الدور الإيراني في حروب صعدة؟

  علي محمد السراجي

قيام الثورة الإسلامية في إيران بداية العام 1979 أضاف مزيدا من الدفء للعلاقات بين اليمن وإيران، إذ أرسل اليمن وفودا سياسية ودينية عالية المستوى للتعبير عن التأييد والمباركة بقيام الثورة.

لكن هذا الحال لم يدم طويلا، فمع اندلاع الحرب بين العراق وإيران بداية الثمانينيات شهدت علاقات البلدين تدهورا كبيرا. فعلى مدى سنوات الحرب الثمان دعم اليمن العراق في حربه إيران سياسيا وعسكريا، إذ قاتل آلاف العسكريين والمتطوعين اليمنيين ضمن ما كان يسمى بألوية العروبة، وكان الرئيس اليمني علي عبد الله صالح من زعماء قلائل زاروا جبهة القتال.

لكن رغم كل ذلك لم تسجل على إيران محاولات واضحة لتصدير الثورة الإسلامية إلى اليمن باستثناء نشاطات محدودة هدفت إلى دعم أوساط وشخصيات شيعية يمنية هي اليوم تصنف على أنها أقرب إلى المذهب الجعفري الاثنى عشري السائد في إيران منها إلى المذهب الزيدي الذي يتبعه جزء من سكان شمالي اليمن.

مع نهاية حرب الخليج الثانية التي اتهم اليمن خلالها بدعم الغزو العراقي للكويت، والتحسن التدريجي الذي شهدته العلاقات اليمنية الخليجية في النصف الثاني من التسعينيات، بدأت علاقات اليمن مع إيران بدورها في التحسن.()

فبعد إعادة تحقيق الوحدة اليمنية شهدت العلاقة بين البلدين تطوراً ملحوظاً في مجالات عديدة، وقام فخامة الأخ / علي عبد الله صالح رئيس الجمهورية اليمنية بزيارة تاريخية إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال الفترة من 17 إلى 19/ 4/ 2000 وبالمقابل قام فخامة سيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية بزيارة إلى الجمهورية اليمنية خلال الفترة 15 إلى 16/مايو / 2003 وشكلت الزيارتان منعطفا تاريخيا هاماً في مسيره العلاقات بين البلدين..()

وكانت إيران في العهد الإصلاحي برئاسة خاتمي تمثل النضج السياسي والذي شهد تقاربا عربيا / ايرانيا وانفتاحا على العالم، مما خلق حالة من الثقة والارتياح والوفاق، وهيأ مناخاً تفاؤلياً في المنطقة، غير أنه لم يلبث أن تلاشى هذا الشعور الايجابي مع مجيء محمود أحمدي نجاد رئيسا لإيران في انتخابات2006 الذي يبدو أنه في طريقه إلى إعادة المعادلة إلى نشأتها الأولى، حيث يتم تغليب الطرح العقائدي الإيديولوجي على مصالح الوطن واهتماماته.()

وقد شكلت الأرضية المذهبية (الزيدية) في اليمنمحضناً خصباً لهذا التغلغل الشيعي خاصة بعد حرب الخليج الثانية وتدمير العراق. وبذلت الدبلوماسية والسفارة الإيرانية في صنعاء جهدا مكثفا لاستقطاب أتباع المذهبالزيدي منذ عام 1990م، حيث توجهت الأنظار إلى اليمن كلاعب إقليمي ناشئ ومؤثر. وكانتإيران مخيّرة بين دعمها حزب الحق ودعمها للشباب المؤمن، وكان الحظ حليف هذا الأخيركونه يتواءم، مع طبيعة سيناريو التغيير الذي سيطال المنطقة والذي بدأتتتكشف ملامحه بعد سقوط بغداد (مارس 2003)

في بداية العام 2004 تبين للقيادة اليمنية أنها لم تكن الداعم الوحيد لتنظيم الشباب المؤمن في صعدة الذي يتزعمه حسين بدر الدين الحوثي الذي يتبنى كثيرا من أفكار المذهب الجعفري.

وحتى مع اندلاع المرحلة الأولى من القتال والمواجهات بين أنصار الحوثي بداية من يونيو/حزيران 2004، ثم المرحلة الثانية في نهاية فبراير/شباط 2005 لم توجه أصابع الاتهام رسميا إلى إيران، بل وبدا أن علاقات البلدين لم تتأثر في الظاهر بما يجري، وكانت مواقف اليمن الداعمة للموقف الإيراني فيما يتعلق بملف إيران النووي مؤشرا على ذلك.

لكن الأمر بدا مختلفا مع نشوب الحرب الثالثة بين جماعة الحوثي والدولة منتصف يناير/كانون الثاني 2007.()

ويبقى من المهم في هذه العجالة الإشارة الى إن مشروع التمدد الايراني جاء تنفيذا لتوصيات المؤتمر التأسيسى لشيعة العالم فى مدينة قم الإيرانية، والذي أوصى بضرورة تعميم التجربة الشيعية التى قال انها كانت ناجحة فى العراق إلى باقى الدول العربية والإسلامية الأخرى منها “السعودية” و”الأردن” و”اليمن” و”مصر” و”الكويت” و”البحرين”، وذلك من خلال بناء قوات عسكرية غير نظامية لكافة الأحزاب والمنظمات الشيعية بالعالم عن طريق إدخال مجموعة من الأفراد داخل المؤسسات الحساسة العسكرية والأجهزة الأمنية ودعمها ماليا عن طريق تخصيص ميزانية خاصة بها.

وبرز الدور الإيراني مبكرا منذ أول اعتداء نفذه الحوثي على مواطنين وجنود الأمن عام 2004م حينما صدر بيان عن مجموعة من علماء الدين في ايران يحتجون على قيام الدولة بواجبها لحماية المواطنين، تبعه مطالبة متظاهرين كانوا مجتمعين أمام السفارة اليمنية بطرد السفير اليمني من طهران وتغيير اسم الشارع الذي تقع فيه سفارة اليمن إلى اسم الحوثي.

ومن يوم لأخر تتزايد شواهد وبراهين وأدلة الأصابع الإيرانية في تحريك فتنة صعدة (أسلحة، اموال،منشورات، تدريب، اعترافات، مبادرات ووساطات سرية وعلنية لإيقاف الحرب عند تضييق الخناق على المتمردين، دعم لوجستي وسياسي للمتمردين.ومظاهرات واحتجاجات…الخ) حتى بدا ذلك الدعم مثله مثل التفاح الإيراني في الأسواق اليمنية.

وتلقائيا تتناثر ملامح الدعم الإيراني لفتنة صعدة في أكثر من زاوية وتتكشف عراها في سلسلة احداث وشواهد ميدانية واحاديث مترابطة روحيا ولوجستيا –بشكل يكشف بوضوح عن حقيقة المشروع الذي تحاول ايران تنفيذه في المنطقة كلها وليس في اليمن فحسب. ()

تورط إيران في صعدة لا يحتاج إلى دليل[]، ووزارة الخارجية الإيرانية لم تنف ذلك، لكنها حاولت أن تعطيه صبغة شعبية بدل الصبغة الرسمية. وذلك بالرغم من وقوف اليمن مع إيران فيما يتعلق بملفها النووي في المحافل الدولية، ورغم أن يمن ما بعد الوحدة كان حريصاً على تمتين العلاقات مع إيران وخصوصاً في مجال الاستثمار.[]

إن إيران التي تمتلك وجودا حقيقيا مؤثرا في عراق ما بعد الاحتلال الأمريكي، تسعى لأن تمتلك وجوداً مماثلا من خلال الولاء المذهبي في العديد من دول الخليج ومنها اليمن. وقد نقلت قناة (الجزيرة) عن حسين شريعتمداري مستشار خامنئي القول: إننا نسيطر على الوضع كلياً في الشرق الأوسط، فإيران تسيطر على أكبر تشكيلين عسكريين في العراق هما فيلق بدر وجيش المهدي، كما تسيطر على أكبر حزبين سياسيين حزب الدعوة والمجلس الشيعي الأعلي.[]

وهذه نتيجة لا ينبغي أن تكون مُستغرَبة في ظل الولاء العقدي، فكما كانت الدعوة الإيرانية، سواء بصورة رسمية أو شعبية واضحة عند الجميع، فإن الدعم الشعبي الشيعي الديني كان موجوداً على الساحة -أيضاً، وقد أشار مسئولون يمنيون إلى ذلك، مما أدى إلى زيارة وفد أمني بحريني لليمن للاطلاع على كل ملابسات الموضوع. وقد دفع هذا التعاون القديم الجديد المستمر بين شيعة إيران وغيرهم من جهة وتمرد الحوثي من جهة أخرى، سميرة رجب -عضو مجلس الشورى البحريني- لإبداء استغرابها من غفلة الدولة عن نشاط الشيعة.[]

وتشير بعض المصادر الى أن الحوثي كان يدفع رواتب لبعض مؤيديه، ويركز على تقديم المساعدات الاجتماعية والخيرية، وتلفت الى أن التطورات التي حدثت في اليمن فيما بعد حرب الخليج، وعودة أكثر من مليون يمني كانوا يعملون في السعودية، والأعباء الاقتصادية التي ألقيت على الاقتصاد اليمني، ساعدت الحوثي على استقطاب مئات العائدين العاطلين عن العمل.

ويرى المحللون أن الصعود المتنامي لتنظيم الشباب المؤمن، يعود إلى استغلال حسين الحوثي للدعم الإيراني المخصص لنظرية “تصدير الثورة”، والذي كان في بداية الأمر دعماً فكرياً أكثر منه مادياً، إلا أنه تحول إلى دعم مادي وعسكري بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق والفورة التي شهدها النفوذ الإيراني.()

إلا أن إيران لم يثنها سلوك اليمن عن موقفها المنطلق من عقيدة تصدير الثورة والتحكم بمنطقة الشرق الأوسط عموماً من خلال الأقليات الشيعية الموجودة فيه، والمدعومة باستمرار منها. فقد سعت إيران بكل قواها وبشكل منظم إلى الربط بينها وبين الشيعة في العالم، وخصوصاً منطقة الشرق الأوسط، بطريقة “باباوية”! فشيعة مصر، وشيعة موريتانيا، وشيعة سوريا، وشيعة الخليج، وشيعة تركيا، وشيعة أفغانستان لهم مرجعية عليا واحدة في طهران، وصورة خميني في مكاتب هؤلاء جميعاً. واليمن بالطبع تعاني معاناة الآخرين في هذا الاتجاه(.(

لأن الخطاب الرسمي الإيراني يظهر إصراراً وإلحاحاً عجيبين في إضفاء الطابع المذهبي والطائفي على المواجهة الجارية بين الدولة وعصابة متمردة خارجة على القانون والنظام العام في صعدة باليمن. وبالأمس قالها وزير الخارجية الإيراني “منوشهر متكي” صراحة، وأطلق –للمرة الأولى تقريباً بشكل رسمي وعلني- تسمية “الشيعة” على المتمردين الحوثيين، وهو ما كنا نقوله ونحذر منه خلال الأشهر والسنوات الماضية، ورفضت طهران وبعض حلفائها، دولاً وجماعات وأفراداً، التصديق عليه..بأن الخطة الموجهة والمنفذة تستهدف زراعة وإشعال بؤر توترات وصراعات طائفية ومذهبية بالاعتماد على إخصاب وإنبات جيوب شيعية في اليمن، وغير اليمن، حتى لو اقتضى الأمر التوغل في المذهب الزيدي وتحويل جزء من أبنائه وأتباعه عن عقيدتهم الصافية، وفكرهم المستنير،وإيجاد حالة طارئة وصاخبة من التشيع الموالي لإيران وللمذهب الإيراني!()

وقد وقف الإعلامي الإيراني، كما في قناة (العالم) التي بثت ما يزيد عن 47 برنامجاً عن حركة الحوثي في حوالي سبعة أشهر[]، ناهيك عن استخدم شبكة المعلومات (الإنترنت) استخداماً جيداً في نشر أفكارهم وتصميم مواقع لتسويق آرائهم وجذب أنصارهم، وخاصة في اليمن، حيث أصبح للعديد، من الذين اعتنقوا الاثني عشرية، مواقع في الشبكة العنكبوتية، ومن أبرزهم: عصام علي العماد، و محمد العمري. فقد ذكر أحد مواقع الإنترنت، أن الشيعة الإمامية الاثني عشرية في اليمن تعتبر إحدى الفرق المميزة في الساحة، وأن نسبة معتنقي هذا المذهب يزدادون سنوياً، وخاصة أيام محرم وصفر وشهر رمضان المبارك.

كما أن الشخصيات المتحولة إلى المذهب الاثنى عشري -أمثال المدعو عصام العماد- يلقى ترحيباً في الفضائيات الشيعية مثل (الكوثر)، حيث يبث سمومه منها باتجاه اليمن. ما جعل اليمن تطالب بتسليم المذكور لها[]. فهو يبدي موقفا مؤيدا وداعما لحركة الحوثي.

ومن الدعم المقدم لحركة الحوثي الدعم المالي الذي لم تتمكن إيران من نفيه بالكلية. ولولا أن هناك أدلة لما اضطرت للقول بأن هذا الدعم موجود لكنه من قبل مؤسسات خيرية أو أهلية، حسبما صرح به أكثر من مصدر، سواء وزير الخارجية الإيراني أو السفير السابق أو السفير الحالي في صنعاء. هذا إضافة إلى شحن المخدرات التي ترسل بغية الاتجار بها واستخدام عائداتها لصالح الحركة.

وقد أشارت صحيفة (الشموع)[] إلى أن مصادر مطلعة نقلت لها أخبار اجتماع ضم سفيري طهران وبغداد وشخصيات زيدية ومسئولين في شركات إيرانية لبحث آليات التعاون مع الحوثي وكيفية إيصال الأموال لهم.

والأهم من هذا وذاك هو الدعم العسكري اللوجستي للعمليات الحوثية. وهو دعم أشارت إليه رسالة بدر الدين الحوثي الموجهة إلى جواد الشهرستاني –وإن كانت لم توثق من مصدر مستقل.

ولم يعد سرا القول إن إيران ترى أن التدخل في شؤون الدول الأخرى وهز استقرارها هدفا يحقق لها الهيمنة والسيطرة على تلك الدول، وبالتالي تكون قوة إقليمية وحيدة (شرطي الإقليم) ويرى البعض أن تدخلها يكون عادة عبر دعم العناصر والعملاء والحركات مادياً وعسكرياً وإعلامياً بدءا من أفغانستان إلى العراق وفلسطين ولبنان مروراً بدول الخليج واليمن فضلاً عن اختراقاتها في سورية ومصر.

وكان مسؤول امني يمني ذكر أن الجيش اليمني عثر على مخابئ أسلحة ومعدات إيرانية الصنع، لكن إيران أعلنت أنها “تحترم” وحدة الأراضي اليمنية ودعت الى إرساء السلام في البلد، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية في مؤتمر صحافي: “نحن نحترم وحدة أراضي اليمن، ونعتقد انه يجب إرساء السلام والهدوء فيها. وأكد ان “مسألة صعده هي مسألة داخلية ونأمل في أن يعود السلام هناك من خلال حل سلمي لأن سفك الدماء لا يمكن أن يكون حلا”. ()

بعد السابع من سبتمبر/ ايلول الماضي لم يعد تورط إيران بدعم التمرد الحوثي وتدخلها في شأن يمني داخلي بحاجة لأدلة دامغة أكثر من إعلان وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي استعداد بلاده تقديم المساعدة (لإيقاف الاقتتال في محافظة صعدة)، وفقا لما أوردته وكالة الأنباء الإيرانية، وقبله تأكيد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية حسن قشقوي في الـ(24) من أغسطس الماضي على حل مسألة صعده من خلال (الحل السلمي لان سفك الدماء لا يمكن أن يكون حلا)، وقبلهما بيوم واحد تشديد السفارة الإيرانية في البحرين( على الوحدة الوطنية للجمهورية اليمنية،) وتأكيد السفارة أن بلادها ( تساند أية حركة لتوحيد الصفوف للشعب اليمني الشقيق) وكأنما الشعب اليمني غير موحد ولن تتحد صفوفه الا بمساندة ايران (أية حركة ) وليس شرطا ان تكون (حركة الحوثي).

هكذا يقرأ باحثون وسياسيون إعلان خارجية إيران (استعدادها المساعدة)في وقت ارتفع سقف الاتهامات اليمنية لجهات إيرانية حتى جاءت بلسان رئيس الدولة ما يشير إلى أن أدلة جديدة دامغة وقعت في أيدي الجهات المختصة ربما كان من شأنها حل لغز الحرص الإيراني على استقرار اليمن ووحدة اليمن، وكذا دعمه لأي حركة توحد الصفوف، وفك طلاسم الفزورة القائلة إن الدعم الإيراني المقدم للحوثيين يأتي عبر جمعيات دينية وليس عبر جهات رسمية !!.

وسبق لوزير الخارجية الإيراني منوشهرمتكي في أغسطس الماضي التعبير عن قلق بلاده إزاء أوضاع من أسماهم بـ”الشيعة” في اليمن.

وقال متكي خلال استقبال السفير اليمني في طهران:” تدعم إيران علاقات طيبة بين الحكومة اليمنية والحوثيين الشيعة في البلاد ” وأضاف :” يمكن للحكومة اليمنية والحوثيين إكتساب دعم بعضهما البعض من خلال التفاعل البناء ” وهو ما اعتبره محللون سياسيون اعترافاً إيرانياً لا يقبل الجدل بان الحوثيين طرفاً مستقلاً عن الدولة ولذلك فهي تدعمهم علانية بنفس القدر الذي تدعم فيه الحكومة اليمنية، كما أنها ترى بوجوب إقامة علاقة جوار طيبة بين (الحكومة والحوثيين).

ويبدو واضحاً هنا تجاوز الدعم الإيراني العسكري والمادي والإعلامي المقدم للمتمردين الحوثيين في صعدة إلى النطاق الدبلوماسي العلني، فلم تكتف خارجية إيران في مضمون تصريح وزيرها باختلاق الافتراءات في حديث ” أوضاع الشيعة” ولا في التعامل مع الحوثيين وكأنهم كيان مستقل وليسوا متمردين، بل ذهبت الصفاقة الإيرانية لنصح الحكومة اليمنية بإقامة ما يشبه علاقة جوار بين الحكومة والطرف المستقل من خلال حديث ” إكتساب دعم بعضهما البعض. ()

على أن هذه الرؤية ترتكز على إثارة الفوضى والقلاقل والفتن في دول المنطقة وتحديدا تلك التي لا تتفق مع توجهات طهران، ولعل خلية حزب الله في مصر وخططها للقيام بعمليات إرهابية، فضلا عن المعلومات التي ذكرناها آنفا من اعترافات السعودي محمد العوفي بتخطيط قاعدة اليمن المدعومة إيرانيا باستهداف المنشات النفطية والحيوية في السعودية ودعم الحوثيين، جاءت لتضع المخطط الإيراني في المنطقة تحت المجهر وترسخ نهج السياسة الإيرانية في خلط الأوراق واستخدام وسائل غير مشروعة من أجل المراهنة على دور أكبر لها في المنطقة. ويبدو أن الصورة بدأت تتضح، واللغز لم يعد لغزا بدليل ما نسمعه من تصريحات لمسئولين إيرانيين تدعو للدهشة والاستغراب.

ولعل تصريحات وزير الخارجية الإيراني ورئيس البرلمان الإيراني في الفترة الماضية، جاءتا لتؤكدا أن ثمة تدخلا لطهران في الحرب الدائرة في اليمن، وهي في مضمونها إدانة واضحة للتورط الإيراني، وتكشف عن دعم سياسي معلن للحوثيين، فضلا عن أنها تضمنت إملاءات على صنعاء والرياض قوبلت بالاستهجان لا سيما أنها تأتي متزامنة مع موسم الحج والمراقب المحايد لهذه التصريحات يشعر بأنها لا تساهم في خلق مناخ إيجابي في المنطقة، ولا تخدم استقرار دول المنطقة وتحد من التقارب بين دول الخليج وإيران، رغم أن إيران تعلم بأن الوضع الإقليمي أحوج ما يكون إلى التهدئة والحوار، ولكنها بذلك تصب الزيت على النار من أجل إشعال فتيل فتنة في منطقة أخرى بعدما أشعلتها في اليمن والعراق وفق رؤية البعض.()

لقد سعت طهران منذ البداية وهي تراقب عن قرب تطور القتال في صعدة إلى لعب هذا الدور، وبكل الوسائل المتاحة أمامها، لكنها وبعد أن اتضح لها بما لا يقبل الشك، أن ورقة التيار الصدري ليست صالحة للعب، وأن لصنعاء حساسية شديدة حيالها، اتجهت إلى تطوير مبادرة دبلوماسية هادئة، بإرسال وزير خارجيتها متكي إلى صنعاء، بيد أن صنعاء اعتذرت بلباقة عن استقباله بسبب ازدحام جدول أعمال الرئيس عبدالله صالح. فماذا يعني ذلك؟ هناك هدفان رئيسان ترغب طهران في تحقيقهما في هذا الطور من الأزمة.

الأول: امتصاص أجواء «السخط» والغضب من مزاعم رائجة في العالم العربي والغرب عن تدخلها في أزمة صعدة لصالح الحوثيين. وفي هذا النطاق، فإن إيران ترغب في خلق صورة جديدة أكثر «واقعية» عنها في المنطقة، تقول من خلالها للغرب كله، إنها مهتمة بلعب دور إيجابي. وبالطبع، تدرك طهران أن دورها في العراق ولبنان وأفغانستان أصبح ملفاً مقلقاً للغرب ولجيرانها العرب على حد سواء، شأنه شأن ملفها النووي المثير للجدل. ولذلك، سوف تبدو بوابة صعدة هي البوابة المناسبة والضرورية لبلورة صورة جديدة عن إيران «إيجابية ومتعاونة» وغير مثيرة للقلق.

الثاني: أن طهران تدرك بعمق أن أزمة صعدة آخذة في التطور بسرعة إلى أزمة كبرى من أزمات المنطقة، وذلك مع تزايد أعداد النازحين والهاربين من جحيم الاقتتال الداخلي، بل آخذة في التحول إلى حرب داخلية طويلة مع إصرار صنعاء على استمرار القتال ضد الحوثيين حتى لو تطلب خوضه خمس سنوات أو أكثر كما قال الرئيس صالح في خطابه الأخير. وهذا يعني ببساطة، أن الأزمة سوف تجذب المزيد من القوى الدولية والإقليمية إلى ساحتها الدبلوماسية والسياسية. ولذلك تريد طهران أن تصبح، منذ الآن حتى إشعار آخر، طرفاً في أي حل مستقبلي يتقرر فيه مصير الكيان اليمني.

أن طهران لن تكف عن طرح نفسها كطرف إقليمي في أزمة آخذة في التطور كأزمة إقليمية. ولهذا السبب لا ينبغي بأي شكل من الأشكال تصوير المحاولات الإيرانية المحمومة للعب دور الوسيط، وكأنها موجهة لتقديم دعم -من منظور مذهبي أو طائفي- لجماعات محلية هنا وهناك.

إن اتهام صنعاء لطهران، بأن لها يداً في «تأجيج الصراع» لن يكون مفهوماً إلا إذا فهمنا استراتيجيات طهران. نعم. إنها لا تخفي «تدخلها» هناك، لأن المعركة في صعدة ستكون في المستقبل معركة السيطرة على اليمن والبوابات البحرية، وطهران بالطبع تشعر أن حرباً من هذا النوع ستكون حرب حياة أو موت بالنسبة لها. لا تلوموا طهران لأنها تتدخل هنا، وهناك، في البصرة وغزة وصعدة.

إن المؤشرات الدّالة على أن أزمة صعدة، سوف تتحول إلى أزمة إقليمية كبيرة وخطيرة، لا تكمن فقط في وجود توتر يمني- إيراني، بل وكذلك في وجود توتر مصري-سعودي، ويمني-عراقي.

الإيرانيون يواصلون البحث عن أماكن يمكن من خلالها ضرب الدول الموالية للغرب في الشرق الأوسط مثل السعودية ومصر وبالطبع إسرائيل.. الموقع الاستراتيجي لليمن إما بحكم سيطرته على خطوط الملاحة الدولية وبسبب قرب اليمن من القرن الإفريقي وتأثيره على الصومال أو قربه من السعودية الحليف الرئيسي للولايات المتحدة،للتذكير فقط، فقد قامت إيران بنشاطات ضد اليمن عن طريق تهريب الأسلحة ودعم الحوثيين من أجل إيجاد موطئ قدم في خليج عدن وفي الموانئ اليمنية، هذا في نطاق تعزيز مكانتها الإقليمية وانطلاقا من إستراتيجية الهيمنة. (

اذاً لم يعد تدخل إيران في حرب صعدة خافياً أو يمكن التستر عليه، بل ليس من واجبنا أو أهدافنا تبرير هذا التدخل أو التقليل من مخاطره، وربما تكون طهران نفسها مستعدة لتبريره إذا لزم الأمر. ما يتعين علينا القيام به لفهم هذا التدخل بصورة دقيقة، هو -وببساطة- أن ننظر إليه كتعبير عن استراتيجية إيرانية بعيدة المدى، تقوم على أساس التحسب للمخاطر التي تواجه مصالحها الكبرى. صحيح أن صعدة قد لا تبدو نقطة تقاطع في المصالح الاستراتيجية الدولية، ولكن الصحيح أيضاً أنها في قلب بلدٍ، شكّل عبر التاريخ نقطة تقاطع وصراع في استراتيجيات الدول والإمبراطوريات.

والمهم أن ننظر إلى أزمة صعدة على حقيقتها، وأن نفهم أبعاد وخفايا التدخل الإقليمي والدولي فيها، كتدخل من أجل أهداف ومصالح أكبر بكثير من «المذاهب» و «الطوائف». ومثل هذا التدخل -الذي يصبح مع الوقت مزعجاً لنا- قد يصبح بالنسبة لإيران، مخرجاً وحيداً أمامها للعب دور أكبر في صراع طويل على مستقبل البحر الأحمر لا مستقبل صعدة. لدينا اليوم -مع دخول القاهرة على الخط- قائمة تضم بغداد والرياض وطهران. أما اللاعب الدولي الأكبر -نعني واشنطن- فلم يتقدم بعد إلى مقدمة المسرح لحسابات استراتيجية. وبالطبع، فلكل عاصمة من هذه العواصم دوافعها وأسبابها وأدواتها أيضا. بالنسبة لواشنطن، فإن الجماعة الحوثية تهدد مستقبل المخططات المرسومة للهيمنة على ساحل البحر الأحمر وعلى الموانئ في المنطقة، وهي شبيهة بالمتمردين والقراصنة الصوماليين الذين يهددون الملاحة البحرية وخطوط التجارة الدولية والموانئ، كما أنها جماعة شبيهة «بالصدريين» الذين شكلوا وما يزالون، خطرا على «مستقبل» ميناء البصرة.

ولذلك ترغب واشنطن في حسم الصراع مع الحوثيين -مثلما رغبت في طرد الصدريين من البصرة- -كما يخبرنا تاريخ الحروب الداخلية في المنطقة- غالبا ما يفتشون عن «وسيط» لا يمثل دولة أو طرفا متورطا في الصراع. وليس هناك من طرف يمتلك «وسيطا» بهذه المواصفات سوى طهران، فهي تستطيع لعب ورقة الصدريين وحزب الله في أي وقت من تطور أزمة صعدة، وبحيث تنأى بنفسها من الظهور بمظهر المتورط، تماما كما تفعل واشنطن.

مع حرب صعدة تبدأ في المنطقة حرب استعمارية كبرى وجديدة، من أجل السيطرة على الموانئ والممرات والبوابات البحرية من البصرة إلى باب المندب مرورا بميناء غزة. بالنسبة لطهران، فبكل تأكيد ليس تدخلها في حرب صعدة تدخلاً «طائفياً» من أجل انتصار «مذهب» صغير من مذاهب الإسلام، بل هو فصل في استراتيجية بعيدة المدى من أجل قطع الطريق على محاولات «خنقها» بحريا(ً.(

أمن البحر الأحمر له أبعاد إقليمية ودولية، وأي تواجد لإيران في هذا البحر والتي تدعم منظمات إرهابية كالحوثيين في اليمن والحركات الجهادية في الصومال، سيزيد من حدّة التوتر الذي سيؤثر قطعا على مصالح هذه الأطراف ويعرضها للخطر. لذلك من المتوقع أن تتصاعد سخونة الوضع السياسي اليمني، وتندلع جولة المواجهة السابعة الجديدة بين المسلحين الحوثيين في الشمال والحكومة اليمنية

كما ان خريطة المشهد الإستراتيجي والأمني في شرق إفريقيا تشهد حاليا تطورات بالغة الأهمية والخطورة على حدّ سواء، وأهم هذه التطورات الصراع المركب في اليمن بين النظام المركزي في صنعاء والحوثيين المدعومين من إيران من جهة، وبين الجنوب والشمال حيث يصمم الحراك الجنوبي على إعادة تقسيم اليمن بين شمال وجنوب، ثمّ تصاعد ملحوظ في عمليات تنظيم القاعدة وما يستتبعه من تصعيد في التدخل الأمريكي، كما ان الضغط الأميركي على تنظيم القاعدة في أفغانستان وباكستان والعراق، سيؤدي إلى دفع المزيد من عناصره باتجاه الانسحاب إلى المسرح اليمني الأمر الذي سوف يؤدي بالتأكيد إلى رفع احتمالات المواجهة والتصعيدات المسلحة في وسط اليمنوعموما النفوذ الإيراني في كل أنحاء الشرق الأوسط ضعف في الآونة الأخيرة بفعل تصاعد الصراع من جانب معظم الدولة العربية لكن هذا النفوذ مازال خطرا جدا

المراجع التي اعتمد عليها الكاتب :

– اليمن وإيران.. من التأييد إلى التذبذب والاستعداء – مراد هاش – مركز قناة الجزيرة لدراسات الاستراتيجية 2007
– السياسة الخارجية للجمهورية اليمنية وثائق واحصائات 2005 صفحة رقم (88)
– تمرد الحوثي.. دعم إيـراني بـلاحــدود – السبت, 17-أكتوبر-2009 – المؤتمرنت – جميل الجعـدبي –
– هذا ما قاله سلطان البركاني الأمين العام المساعد لحزب المؤتمر الشعبي العام لقطاع الشؤون السياسية والعلاقات الخارجية في حديثه لصحيفة (الأهرام العربي)، في 19/7/2008م.
– تقرير عن العلاقات بين اليمن وإيران، ميدل إيست أونلاين، في 13/2/2007م.
– موقع (الجزيرة نت)، في 24/6/2008م.
– الشموع، في 19/1/2008م.
– الحوثيون..صراع سعودي إيراني على أرض اليمن – 2009.09.03 – صحيفة الشروق اولاين
– لماذا لا تحاور طهران (عبدالمالك ريغي)؟!! – الأربعاء, 11-نوفمبر-2009 – أمين الوائلي –
– الروافض قادمون – قصة الغزو الاثنى عشري للفكر الزيدي – بقلم عبدالفتاح البتول – مجلة المنتدى اليمنية العدد 87/88 / 2004
– صحيفة الوسط اليمنية، في 25/6/2008م.
– في 9/4/2005م.
– سلسلة مقالات (صدريون في صعدة و«حوثيون» في النجف ) صحيفة الراية القطرية – فاضل الربيعي 2009-11-10
– انظر موقع http://www.natourcenter.com