من الجنوب.. البحث عن دولة

  بقلم: نبيل الصوفي

أيام قليلة قضيتها متنقلا بين مديريات المنطقة الوسطى الجديدة لليمن الموحد؛ من الضالع المدينة وحتى يافع وصولا الى زنجبار شرقا والحوطة وطور الباحة غربا.. وصلت منطقة “العسكرية” التي تقول لنا الأخبار إنها تحولت الى ثكنة مناطقية لايجرؤ أي مواطن من غير ماكان يعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية أن يزورها بل وحتى من لايؤمن بالجنوبية والتشطير..

قرأت الفاتحة على قتلى المنطقة أنا ورجل طيب ملتحي من أهل حبيل جبر يملك متجرا يتوسط جيرانه الذين يتحسر عبرهم على أوضاع البلاد.. الأول صاحب حلويات القباطي المغلقة منذ مقتل صاحبها والثانية التي أغلقها صاحبها بعد يوم من الحادثة المشئومة لأنه عاد للقبيطة “حتى تطمئن أسرته هناك عليه وسيعود”.

قال لي قيادي حزبي: “هذه منطقة موبوءة من عقد ونصف بسبب انفلات الأمن”.. زرت مديرية الأمن التي أعطت جدارها الخلفي للمدينة وفتحت مقيلها صوب سائلة وادي بنا وجسرها الذي حدثت جريمة القتل قريبة منه.. سألت عن “علي سيف العبدلي” المتهم بقتل الثلاثة والتمثيل بجثثهم بطريقة مفزعة بمافيهم ابن الـ13 عاما.. فلم يخبرني أحد بشيئ..

المهم أنه “مجرم” فار من العدالة الفارة هي الأخرى عليهم منذ حرب 1994م.. أي منذ انتهت سلطة دولة الحزب الاشتراكي يوم أن كانت ورقة استدعاء من لجان الدفاع الشعبي تأتي بأي كان. في حبيل جبر هناك أيضا يتجاور متجر القباطي الذي كان يجمع العبدلي به أيام كانوا أصدقاء وحيث مسجل عليه ديون لهم قبل أن يرتكب جريمته بعد اعتقال الأمن لثلاثة من اقربائه حاولوا مشاركة آخرين في تظاهرات عدن يوم 7/7.. يتجاور المحل مع مخيم للعزاء في قتيل للحراك في المديرية التي ينتمي إليها أكثر قتلى الفعاليات..

في كل المناطق كان أبناء إب وتعز وريمة يعملون في مختلف المناشط.. غير أن “النجاشي” تأخر رده كثيرا وأنا أسأله من أين أنت: ورغم لهجته الحجرية فقد قال انه من لحج.. بعد نقاش تبين لي إنه من منطقة ضمت للحج إداريا لكنه لم يقل نجاشيا، فرغم أن الحياة تسير فإن معها يسير أيضا الخوف.. فأي خلاف شخصي قد يخطف أحد أطرافه سريعا شماعة الصراع السياسي ليشتم صاحبه..

من كان يقول يا وسخ مثلا سيقول الآن إما يا إنفصالي أو يادحباشي.. وفي ظل اللا دولة تتحول الشتائم الشخصية الى جرائم.. وأنا في جولة الشيخ عثمان خارجا من عدن اشتبكت كلاميا مع سائق صالون قيل لي في المرور إن رقمها مسجل بإسم عبدالله الصباري ورغم عثوري على رقم هاتفه فإنه لم يرد علي مطلقا)..

كل ماكنت أريد سؤاله هو: أين تشتغل؟.. فبسبب خطأ مشترك بشأن تجاوز الجولة أرغى وأزبد مهددا أنه “سيدخلني بيت عمي” قاصدا الحبس طبعا.. لهجته الصنعانية القارحة سنحت لي الاستماع لتعلقيات من “عدانية” عن هذا السلوك الاصيل الذي صار يعني إنه لولا “حرب 94” لماتجرأوا على اهدار كرامة الطريق العام في عدن لمجرد أنهم لايحترمون الطريق العام في مناطقهم.. بل صار الامر لديهم تعبيراً عن هزيمة اجتماعية، فبعضهم وصل للشرطة حيث وجد ان من اختلف معه ضابط هنا أو هناك ولا مشكلة في توفير التهمة. ثمة سلوكيات مريضة تتحول الى رمز سياسي تغذي الكراهية بين الناس. ثمة تكبر غير مبرر ايضا..

ولهذا يتحدث معارضو السلطة في ردفان عن مجسم لبوزة على رأس مكان كان متحفا، حوله القطاع العسكري الى مخزن للكدم.. ومع أن حرب 94 قد انتهت “زمان” لايزال القطاع العسكري يشغل قلب الحبيلين القديمة حيث حديقة ودار ضيافة.. لايزال في مهمة حربية في دولة تشكو سلطتها من اعادة احياء معارضيها لارث الدولة الشطرية!! كما يسألون: إن كانت حرب 94 ضد الانفصال فلماذا تغير إسم معسكر العند من 14 أكتوبر الى 7 يوليو. في الحوطة ينتصب البناء الصنعاني للمؤسسات المختلفة.. تخيلوا الحوطة واحدة من أعرق مدن المنطقة ترى بنيانها حجرا وقماريات صنعانية.. وهي التي كانت ترفض القمريات اليافعية..

في زنجبار، حيث لايتذكر الناس إلا “سالم ربيع علي” الذي هد اركان مراكز القوى لصالح الآحاد من الناس.. “هو من هناك أيضا”، وأحمد علي أحمد الذي كان أسس نواة لمدينة قبل أن يرحل بسبب حرب 86 ثم حرب 94.. مرافق ساحة الشهداء هناك تمنحك اليقين.. هذه ليست دولة إنها فقط مساحة فارغة لمن كان لديه مرافقون أو أتباع.. تصوروا ساحة ليس لها مثيل في اليمن كله بمرافقها المختلفة من مسرح وملاعب ومتنزهات ورموز تحولت الى خرابة وزعت مقراتها على المؤسسة الاقتصادية والمنطقة العسكرية وحزبي المؤتمر والاصلاح.. والبقية خراب!

يذكرون أيضا فريد مجور ايصاله المدينة بالبحر عبر طريق وكورنيش يتيم.. وطرق أخرى خففت الاختناق بذات الأجواء التي تعيشها أي مدينة في شمال الشمال.. وهناك فقط رأيت شارع سبتمبر ومحلات السنحاني. في منزل المحافظ الذي بناه أحمد علي أحمد أيضا.. ثمة مسبح ممتلئ ترابا بأمر نظام الجمهورية العربية اليمنية الذي تمدد جنوبا وشرقا وشمالا وجنوبا، موقفا أي حركة تغيير في سلوك المسئولين.. رافعا علم المقايل فقط..

في هذه المناطق كانوا قد تجاوزوا الامر وحموا منازل المسئولين من نشاط المكاتب.. البيت هي لأسرة فيها رجال ونساء.. أبناء وبنات.. لهم أنشطة ولهم حقهم في عائلهم.. في مناطقنا الأصيلة المقيل هو أيضا لتوقيع العرائض والوساطة والمشارعة.. ولا هدار وقت طويل حيث يفر الآباء من واجباتهم الأساسية بحجة الانشغال بالعمل وهو في النهاية مجرد مقيل..

ورغم اصرار أبين على التفاؤل بالمحافظ المنتخب -لم أحظ بمقابلته فقد كان منكبا على لقاءات في جزء صغير من ساحة المنزل هو عبارة عن مكتب ويومها كانت المحافظة على موعد من أجواء صنعت بعد ذلك كارثة الخميس.. اتصلت بالفضلي لاقابله فقيل لي: تسبنا في الصحف وتريد المقابلة.. وطبعا اقترح السبت أي بعد المهرجان الذي هو وأمثاله من أنشطة في أبين مجرد مقامرة بين مراكز القوى الموزعة على السلطة وخصومها..

كل البلاد هناك، تتذكر التعاونيات.. تسأل عن هيكل الدولة الادارية.. وتشكو اختفاء أصوات فيصل علوي ومحمد سعد عبدالله، هناك فقط الحبيشي والكبسي.. لايمكن لسياسيينا أن يقدروا هذه الفروق في ارض تفقد هويتها التي كانت مسكونة في الطين المخلوط بعرق الناس. وتسأل على الأيام فلاتجد سوى أخبار اليوم.. والأولى كانت تؤجج الصراع المناطقي.. وتتحدث الأخيرة بمنطق المكلف بحماية المقدس الوطني من الغوغاء!!

تختفي الأحزاب كأداوت نقاش عام.. أما الدولة فلاحضور لها، لا في توفير مصالح الناس ولا في تنظيم حياتهم.. ربما هي تأتي وقت تظاهرة أو مسيرة.. لكن في الاربعينات كانت الحوطة مقرا لأضخم مكتبة عامة.

في ردفان وزنجبار والحوطة وعدن ثمة مبان تقول لك إن الاسكان في هذه المناطق كان أداة من ادوات الدولة الشمولية.. فهناك المدن موحدة الشكل.. لكن الذي تقوله لك الفوضى الآن.. أنه باستثناء مراكز القوى فسكان مدن دولة ماكان يعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية لم يعد لديهم طريقة ليحصلوا فيها على شقة بأي نظام كان.. لذا صارت المدن بلا هوية ولا ملامح.

كثير من الاختلالات بدات مع قيام الوحدة.. وهذه سبة سيئة لهذه “الوحدة”، لكن الأسوأ ان الناس لم يشعروا بها إلا بعد حرب 94.. والتي تتحول كأنها بروتكولات حكماء صهيون.. ولاتستغرب أن تجد من يقول لك إنه حتى الهواء تغير في البريقة بسبب حرب 94!! أذكر منطقا أيدلوجيا سطحيا مماثلا كان يقول: إنه حتى السماء لم تمطر الجنوب إلا بعد انتصار الشرعية على الحزب الاشتراكي اليمني.

هل ثمة أزمة خاصة في الجنوب.. لا، هي أزمة عامة في البلد كله.. لكن أجزاء ماكانت تعرف بالجمهورية العربية اليمنية لم تعد اجيالها تتذكر نمطا مختلفا عما يدور فيها الآن وتدار به مصالحهم.. ثم إنهم وجدوا متنفسا جديدا هو “الشطر الجنوبي” لينتشروا فيه منجزين نجاحات شخصية خاصة.. أشقاؤهم -بحد تعبير الزميل عبدالسلام جابر- خسروا حتى قدرتهم على السفر إلى الدول المجاورة التي صار اليمن عندها واحدا، لذا لم تعد ترحب بابن شبوة وترهق الحضرمي قبل استقباله.

الاعتراف بشيخ في تعز يعد إنجازا رسميا للناس.. لكن تنصيب شيخ في خور مكسر تراجع يزيد عن مائة عام.. ثم هو لايؤدي دوره.. كان هنا حكم بلديات قبل أن تتأسس الامارات العربية المتحدة برمتها.

الأزمة هو أنه ليس هناك دولة تهتم بحياة كان يعرفها الجنوبيون. يقول الرئيس إن “اليمن كبرت بالوحدة” فيما ساكن عدن يرى أن الوحدة قزمت دولته الى الحد الذي لم تعد تتسع لمطالبه الصغيرة.. هو لايهمه أن البطالة في تعز كبيرة فالوحدة لم يقل له إنها بين العاطلين عن العمل.. كما لايهمه أن الاشتراكي كان يحمل الدولة فوق طاقتها بالمرتبات.. فهو يرى أبناء الكبار محفوفين بالمناصب.. وسيارات اللاندكروزر تصرفها الرئاسة فيما لو وزعت قيمتها مرتبات على ساكني حي بكامله لكفتهم.

أما الحراك، فهو شبكة عنكبوت، ربما يدرك الرئيس إنهم ليس لهم بنية تنظيمية، وأن خطابهم قوي فقط، لأن الإعلام صار لايختبر شيئا.. المهم أن ينشر ماظهر والسلام. ولذا يبدو هادئ البال كأنه يرأس دولة شقيقة لليمن. ولديه وقت أن يدعو هؤلاء الأشقاء في اليمن للحوار.
قد نكون كاسبين من هدوئه، لأن دولته إن تحركت فستكون بالامن والسلاح.. ونحن نحتاج تقوية دور مديرالمديرة ومكاتبه الخدمية. وبالمال المركزي وهذه واحدة من أكبر مفسدات الوحدة والثورة والدولة حتى وإن صنعت استقرارا جزئيا..

لكن ثمة إنجازات حققها هو صارت اليوم تهدد كل ماعداها.. وثمة منطق لانراه مطلقا في الخطاب الرسمي.. خطاب يتواضع أمام اليمن الذي كبر بالوحدة ولكن دولته مستميتة في ابقائه صغيرا.