأمر” أبو خرفشة وزميلاه المحافظ صخر الوجيه بـ”اعتماد نفقات 3820 فرداً” من أفراد اللجان الشعبية والثورية (هل الحوثيون في الحديدة بهذا العدد الكبير فعلاً أم أن بينهم “مجندين وهميين”؟). وفي القرار 3، “يأمرونه” بـ”عدم صرف أي مبالغ مالية من المؤسسات والمكاتب الإرادية وغيرها إلا بموافقة اللجان الثورية”. هذا يعني: اصرفْ لنا من أموال الدولة من دون حساب ولا رقابة من الدولة، ولا تصرفْ لموظفي الدولة فلساً واحداً من أموال “الدولة” من دون موافقتنا.

باقي القرارات “أمرتْ” محافظ الحديدة باتخاذ “قرارات إدارية” لحساب لجان الحوثي، منها “توفير مكاتب” و”فتح مكاتب جديدة” للجان داخل مؤسسات الدولة ومقارها. في المقابل، “أمره” القرار 2 بـ”عدم اتخاذ أي قرارات إدارية (تخص “الدولة”) إلا بموافقة اللجان الثورية.

عند وصف الجنون الزائد على حده، يقول اليمنيون في الشمال: “جِنَان لوزي”. لكنْ، من الآن فصاعداً، عليهم أن يقولوا: “جِنَان حوثي”.

العَضَّـة المؤمنة

يمكن تخيل ميليشيا تقتل، تفجِّر، تخطف، تنهب، تعذِّب، تصرخ، وتكذب، إلخ. لكنْ، من كان يتخيل ميليشيا تعضّ؟!
شادي خصروف على الأقل لم يكن يتخيَّل هذا. لكنّ ما لم تتخيله مخيلته يوماً، تخيلته أسنان ميليشيا الحوثي أمس، وتركت توقيعها في مواضع من جسده على النحو الظاهر في الصورة المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي.

صباح أمس السبت، حمل شادي إحدى لعب أطفاله وخرج بها مع طفلته (10 سنين) وطفله (5 سنين) للمشاركة في تظاهرة تطالب بتسليم حديقة عامة احتلها الحوثيون. موعد المظاهرة كان قد تحدد في وقت سابق، فاستبقه الحوثيون بإعلان نيتهم تسليم الحديقة قبل يوم من التظاهرة التي أقيمت في موعدها المقرر سلفاً، السبت.

دخل شادي وزملاؤه مع أطفالهم وألعابهم الحديقة، وأقاموا التظاهرة التي ألقى هو بيانها. لم تقمعهم ميليشيا الحوثي، بل أتى أحد قادتها ووعدهم بأن تسليم الحديقة للدولة سيتم في اشراف السيد عبد الملك الحوثي. وفيما طلب القائد منهم المغادرة مع أطفالهم، استبقى شادي وبعض زملائه للحديث حول لقاء مع اعضاء المكتب السياسي للجماعة. بعد انتهاء نقاشهم معه، استقل شادي وطفلاه سيارة تاكسي، (وكذلك زملاؤه)، من دون أن يدركوا أن القائد الميليشيوي تعمد تأخيرهم كي يتم الإنفراد بهم، وأن اللقاء الذي حدّثهم عنه مع المكتب السياسي سيتم في غرفة تعذيب. أما رسالة السيد عبد الملك التي وعدهم بها فكانت عبارة عن سيخ حديدي!
لم يكد يبتعد التاكسي بشادي وطفليه عن بوابة الحديقة اكثر من مئة متر، حتى اعترضتهم سيارة ترجل منها مسلحون حوثيون صوّبوا بنادقهم في اتجاه سيارتهم. ترجل شادي وهرع الى زملائه الذين كانوا في سيارة أخرى خلفه ليطلب منهم أخذ طفليه معهم: “كنت خائفا على أطفالي”، قال. لكن أحد المسلحين أطلق الرصاص بين أقدامه، ما اضطره للتوقف، فهجم المسلح عليه، ولوى ذراعيه خلف ظهره وأخذ يدفعه الى السيارة “وهو يقحصني (يعضني) في كتفي”!، روى شادي.

اقتيد شادي وبعض زملائه بعيون معصوبة الى غرفة في مبنى “دار القرآن” التي بات الحوثيون يستخدمونها كمعتقل ومكان تعذيب، كما يقول: “حين وصلنا، سمعنا صراخ معتقلين في الغرفة المجاورة، وعلمنا لاحقاً أنهم من أرحب. ثم التقينا معتقلاً أخبرنا بأن المبنى يعج بالمعتقلين من مناطق مختلفة”.

لم يظل شادي وزملاؤه مجرد مستمعين للتعذيب في الغرفة المجاورة، بل أصبحوا هم تحت التعذيب، وربما سمع جيرانهم صراخهم. استخدم الحوثيون سيخا حديديا في تعذيب شادي. هوى عليه معذِّبُه بالسيخ قاصداً إصابة رأسه. لكن شادي، الذي يعدّ من أبطال الجيدو في السابق، ظل يصد الضربات “حتى اعتطف (انثنى) السيخ”. لم يقاوم طبعاً، كان فقط يحاول صد الضربات عن رأسه الذي أصيب بـ”فدجة” (جرح)، وهو كما يبدو ما أغضب معذِّبه: “بعدما التوى السيخ، انقض عليَّ بأسنانه، وبدأ يعضّني في صدري”. الى جانب العضتين الظاهرتين في كتفه وزنده، هناك اثنتان في صدره، إحداهما استهدفت حلمته والأخرى فوقها. قال شادي باستغراب: أيش هذا؟ ما بيعجُوش (يرضعوا)؟”.

عدا العضَّات الأربع في الكتف والصدر، خرج شادي بحصيلة كبيرة من الإصابات توزعت آثارها على الرأس والرقبة والساعدين والأصابع والأذن اليسرى فضلاً عن رضوض كثيرة وغير مرئية. أضاف: “أنا كنت مصاباً أصلاً بإنزلاق، ولذا لا أستطيع الآن تحريك رقبتي”.
لكنْ، على رغم كل ما تعرض له، ما يثير قلق شادي هو ثقافة العنف التي يتم تعبئة الشبان الحوثيين بها: “كان يقحصني (يعضني) بإيمان عجيب، وكأني… أيش أقول لك: كافر؟ مش كافر بس!”.