العلاقات اليمنية السعودية: رُب ضارة نافعة!

  د. سيف العسلي

ما كان احد من السعوديين يرغب في اندلاع فتنة الحوثية لأنها كلها ضرر. وايضا ما كان احد من اليمنيين المخلصين يتمنى ان تطير شرارة هذه الفتنة الى أي دولة أخرى وعلى وجه الخصوص الى المملكة العربية السعودية.

إذ انه يمكن القول بانه لا فائدة منها على الإطلاق حتى للذين أشعلوا نارها سواء في الداخل اوالخارج. فنتيجتها محسومة سلفا أي هلاك أتباعها ولكن بعد ان تسببوا بإهدار دماء الأبرياء من ابناء القوات المسلحة والأمن والمدنين وتدمير البنية التحتية والأضرار بالاقتصاد الوطني. فالمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فان المملكة العربية السعودية دولة جارة وبالتالي فان لليمن مصالح إستراتيجية كبيرة فيها. وما من شك بان تحرش أتباع الفتنة الحوثية بها سينعكس سلبا على هذه المصالح بشكل مباشر اوغير مباشر.

اذ لم يكون لغالبية اليمنين والسعودين يد في اندلاع هذه الفتنة فانه ينبغي عليهم ان يقللوا من سلبياتها قدر الإمكان وان يستفيدوا منها كذلك قدر الإمكان. فكما يقال ربا ضارة نافعة. ان عليهم ان يعلموا على إرساء العلاقات اليمنية على أسس إستراتيجية بعيدة المدى متوازنة ومفيدة للجميع. ان ذلك يتطلب الاستفادة من دروس التجارب السابقة وعدم تكرار ما قد يكون ارتكب من أخطاء. فذلك من جهة نظري كفيل بعدم تكرار ما يحدث الآن في صعدة.

فالعلاقات بين البلدين قد حددتها الجغرافيا قبل أي شيء أخر. ولذلك فان وصف العلاقات بين البلدين بالأخوية يصدق عليها اكثر من صدقه على أي علاقات بين أي دولتين عربيتين اخروين. فالجغرافية التي تربط اليمن بالسعودية تختلف كثيرا عن أي جغرافيا تربط بين دولة وأخرى في العالم وحتى بين الدولتين وأي دولة عربية أخرى.

انها جغرافية يحددها المحيط الهندي وخليج عدن ومضيق باب المندب والبحر الأحمر ومضيق هرمز وقناة السويس. انها جغرافية يحددها الربع الخالي وجبال السراه. انها جغرافية يؤثر بها التبادل المشترك في المناخ والأمطار وتجاه الرياح.

ومن المؤكد ان هذه الجغرافية قد صنعت علاقات تاريخية فريدة في العالم. فالهجرات في الجزيرة العربية دائما تتجه من الجنوب الى الشمال بعكس معظم الهجرات التي حدثت في العالم. ونتيجة لذلك فقد حدث تماهي غير مسبوق في اللغة والدين والعادات والتقاليد. وقد عمل ذلك على تقوية العلاقات الاقتصادية والتي تمثلت في رحلة الشتاء والصيف.

فقد كانت اليمن البوابة الجنوبية للجزيرة العربية ولا زالت كذلك. في الوقت الحاضر لم تتغير أي من هذه الروابط. فما تغير منها فقط وهواتجاه التجارة. في الماضي كان اتجاهها من الجنوب الى الشمال. أما في الوقت الحاضر فان اتجاهها تحول من الشمال الى الجنوب نتيجة لاكتشاف الثروات النفطية الكبيرة في شمال الجزيرة العربية.

فلا زال اليمن هوالمنفذ الأمن لتصدير هذه الثروات وذلك لوقوعه على مقربة من المياه المفتوحة. ومن الواضح ان البلدين قد تجاهلا هذه الحقيقة وبالتالي فإنهما لم يفهمان العلاقة الأخوية بين البلدين بالطريقة المناسبة.

ولذلك فان العلاقة بين البلدين هي وللأسباب سالفة الذكر علاقة بين اخوين بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. ان ذلك يعني ان هناك أخا وأخا اصغر. ومن المعروف ان للأخ الأكبر حقوقا معينة وعليه كذلك وجبات معينة وان هناك للأخ اصغر حقوقا معينة وعليه واجبات معينة.

ان وضع العلاقات اليمنية السعودية على أسس متينة قابل للتطور والاستدامة يتطلب تحديد من هوالأخ الأكبر ومن هوالأخ الأصغر ما هي حقوق وواجبات كل منهما. فان من يطالب بالمساواة بين حقوق وواجبات الأخوين فانه يهد هذه العلاقة من أساسها وكذلك فان من يساوي بين العلاقة الأخوية والعلاقات الاخرى هوالاخرى ينسف هذه العلاقة من أساسها.

فحرص الأخ الأكبر على الأخ الأصغر لا ينبع من القسوة والإذلال وإنما من حرصه على مصالح أخيه وكذلك فان تواضع الأخ الأصغر مع الأخ الأكبر لا ينبع من الذل والخوف وإنما من الاحترام له. بذلك فقط تكون العلاقة الأخوية مفيدة للأخوين.

ان ذلك يعني ان هناك عمل كبير ينبغي على الطرفين ان يقوما به. ذلك ان الأخ الأكبر لم يكن دائما في جنوب الجزيرة ولا في شمالها. بل انه يتنقل بحسب تغير العلاقات الاقتصادية.ومن الواضح ان المملكة العربية السعودية في الوقت الحاضر تمثل الأخ الأكبر لليمن وما على اليمنيين الا ان يقبلوا ذلك.

ومن خلال تتبع تعامل اليمنيين مع هذا الموضوع سيتم ملاحظات أنهم لم يقبلوا ذلك بشكل واضح وصريح. فأقصى مدى وصلوا اليه هوالقبول بالمساواة. لكنه من غير الممكن المساواة بينهما. فإصرار الأخ الأصغر على الندية مع الطرف الأكبر قد يدفعه الى معاقبته بشكل اكبر من معاقبته أي شخص أخرى يطلب المساواة.

ان وضع العلاقات اليمنيين على الطريق الصحيح المفيدة للطرفين يكمن في قبول اليمنيين بان المملكة العربية السعودية هي الأخر الأكبر وتعامل السعوديين مع اليمنيين على أساس ذلك. ولا يوجد أي وقت أفضل لمناقشة ذلك من هذا الوقت الذي تمر فيه العلاقة بين البلدين بمراجعة شاملة. فلتكن هذه المراجع على الشكل الصحيح.

فمن يتتبع العلاقة بين البلدين منذ ثلاثينيات القرن الماضي سيدرك وبسهولة ان ذلك كان السبب الرئيسي في عدم استقرار العلاقة بين البلدين. اذ انه وخلال هذه الفترة الطويلة فما ان يتم وضع العلاقات السعودية على طريق الاستقرار والاستمرار حتى يتم إخراجها منها.

فقد كان من المفترض ان يترتب على اتفاقية الطائف تحول العلاقات اليمنية السعودية الى علاقات إستراتيجية لكن ذلك لأسف الشديد لم يتحقق. والدليل على ذلك انه لم يتم عمل أي شيء يذكر لتحقيق التكامل الاقتصادي بين البلدين الذي كان احد المحاور الأساسية لها.

وكذلك فان البلدين لم يسعيا لتوحيد أهداف واستراتيجيات العلاقات الخارجية للبلدين والذي كان ثاني محور أساسي لها. فعلى الرغم من ذلك فقد ظل التكامل الاقتصادي بين البلدين منعدما كانت علاقاتهما الخارجية متنافسة وغير متناسقة. ولذلك فانه يمكن القول بانه قد تم إهدار هذه الفرصة الثمينة لإقامة علاقة إستراتجية مستدامة بين الدولتين.

وقد تعرضت هذه العلاقة الى اختبار ثان وفرصة ثانية في فترة الستينات من القرن الماضي. فعلى الرغم من ان العلاقة بين المملكة المتوكلية اليمنية والمملكة العربية السعودية لم تكن مستقرة ولا سلسلة خلال فترة أربعينات وخمسينيات القران الماضي فانه بدلا من يترتب على قيام الثورة اليمنية تصحيح لهذا الوضع فقد تسبب ذلك بتدهور العلاقات بين البلدين. فقبل قيام الثورة اليمنية كانت تحالفات البلدين متنافرة سواء الإقليمية منها اوالدولية. وقد ترتب على الاستفزازات المتبادلة بين البلدين الى قيام حرب أهلية في اليمن. وقد انعكس ذلك سلبا على علاقة البلدين استمرت آثارها حتى وقت طويل بعد انتهاء الحرب الأهلية.

فقد كان من وجهة نظري من الممكن ان تكون الثورة اليمنية فرصة لمراجعة العلاقة بين البلدين لواستفاد البلدان من الدروس السابقة لعلاقاتهما. فقد كان للدور السعودي اثر لا يستهان به في فشل ثورة ثمانية وأربعين مما كان يحتم على الثوار الجدد اخذ ذلك بعين الاعتبار. وكذلك فان الإمام احمد قد تصرف في مجال العلاقات الخارجية بشكل لا يأخذ بعين الاعتبار مصالح المملكة المشروعة الامر الذي كان يفرض على المملكة عدم تقديم الدعم لبقايا نظامه.

أما الفرصة الثالثة من وجهة نظري فقد تمثلت بعملية المصالحة اليمنية في بداية سبعينات القرن الماضي. فعلى الرغم من الدور الايجابي الذي لعبته المملكة في إنجاح هذه المصالحة ومن حسن النوايا التي بادرت بها المملكة بعدها فان العلاقة بين البلدين لم تتحول الى علاقة إستراتيجية.

ويمكن القول بان اللوم الكبير يقع على الجانب اليمني في هذه المرة. وربما يمكن تفسير ذلك من خلال حجم الحملات الإعلامية التي شوهت العلاقات بين البلدين وخصوصا في فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي. وكذلك ما ترتب على تحالفات الحرب الباردة من علاقات غير منسجمة. ومع ذلك فقد كان من الممكن تجاوز ذلك لوعملت الدولتين كفريق واحد في هذا الإطار.

ولسوء حظ اليمنيين والسعوديين فان الخطوات الايجابية التي بدأت في منتصف سبعينات القرن الماضي قد بدأت تتراجع منذ منتصف ثمانينات القرن نفسه. وقد تمثل ذلك في وضع قيود على حركة العمالة بين البلدين وعلى تراجع حجم المساعدات السعودية لليمن. وتكمن اهمية هذه الأحداث انها أظهرت هشاشة العلاقة اليمنية السعودية وبالتالي تأثرها الكبير بتصرفات غير إستراتيجية.

أما الفرصة الرابعة فكانت في توقيع اتفاقية ترسم الحدود بين الدولتين. فقد كان من المفترض ان يترتب على ذلك تهيئة الظروف المناسبة لانطلاق العلاقة بين البلدين الى أوسع مدى وان يترتب على ذلك تقوية الروابط الإستراتيجية بين البلدين بعد ان تم تجفيف منابع المخاوف المشتركة بينهما.

لكن ولأسف الشديد وعلى الرغم من الحديث المتكرر والمسهب عن مجالات التعاون بين البلدين فلم يتحقق على ارض الواقع الا الشيء القليل والقليل جدا. وما من شك بان ذلك قد أشاع شعورا من الإحباط لدى اليمنيين الذين كانت التوقعات لديهم كبيرة. ويمكن القول بان الجزء الأكبر من اللوم ينبغي ان يتحمله الجانب السعودي في هذه المرحلة وخصوصا انه هوالجانب القادر على المبادرة في هذا الامر. فقد كان من المتوقع ان يقدم مبادرات لحسن النوايا كما فعل في سبعينات القرن الماضي.

إنني اعتقد بان فتنة الحوثية والتي استهدفت الدولتين تمثل فرصة نادرة جديد ينبغي على الدوليتين ان لا يهدراها مرة أخرى.

وفي هذه الحالة سيصدق القول ربا ضارة نافعة. فمن رحمة الله للبلدين ان الحوثية عدوة لهما وبالتالي فانها لم تستطع استخدام دولة ضد أخرى. ولذلك فقد توحد جهودهما بشكل تلقائي وبدون تنسيق مسبق. ولا شك ان ذلك يوفر مناخا مناسبا لمناقشة الأسس التي يمكن ان تضع العلاقة بين البلدين على طريق التطور والاستقرار والاستدامة.