الحل في اليمن بالحوار لا بالحرب

  حازم عبدالرحمن

الأحداث الجارية في اليمن حاليا تلفت النظر بقوة،‏ فلم تعد المسألة مجرد تمرد داخلي،‏ أو عصيان مسلح لجماعة غير شرعية علي سلطة الدولة‏.‏ بل انها امتدت لتشمل أكثر من دولة بعد دخول القوات السعودية في الصراع،‏ فالظاهر أنها باتت تحتاج إلي تناول جديد‏.‏

فأحداث اليمن يمكن أن تؤثر علي منطقة البحر الأحمر وبالتالي علي أعداد السفن العابرة لقناة السويس ثم إن المسألة بدأت في الأصل داخلية ثم أصبحت تمردا مسلحا نتيجة التجاهل الطويل لمطالب الناس‏.‏

(1)‏ أغلب الظن،‏ أن أسلوب العمليات العسكرية،‏ سواء بالقصف الجوي أو المدفعي أو حتي التصدي بالمدرعات لن يحقق الهدف المنشود من القضاء علي جماعة الحوثيين وقد يكون أقرب الاسباب لذلك،‏ هو وعورة المنطقة الجبلية التي تدور فيها المعارك،‏ فهي منطقة تمتلئ بالكهوف والوديان والمدقات غير الممهدة التي يصعب التحرك فيها بآليات حديثة‏..

إلى جانب أنها غير مكشوفة،‏ لذلك يتعذر إصابتها بالقصف من الطائرات ثم انها تكاد تكون منطقة مجهولة تماما للقوات النظامية اليمنية وغيرها ما لم يكن أفرادها أصلا منها،‏ وكما يعرف الجميع،‏ فإن المتمردين يلجأون للمغارات والكهوف ويختبئون بها خلال النهار،‏ ولا يغادرونها إلا في الليل ولأجل هذا فإنها مهما كان نشاط القوات الجوية،‏ كيف ومعها المدفعية والدبابات فإنها لن تفلح في ابادتهم والقضاء عليهم‏.‏

أما إذا تم اللجوء إلي عناصر القوات الخاصة المنقولة بالهليكوبتر أو الراجلة فإن ميدان المعركة يؤدي الي تعريض القوات المغيرة لاخطار داهمة‏.‏ منها مثلا الوقوع في كمائن أو قطع الطريق عليها‏…‏ إلخ‏.‏ ما لم تكن القوة المغيرة من ابناء المنطقة أو علي الأقل وثيقة الصلة بالقبائل المقيمة فيها،‏ هذه الحقيقة ال

جغرافية بحد ذاتها تعني أنه يجب البحث عن مخرج آخر من هذا المأزق غير أسلوب العمليات العسكرية‏.‏ وهذا لا يعني أي شيء إلا أن الحكمة وبعد النظر تفرض ذلك‏.‏

(2)‏ هناك أساليب كثيرة يمكن اللجوء إليها مثل محاولة التفكير في شراء الذمم بالأموال،‏ والحال أنه نتيجة الطبيعة الدينية للمتمردين فلن يكون من السهل أبدا شراء ذمم شخصيات لها قيمة‏.‏ والأغلب أن من سوف يأخذ النقود في النهار لن يتورع عن استخدامها بالليل لخدمة أغراض المتمردين‏.‏

هناك ايضا اللجوء إلي القبائل وثيقة الصلة بالمتمردين بالتفاوض معهم لاستمالتهم ضد التمرد أو بالضغط عليهم ليغيروا مواقفهم،‏ وهذا إن كان له جدوي إلي حد ما،‏ فإنه غير مأمون ايضا‏.‏ إذ ما هي الضمانة من ألا تنكص هذه القبائل عن تعهداتها فور ارتفاع الضغوط التي تتعرض لها؟

بذلك لا يبقي إلا أسلوب واحد لا ثاني له لاحتواء هذا الموقف،‏ حتي لايزداد اتساعه عما وصل إليه فعلا‏.‏ فإذا سلمنا بأن أطرافا اقليمية مثل إيران تقف وراء مثل هذا التمرد وتموله بالنقود،‏ وتزوده بالسلاح فانه ليس من المصلحة استمراره،‏ فمجرد الاستمرار في التمرد يعني بقاء العلاقة متصلة مع تلك الاطراف الاقليمية‏.‏

أما إذا نجح المتمردون في توسيع نطاقات عملهم،‏ فلن يترتب علي هذا إلا زيادة عمق هذه العلاقات مع القوي الاقليمية‏.‏ بل إننا نلاحظ أن قوي المعارضة الداخلية في جنوب اليمن اتهمتها صنعاء علانية بتأييد ودعم المتمردين‏.‏ ومعني ذلك أن التمرد لم يعد مجرد عصيان مسلح أو عصيان مسلح له طابع ديني،‏ بل أصبح عصيانا مسلحا له طابع ديني،‏ وسياسي‏.‏

القضية إذن تحتاج إلي جرأة في التعامل وأول خطوة علي هذا الطريق تقول‏:‏ إنه ربما يكون من الصواب الاعتراف بقدر من مطالب المتمردين،‏ والهدف من هذا الاعتراف هو جذبهم إلي الحوار،‏ وابعادهم عن اللجوء إلي السلاح حقنا للدماء‏.‏ ولايستبعد في مراحل لاحقة من ابتكار اشكال للحكم الذاتي يشترك فيها هؤلاء أو يتولون حتي قيادتها تحت اشراف صنعاء،‏ فالمهم أولا وأخيرا هو حقن الدماء وحماية الأرواح‏.‏

(3)‏علينا ألا ننسي أبدا أن الحكمة ليست ضعفا‏.‏ فالقوة الحقيقية هي الاعتراف بالواقع لمحاولة دمجه في التيار العام،‏ وليست بالسعي للقضاء عليه إنها اعطاء الأمل في أنه يمكن للمتمردين أن يحققوا ما يريدون من أهداف وأحلام عن طريق الانضواء في النظام الحالي،‏ وليس عن طريق الخروج المسلح عليه،‏ ولن يستفيد المتمردون من المغالاة في مطالبهم‏.‏ فمثل هذه المغالاة تصرف عنهم الانظار‏.‏ وقد تؤدي إلي بذر بذور الشقاق بينهم وبين من يمولهم،‏ فضلا عن اضعاف حجتهم‏.‏

القضية من أولها إلي آخرها يمكن حلها عن طريق السياسة وأول طريق السياسة الحوار،‏ هذا الحوار يضمن عودة الهدوء للحدود السعودية ـ اليمنية ثم ماذا يمنع من ضخ الأموال التي ستنفق علي الحرب في تنمية هذه المناطق المنسية‏!!!‏