جادل بالحق.. و”من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً”

  شيخة العولقي

قال تعالى: ” إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ “[غافر: 65]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنَّ أبغضَ الرجالِ إلى الله تعالى الألدُّ الخَصِمُ ” [صحيح البخاري (ح 2457)]، والألد من اللدد أي: الخصومة الشديدة مع الميل عن الحق.

ويقول الغزالي رحمه الله عن آثار الخصومة: ” الخصومة توغر الصدور وتهيج الغضب، وإذا هاج الغضب حصل الحق بينهما حتى يفرح كل واحد منهما بمساءة الآخر ويحزن لمسرته ويطلق لسانه في عرضه فمن خاصم فقد تعرض لهذه الآفات، وأقل ما فيها اشتغال القلب، حتى إنه يكون في صلاته، وخاطره متعلق بالمحاججة والخصومة، فلا تبقى حاله على الإستقامة والخصومة مبدأ الشر، وكذا الجدال والمراء، فينبغي للإنسان إلا يفتح عليه باب الخصومة إلا لضرورة لابد منها.

عودة للآية الكريمة، يقول الله عزل وجل “إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ”.. ويروي جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامةأحاسنكم أخلاقا ً، وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون”، قالوا يارسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيقهون؟ قال: ” المتكبرون ” [صحيح الجامع (ح 1022) للألباني رحمه الله]، والكبر مما يضل بصاحبه عن الحق وهو من الحجب المانعة من الوصول إلى الحق..

ومثله الغفلة والجهل والمعاصي والكذب والفسوق.. وسماعُ الكذب والمكذبين، قال تعالى: ” وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ، لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا، وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ، لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظيم.

فالمؤمن إذاً لا يجادل المخالفين إلا لإظهار الحق، متمسكاً بالذكر الحكيم.. كتابُ الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

وليجتنب ارتفاع الأصوات في المراء عليه ان يفهم الآخر ذو الفكر المضاد(كأنه هو) لكي يستطيع أن يوصله إلى الحق الذي حاد عنه.. ولكي يعيده إلى جبلته.. جبلته التي فطر عليها وهذا هو ما يميّز العقيدة الإسلامية، أنها لا تخاطب الفكر وحده كـ(الفلسفة)، ولكنها تخاطب الكينونة الإنسانية من كــــل نوافذهـــا وتوحـــــي لها.

ولهذا على المؤمن أن يفهم طبيعة البشر أولاً.. والنوافذ الموصلة لشغاف قلوبهم وعقولهم، وعليه أن يفهم الفكر المخالف ثانياً (كيف نشأ.. وكيف غُرس فيمن يتبنّاه لكي يحاجج بغير الحق لإظهاره)، متجنباً في ذلك كله الجدلَ! والمراء! (المراء: الطعن في كلام الآخر بغير الحق لإظهار ميزتك عليه) والكبر والتحقير، وهكذا سيصل بنفسه أولا ً إلى الحق المطلق الخالص المنقى.. ومن ثم سيقود خصومه إليه بإذن الله.