ثلث الدول العربية فاشلة.. ماذا عن الثلثين الآخرين؟!

  عريب الرنتاوي

وجود خمس دول عربية – الصومال ، السودان ، العراق ، اليمن ولبنان – في قائمة الدول الفاشلة ، لا يجعل من بقية الدول الـ22 دولاً ناجحة ، فهناك 13 دولة عربية تقف على ضفاف الفشل ، بل ويمكن القول أن بعضها آخذ في الانزلاق إلى خانة الدول الفاشلة ، إما لتفاقم الصراعات الداخلية (الطائفية والمذهبية فيها) ،

أو لعجزها على السيطرة على أطرافها وصحاريها وقفارها ، أما بقية الدول العربية (4 دول) فقد أدرجت في خانة الدول ذات الكفاءة المعتدلة ، علما بأن واحدة منها على الأقل ، تشهد انقساماً مذهبياً محتدماً ، يكاد يهدد مستقبل وجودها وليس أمنها واستقرارها فحسب.

المقياس الذي أصدرته مجلة “فورين بوليسي” و”صندوق السلام” ، اعتمد تعريف الدولة الفاشلة على أنها الدولة التي تعجز عن فرض سيطرتها على أراضيها ، بما يحيلها إلى ملاذ آمن للجريمة والمخدرات والقرصنة والإرهاب ، ويعرض وحدتها الترابية للخطر ، غير قادرة على اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياة مواطنيها ولا توفر خدمات أساسية لهم ، وتميل إلى استخدام القوة والعنف ، ويتفشى فيها الفساد والاستبداد.

إن ظل حالنا على حاله ، فقد لا يكون بعيداً ذلك اليوم ، الذي ستندرج فيه غالبية الدول العربية ، في خانة الدول الفاشلة ، لا سيما وأن كثيرا منها يواجه مشكلات ضعف الدولة وتآكل شرعية الحكم ونمو البنى والعلاقات والمؤسسات “السابقة للدولة” ، إثنية كانت أم قومية ، دينية أو طائفية ، جهوية أم عشائرية ، وستشهد عملية الانحدار إلى مصاف الدول الفاشلة ، تسارعا ملحوظا إن فقد بعض المراكز الدولية اهتمامها ، كلياً أو جزئياً بالمنطقة ، ذلك أن “تماسك” بعض الدول العربية القائم حالياً ، إنما يعود للدعم والإسناد الذي تلقاه من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ، لأسباب ودوافع شتى.

في البحث عن أسباب “فشل” الدولة العربية المعاصرة ، وخصوصا في حقبة “ما بعد الاستعمار” ، ومرحلة ما بعد “الاستقلالات الوطنية” ، لا يمكن القبول بـ”التفسيرات” التي تقدمها النخب ، والتي تلقي باللائمة تارة على “الاستعمار والقوى الدولية” ، وأخرى على ما تسميه “الخصوصية العربية” ، وهي نظرية يسعى أصحابها في البرهنة على أن تراث العرب التاريخي والديني والثقافي والاجتماعي ، يتناقض مع “الحداثة والعصرنة” ، ولا ينسجم مع “منظومة الحريات وحقوق الإنسان وقواعد الديمقراطية والتعددية” ، باعتبار أن هذه المنظومة هي نتاج الحضارة الغربية بمدارسها المختلفة ، وليست مولودا طبيعيا للحضارة العربية الإسلامية.

وغني عن القول ، أن جميع هذه “التفسيرات” هي حجج وذرائع ، تستخدم غالبا لتبرير حالة “الانحباس والمراوحة” التي تعيشها عملية الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي والتنمية الاقتصادية الاجتماعية الشاملة في الدول والمجتمعات العربية ، كما أنها ذرائع ومبررات تُساق لتأبيد “حالة الركود” التي تعيشها نظم الحكم العربية.

ويجادل معظم المثقفين والإصلاحيين العرب ، في أن السبب الرئيس لفشل الدولة الوطنية العربية إنما يعود لأنماط الحكم التي سادت في مرحلة ما بعد الاستقلال ، حيث تميّزت معظم النظم العربية ، وبدرجات متفاوتة ، بكونها نظما ديكتاتورية عسكرية أو استبدادية شمولية ، اعتمدت في الوصول إلى السلطة أو الحفاظ عليها ، على القوة العسكرية والأمنية المفرطة ، همّشت الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني ، عطّلت القضاء وصادرت استقلاليته ، سيطرت على الصحافة ووسائل الإعلام وجردتها من دون دورها الرقابي ، قضت على مبادئ فصل السلطات ، وجمعت كافة الصلاحيات الدستورية في يد شخص واحد.

وفي سعيها لتأبيد وجودها في السلطة ، وبناء قاعدة اجتماعيه للحكم ، اعتمدت معظم هذه الأنظمة على سياسة فرّق تسد ، عطلت سيادة القانون ومبدأ المواطنة كأساس للحقوق والواجبات ، وكناظم للعلاقة بين الفرد والدولة ، اعتمدت على العائلة والعشيرة والطائفة ، حكمت الأغلبية بالأقلية ، وأقصت فئات اجتماعية بأكملها ، أو همّشت حضورها الاقتصادي والسياسي ، وبنت مؤسسات الدولة ، على قاعدة “الولاء السياسي” العائلي والطائفي والعشائري ، وحرمت قطاعات كبيرة من مواطنيها من حقوقهم الأساسية.

لقد أدى ذلك كله ، إلى نمو “الهويات الثانوية والفرعية” وانتعاش البنى والروابط الطائفية والعشائرية ، وتعاظم دور “اللاعبين اللا دولاتيين” ، لاسيما بعد أن فقدت الدولة العربية كثيرا من عوامل قوتها الاحتكارية ، فتحرير التجارة والاقتصاد أضعف دور الدولة الريعية وأفقدها دورها كأكبر رب عمل وعزز دور القطاع الخاص ، وثورة الاعلام والاتصال والإنترنت ، أفقدت الدولة لسيطرتها الاحتكارية على وسائل الإعلام ومصادره ، وفي عدد من الدول العربية ، أدى انتشار السلاح بين الناس ، إلى إفقاد الدولة لحقها الاحتكاري الحصري في استخدام القوة.

وإذا كانت الصومال تنهض كشاهد على “الحد الأقصى” الذي يمكن أن تبلغه “الدولة الفاشلة” من تفكك وانهيار داخلي ، وتهديد للأمن والاستقرار الداخلي والإقليمي والدولي على حد سواء ، فإن هناك عدة دول عربية تغذ السير على “الطريق الصومالي” وتكاد تقترب من التفكك والتقسيم.