توضيح للحراك

  د. محمد حيدرة مسدوس

من أجل ان تكون الامور واضحة للحراك الوطني السلمي الجنوبي في الداخل والخارج، فاننا هنا نقدم هذا التوضيح حول الموقف من وثيقة الانقاذ الوطني كما سبق بالبريد، وحول الحديث الدائر حاليا بشأن حل القضية الجنوبية، وذلك في النقاط الخمس التالية:

1- ان الموقف المطلوب موضوعيا ومنطقيا للحراك الوطني السلمي الجنوبي من وثيقة الانقاذ الوطني، هو : ان لا يكون معها ولا يكون ضدها، لانه اذا ما كان معها ستكون وثيقتة وهي ليست حلا لقضيته، والاكثر من ذلك ان فشلها وهو معها يسقط شرعية قضيته. صحيح انها اعترفت بالقضية الجنوبية، ولكنها لم تتضمن الحل لها. أمَّا اذا ما كان ضدها فإنه سيقع في صف النظام وسيقوي شوكته.

ولهذا فانه لا يجوز للحراك بأن يكون ضد الوثيقة إذا ما قام اصحابها باقناع النظام بها او قاموا بفرضها عليه بالعصيان المدني، وبعد ذلك يمكن للحراك في الداخل والخارج بأن يحدد موقفه منها.

ولكنه لا يجوز سياسيا للحراك الآن بأن يكون معها او يتبناها للاسباب المشار اليها اعلاه، ولعدم تحديد هوية اصحابها ما اذا كانوا مع موقف الجنوبيين من قضيتهم ام مع موقف السلطة منها بوضوح، أي اذا ما كانوا يرون بأن الجنوبيين على حق وان السلطة على باطل فيكونون مع الجنوبيين بوضوح، وما إذا كانوا يرون بأن السلطة على حق وبأن الجنوبيين على باطل فيكونون معها بوضوح، وحينها ستكون لهم هوية يستطيع الشخص ان يتعامل معها.

2- بما انه قد كثر الحديث هذه الايام عن حل القضية الجنوبية عبر حوار وطني شامل وتحت سقف الوحدة، فإننا هنا نشفق على عقول من يقولون ذلك، ونقول لهم اين هي الوحدة التي يتحدثون عنها والتي يمكن للحل بان يكون تحت سقفها؟!!

فقد كان الوضع في عهد بريطانيا أفضل من الآن، وكنا نسميه احتلالاً، فماذا نسمي هذا الوضع الأسوأ، وهل يعقل بان نسميه وحدة وهو أسوأ من الاحتلال؟، ونقول لهم ايضا لو كانت الوحدة موجودة في الواقع وفي النفوس بعد حرب 1994 لما ظهرت القضية الجنوبية اصلا.

ثم بأي منطق يمكن حلها عبر حوار شامل وهي قضية بين طرفين وليست بين اكثر من طرفين، هما : الشمال والجنوب؟ فلا يمكن موضوعيا ومنطقيا لأي حل بان يكون شرعيا حتى وان كان عادلا إلا على قاعدة الحوار بين الشمال والجنوب.

ولهذا فاننا نطلب من جميع اطراف الحراك الوطني السلمي الجنوبي في الداخل والخارج عدم المشاركة في أي حوار ما لم يقم على قاعدة الشمال والجنوب، ولا بد من الادراك بأن المشاركة في أي حوار شامل هي بمثابة تنازل عن قراري مجلس الامن الدولي المتخذين اثناء الحرب، وهي الخديعة التي تجرنا اليها كل الاطراف السياسية في صنعاء.

وأتمنى على الإخوة الذين يخافون الاصطفاف الشمالي ضد الجنوب ان يدركوا بان ذلك موجود من الناحية الباطنية، وان إظهاره هو قوة لنا وضعف لهم، لأنه يمدنا بالحق ويمدهم بالباطل. كما انه لا فائدة من أي حوار، ولا فائدة من أي حل ما لم يعد ما نهب من ممتلكات خاصة وعامة ومن ارض وثروة منذ حرب 1994م حتى الآن. فليس لصنعاء مفر من الاجابة على السؤال الموضوعي التالي، وهو : هل الجنوب ملك لها أم لأهله؟

وعلى ضوء الاجابة ستتضح القضية وسيتضح حلها. ومن المفارقات القهرية العجيبة، ان السلطة التي اعترفت بالنهب وشكلت له عدة لجان، تقتل وتعتقل الجنوبيين وتحاكمهم على الكلام الذي هو رد فعل على النهب ولم تعتقل وتحاكم الناهبين.

3- انه يقع على جميع أطراف الحراك الوطني السلمي الجنوبي في الداخل والخارج بان تحذر من مكر صنعاء، وان تدرك بأن كل الفرقعات السياسية وحتى الأمنية بما فيها حرب صعدة، هي جميعها لدفن القضية الجنوبية.

و لا بد من الادراك بان الاستخدام المفرط للقوة حاليا في صعدة هي رسالة للجنوبيين. ولكنها رسالة خاطئة، وسوف تتحول الى رسالة للنظام ذاته، لان الجنوبيين اختاروا طريق النضال السلمي وليس العنف كالحوثيين. فاذا ما افترضنا بان النظام نجح في حرب صعدة، فإنه بذلك يعزز قناعة الجنوبيين أكثر بصواب النضال السلمي، وإذا ما فشل فان ذلك سيبرهن له هو ذاته بأن القوة ليست هي الحل، وانه اذا ما جر الجنوب الى العنف سيكون هو الخاسر.

وهناك احتمال بان النظام سيبقي حرب صعدة مستمرة بهدف تخويف دول الخليج بها ومنعها من قول كلمة حق مع القضية الجنوبية، وهذا ما اكدته مقابلة الرئيس مع قناة ال mbc عندما قال : أنا الآن ضمنت دول الخليج والدول الكبرى… الخ. والسؤال الذي يطرح نفسه هو : ضد من ضمن هذه الدول ؟ واذا ما كان ذلك صحيحا فهل ضمان هذه الدول هو الحل للقضية الجنوبية ام انه فقط ترحيل لها ليكبر انفجارها بالضرورة ؟ أمّا التهديد بصوملة اليمن ما لم يدعموا النظام، فان ذلك اشبه ما يكون بخاطف طائرة يهدد بتفجيرها ما لم تُلب مطالبه.

4- انه من اجل ضمان خسارة النظام في الجنوب، فان المطلوب من جميع اطراف الحراك الوطني السلمي الجنوبي في الداخل والخارج بأن تتمسك بالتسمية الشعبية التي جاء بها الشارع الجنوبي، وهي :”الحراك الجنوبي” الذي اعترفت به السلطة والمعارضة والعالم، وأن تكون تسمية هيئات الحراك مشتقة من اسم “الحراك” لان هذه التسمية ليست تسمية نخب سياسية يمكن للنظام بموجب قوانينه الخاصة رفضها وعدم الاعتراف بها، وانما هي تسمية شعبية لا يملك النظام حق رفضها وعدم الاعتراف بها. فليس من مصلحة القضية الجنوبية استبدال اسم قيادة الحراك باسم قيادة الثورة، لان الاولى تضعف حجة النظام والثانية تقويها.

صحيح ان هذه التسمية (الثورة) جاءت من قيادي سياسي جنوبي كبير وبارز وتاريخي، ولكنها تسمية غير موفقة. وصحيح ايضا بان النظام سيقمع الناس في كلا الحالتين، ولكنه من الافضل سياسيا ان يقمع الناس بدون مبرر يجعل امكانية محاكمته مستقبلا ممكنة، ولا يقمع الناس بمبرر يجعل امكانية محاكمته مستقبلا غير ممكنة. ولابد من الادراك بان وظيفة الاجهزة الامنية في الجنوب هي ايجاد المبررات لقمع الناس.

5- انه بالاضافة الى ايجاد المبررات لقمع الناس، فان وظيفة الاجهزة الامنية في الجنوب هي ايضا خلق التوترات الامنية والدفع بعناصر تنظيم القاعدة للعمل هناك. حيث يستخدم النظام علاقاته القديمة بتنظيم القاعدة لربط ما يجري في الجنوب وفي صعده بتنظيم القاعدة زورا وبهتانا وهو نفسه الصانع لذلك.

كما ان الهم الاكبر لهذه الاجهزة في الجنوب هو خلق الفتن القبلية والسياسية بين الجنوبيين، وقد دشنت هذه الفتن بمحافظة شبوة بعد حرب 1994م.

و مع ظهور الحراك الوطني السلمي الجنوبي دفعت هذه الاجهزة بضالعيين في الضالع لقتل ضالعيين، وبردفانيين في ردفان لقتل ردفانيين، وبلحجيين في لحج لقتل لحجيين، وبيافعيين في يافع لقتل يافعيين، وبصبيحيين في الصبيحة لقتل صبيحيين، وبعدنيين في عدن المسالمة لقتل عدنيين، وبفضليين في زنجبار لقتل فضليين، وبعوذليين في لودر لقتل عوذليين، وبصالحيين في مودية لقتل صالحيين… الخ، وكل ذلك هو لدفن القضية الجنوبية.

ولكننا قد أعجبنا لما أقدم عليه الشيخ طارق الفضلي عندما سلم المتهمين من جماعته للاخ ناصر منصور، لانه بذلك قد برهن للرأي العام الداخلي والخارجي بانه ضد العنف وانه لا علاقة له بتنظيم القاعدة كما تدعي السلطة، وان الحراك الوطني السلمي الجنوبي ضد العنف ولا يؤمن به. ولهذا فاننا نطلب ممن عاتبوا الشيخ طارق بأن يسحبوا عتابهم وان يحولوه الى شكر وتقدير له.

كما نطلب من جميع أطراف الحراك ومن جميع قبائل آل فضل بأن يباركوا هذه الخطوة السياسية الرائعة والتي ستحافظ على وحدة آل فضل بكل تأكيد. كما ان من يمارس التفرقة الجنوبية على شكل قبلي او مناطقي او حزبي او أي شكل من اشكال السياسة هو بالضرورة ضد القضية الجنوبية ويخدم صنعاء بوعي أو بدون وعي.

*نائب سابق لرئيس الوزراء