الاتهام الإيراني الرسمي للسعودية بدعم اليمن!

  علي الرز

لم يفهم كثيرون “الاتهام” الرسمي الإيراني للسعودية بالوقوف مع السلطات اليمنية في حربها ضد الحوثيين. كان بيان الموقع الرسمي لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون في طهران شبيها بالبيانات التي تصدرها المواقع الالكترونية التي فرختها أجهزة استخبارات عربية وإيرانية حيث ترسم السيناريوهات بلا دليل وتوجه القذائف الشخصية والسياسية بشكل مركز على هذا المكان او ذاك المقام.

تأكد، إذا، “رسميا” لدى إيران بحسب البيان، ان السعودية تدعم صنعاء بخمسة ملايين دولار أميركي (لاحظوا الرقم) لمواجهة تمرد الحوثيين إضافة الى إرسالها ألف مقاتل للقتال الى جانب الجيش اليمني مع دعم واسناد من الطائرات الحربية… لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الحوثيون يقيمون على جزء من الاراضي الايرانية التي انتهكت المملكة سيادتها بألف مقاتل وخمسة ملايين دولار؟

غريب عجيب امر الإعلام الإيراني. فهو من جهة ينفي ان تكون لطهران اي علاقة بالحوثيين ومن جهة أخرى يتعامل مع القضية وكأن “حوثستان” تتعرض لهجوم يمني مدعوم من السعودية. كل ما نعرفه عن القضية حتى الآن أن الحوثيين هم يمنيون يقولون عن أنفسهم انهم يطالبون بحقوق ويتعرضون لظلم وتقول الحكومة اليمنية عنهم انهم متمردون لجئوا إلى السلاح لتقويض النظام بدعم خارجي وتحديدا من إيران وأحزابها الحليفة في المنطقة مثل “حزب الله” اللبناني. لكن البيان الرسمي الإيراني الذي “يتهم” دولة جارة لليمن بدعم اليمن ضد تمرد داخلي يؤكد وجود الحضانة والرعاية والعناية الإيرانية لهذا التمرد.

قبل البيان الايراني بيومين، سارت تظاهرات “عفوية” و”غير منظمة” نحو السفارة السعودية في طهران هاتفة منددة متوعدة. بلد “ديموقراطي” تمنع فيه التظاهرات المحتجة على تزوير الانتخابات الرئاسية بالقمع والقتل ويسمح فيه بالتظاهر من اجل قضايا اقليمية. وتمحورت الشعارات الاحتجاجية التي رفعها المتظاهرون ضد المملكة حول ثلاثة أمور مزعومة: دعم المملكة للإرهاب. علاقاتها بإسرائيل. دعم السلطات اليمنية ضد الحوثيين.

لم يندد متظاهر باحتضان إيران لقيادات “القاعدة” التي فرت من أفغانستان. لم يحتج على اللقاء الذي جرى بين الوفدين الإسرائيلي والإيراني في القاهرة… وبالطبع لم يسأل نفسه عن سبب هذا الحشد الايراني الرسمي والشعبي لدعم الحوثيين.

لم يحاصر المتظاهرون سفارة اليمن بل سفارة المملكة وفي ذلك أكثر من إشارة للذين يحسنون التقاط الإشارات. وبالتأكيد لم تخرج تظاهرات مماثلة في طهران حين اجتاحت أحزاب لبنانية مدعومة وممولة من ايران وسورية بيروت في 7 مايو 2008 وأسقطت عمليا وبالقوة الحكومة اللبنانية. كانت نشوة الانتصار تنضح في طهران ودمشق. في المقابل، لم يسمع اي صوت رسمي سعودي او يمني او مصري يتهم مثلا العراق بمساعدة السلطات الإيرانية في قمعها لحالات “تمرد” في الأهواز.

وقبل التظاهرة والبيان، سلوك عام لم يعد يخفى على احد من المتابعين، فإيران تتصرف على انها قوة كبرى في المنطقة وتطمح للوصول الى مرحلة شبيهة بمرحلة الاتحاد السوفياتي الذي حكم بقبضة مركزية الى جانب نفوذ محلي منتشر في دول دائرته الإقليمية الأوسع. ولان الأوضاع والظروف مختلفة وتتداخل فيها عوامل العرق والدين والمذهب يتعثر هذا الطموح لكنه لا يتوقف بل يبني زحفه على “المشتركات” المذهبية طورا والدينية والسياسية تارة وعلى النفوذ بالسلاح والمال والتدريب في مختلف الأحيان.

هكذا صار لإيران موقع متقدم على البحر المتوسط من خلال حلفائها في لبنان. وهكذا صار لإيران موقع في قلب فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي من خلال “حماس”. وهكذا صار لإيران موقع في العراق من خلال عشرات الإطراف المحلية والتنظيمات الموالية. وهكذا صار لإيران موقع في “الحركة الجهادية” السنية التي يجمع العرب والعالم على اعتبارها “إرهابية” من خلال استضافتها لقيادات “القاعدة”. وهكذا صار لإيران موقع قوي في سورية من خلال التحالف الاستراتيجي الذي نشأ بعد احتلال العراق والاتفاق على إدخال “المجاهدين” لتفجير أنفسهم وتفجير الاستقرار وبالتالي الإمساك بورقة إنهاك المشروع الأميركي أو عقد الصفقات معه، وزاد هذا الموقع صلابة وقوة بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري والعزلة العربية والدولية لدمشق وسيف المحكمة. وهكذا صار لإيران موقع في أفغانستان من خلال النفوذ في ناطق تقطنها غالبية مذهبية معينة.

واليوم تتهم الحكومة اليمنية إيران بدعم الحوثيين بالعتاد والسلاح والمال والتدريب ويلتقي انفصاليو اليمن مع ايران من خلال تصريحات الإشادة بها التي أطلقها النائب السابق لرئيس دولة الوحدة علي سالم البيض لدى دعوته الجنوبيين في اليمن إلى الانتفاض… انه موقع متقدم جدا خليجيا ودوليا في مشروع الهيمنة الإقليمية.

مرة أخرى، الحوثيون يمنيون، واليمن والسعودية جارتان تتداخل بينهما عوامل الحدود والمصالح والعلاقات الاجتماعية والاقتصاد والأمن بطبيعة الحال. ولا مشروع لأي فئة عربية مهما كان انتماؤها الديني أو المذهبي او المناطقي او القبائلي إلا مشروع الدولة التي تعيش فيها، ومن حقها بل من واجبها ان تطالب بالعدل والقانون والإنماء والمساواة، لكن خروج أي فئة على هذا المشروع ينصر الآخرين على الدولة … وعليها لاحقا.

انتظروا التحرك الإيراني المقبل .