الإرهاب في اليمن يستهدف المملكة

  عادل درويش

طالعتنا «الشرق الأوسط» الخميس بعنوان «أوروبا ترقبت الإرهاب.. وتلقى اليمن الضربة». وهو عنوان ينبه المثقفين، عربا ويساريين غربيين، إلى فخ الخطاب المغالط للعصابة البنلادنية الظواهرية المعروفة بـ«القاعدة»، وهو خطاب يبرر الإرهاب بأنه رد فعل لسياسة خارجية أميركية ولاحتلال إسرائيل للضفة الغربية.

عصابات الإرهاب، سارقة راية الإسلام، تستهدف الغرب «الصليبي» في خطابها على الإنترنت، أو عبر أبواقها من صحافيين راديكاليين في فضائيتها المفضلة، بينما توجه الضربة لأراضي المسلمين.

الحكومة اليمنية لا شك تتحمل قدرا من المسؤولية عما حدث..

الأسباب؟

الفساد المتفشي.. فهي كغيرها من أنظمة كثيرة، أصبح الفساد، واحتقار حق المواطنين في محاسبة الحكومة عن أوجه إنفاق ضرائبهم، وتجاهلها سيادة القانون، القاعدة في نشاطها وليس الاستثناء.

أيضا خيبة أمل الجنوبيين من تحقيق ازدهار اقتصادي (رغم الدعم المادي الغربي لصنعاء) بعد الوحدة التي شهدت تراجعا في الحريات الاجتماعية، سبب آخر.

وهناك تدخلات خارجية، خاصة من جانب إيران، لدعم الحوثيين، في حروبها بالنيابة ضد البلدان العربية.

الانقسامات في اليمن تعود أيضا لتراكمات سلبية تاريخيا، بداية باستيلاء العسكر (انقلاب عبد الله السلال) في مطلع الستينات على الشرعية، وتوريط الرئيس المصري الراحل الكولونيل جمال عبد الناصر جيش مصر موسعا الحرب الأهلية في اليمن. وكلها عوامل مساعدة وليست السبب الأساسي في وجود عصابات إرهاب، إما مرتبطة بعصابة بن لادن والظواهري أو تتبع خطها.

السبب الأساسي لوجود الإرهابيين في اليمن هو استراتيجية «القاعدة» الأساسية، التي تستهدف المملكة العربية السعودية، كغاية هي السبب وراء خلق «القاعدة» أصلا، مهما حاولت بروباغندا الإرهاب والفضائيات الراديكالية، والصحف الثورجية، سواء الصادرة في المنطقة العربية أو في لندن، أن تدعي أن الحركة الجهادية الإسلاموية تستهدف أميركا والغرب.

الغرب وإسرائيل هما مجرد جسر يمر عليه إرهاب هذه الحركات، بهدف تكتيكي وهو إبعاد عيون المعلقين العرب، واليسار الأوروبي، عن الهدف، فتبقى الأعين معلقة على عبور الإرهاب هذا الجسر، وتصفق وتهلل وتخلط بين خطاب «القاعدة» والخطاب الثورجي الذي تبنته حكومات الانقلابات العسكرية العربية؛ فتبرر الإرهاب بأنه رد فعل لاحتلال إسرائيل الضفة الغربية ولوجود أميركا في أفغانستان.

فهل يذكر أحد عملية واحدة نفذتها «القاعدة»، أو أحد صبيان «شيخي المنسر»، بن لادن والظواهري، ضد هدف إسرائيلي؟

إذا تذكر أحدكم فليدلني ببريد إلكتروني، لأني بحثت في أرشيف «ليكساس نيكساس»، الذي يضم جميع ما نشره الإعلام في كل أنحاء العالم منذ الخمسينات، فلم أعثر على عملية واحدة تبنتها «القاعدة» (حتى ولو زورا) ضد إسرائيل.

عمليات القاعدة «الاستشهادية» دائما تستهدف مصلين في مساجد كراتشي، أو محيين لذكرى دينية في كربلاء، أو مسلمين في سوق في بغداد، أو عرس في عمان، أو مجمع سكني في الرياض.

وهل يذكر أحد تبرعا من زعيمي العصابة – اللذين يجمعان أموالا طائلة من تبرعات مخدوعين يصدقون أنهما «يجاهدان في سبيل الإسلام!» – إلى «أطباء من أجل فلسطين»، أو «الهلال الأحمر»، أو حتى لغزة، فيصيبان عصفوري تحدي حصار إسرائيل ومساعدة أطفال غزة بحجر ثمنه مائة دولار؟

ولماذا لم نر أحدا من «مجاهدي» القاعدة مع أسطول الحرية الذي توجه من سواحل تركيا إلى غزة؟

فـ«القاعدة» عندما بدأت بالعدوان على أميركا منذ 1998، وليس العكس كما تضلل الفضائيات مشاهديها، كان ضحاياها مدنيين أفارقة أغلبهم مسلمون (في سفارتي أميركا بدار السلام ونيروبي والمباني المجاورة)، ثم مركز التجارة العالمي في نيويورك، ثم اعتدت على السعودية والمغرب ومصر؛ لم تأت بذكر لفلسطين ولو لمرة في خطابها ومواقعها، وفضائيتها المفضلة المتشدقة بحرية التعبير.

ولم نسمع من العناصر المختبئة في كهوف وزيرستان أي ربط بين الهجمات الإرهابية واحتلال إسرائيل للضفة الغربية، إلا بعد سقوط طالبان في كابل بأكثر من عامين، وتحديدا بعد (وليس قبل) ظهور افتتاحيات في صحف عربية صادرة في أوروبا وفي الفضائية المفضلة «تبرر» الإرهاب بأنه تعبير عن غضب العرب المسلمين من مشاهد إهانة جنود الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين.

وإلى جانب مخالفة المغالطة للحقيقة، فهذا التبرير يحول أي مواطن ببلدان الجامعة العربية، وأي مسلم يحتج على سلوك الجنود الإسرائيليين، إلى إرهابي بمشاركته في الجريمة بتبرعه المادي وبموافقته بسكوته. فتبرير الإرهاب في هذا الإطار إذن يضع لافتة الإرهاب على غالبية العرب والمسلمين.

ولذا أناشد المثقفين، خاصة الصحافيين وصناع الرأي العام منهم، أن يفضوا الاشتباك بين خطاب العصابة البنلادنية الظواهرية، وخطاب رفض الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية؛ أو انتقائية أخطاء تكتيكية غير مقصودة في الحرب على الإرهاب. فلا عاقل يتصور أن تتعمد قيادة عسكرية أميركية استهداف المدنيين في أفغانستان أو اليمن. وإصابتهم بطريق الخطأ يتبعها تحقيق (ولا استثناءات في ذلك) وعقاب أو إنذار المتسبب، واعتذار للمتضررين وتعويضهم (وهو ما تحذفه الفضائية المفضلة عند بن لادن من تقاريرها). ففي أميركا كونغرس منتخب، وصحافة راقية (وهي أصلا مصدر الأخبار التي تنتقيها الفضائية إياها بعناية) ومؤسسات حريات مدنية وحقوق إنسان لا تترك الأخطاء تمر من دون محاسبة.

فحكومات الغرب تخضع للمحاسبة في صناديق الاقتراع، وفي البرلمانات، وأمام القضاء والسلطة الرابعة المستقلين. ورؤساء هذه الحكومات ليسوا بمهرجين يضعهم هوسهم وخبلهم فوق المنطق (هل يمكن تصور زعيم غربي منتخب يلقي بكلمة تماثل خطبة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في الأمم المتحدة الشهر الماضي؟).

وما يدعم الإرهابيين أيضا هو الفهم القاصر للسيادة الوطنية..

فلنتصور أن البوليس يطارد مسلحا قتل أحد الجيران، وإذا لم يقبض عليه سيقتل آخرين، فهل أمنع البوليس من تتبعه هاربا عبر حديقة داري، لتمسكي بسيادتي على ملكيتي الخاصة بحكم القانون؟

فوجود الإرهابيين في اليمن مؤقت وتكتيك كجسر يوصلهم للهدف الأصلي وهو المملكة العربية السعودية؛ أولا لفعالية أسلوبها في مواجهة الإرهاب، بمزيج من المباحثية باختراق تنظيماتهم، وضربهم بحزم بقوة السلاح، مع إعادة تأهيل من يمكن إنقاذهم من براثن فكرهم الخبيث. وثانيا سعي «القاعدة»، لا قدر الله، للاستيلاء على السعودية بإمكانياتها من الثروات الطبيعية، وبما تمثله جغرافيا من قدسية في أذهان جميع المسلمين.

فتنظيمات الإرهاب الجهادية تمر باليمن، مثل فرار اللص من البوليس في حديقة الدار، ولذا فالسماح للبوليس العالمي (وأميركا هي الأقدر تكنولوجيا اليوم) بمطاردة اللص الإرهابي ليس إنقاصا للسيادة الوطنية لليمن، بل على العكس، فاستهداف الإرهابيين سيبقيهم مدافعين مشغولين بحماية أنفسهم بدلا من تفرغهم لتوجيه ضربات، تترقبها أوروبا، فيتلقاها اليمن «المسلم» السعيد.