حينما أرسل الخليجيون فلذات أكبادهم إلى اليمن

  محمد صادق دياب

إن كان لديك ابن أو حفيد، فأهدِ له كرة ودعه يركض خلفها إلى آخر سنوات الصبا والشباب، فهذه الساحرة المستديرة ليست مضيعة وقت، ولا إهدار عمر، بل سفيرة غايات سامية، وأهداف نبيلة، ولا يقلل من شأنها وأهميتها إلا شخص خارج إيقاع الزمن، وواقع الحياة. فحينما أرسل الخليجيون فلذات أكبادهم من نجوم الكرة ليشاركوا في «خليجي 20» في اليمن، رغم كل ما سبق الحدث من مخاوف وتهديدات، أرادوا أن يوصلوا رسالة واضحة وصريحة إلى رؤوس الإرهاب بأن أنصار الحياة يتحدون أنصار الموت، وأن اليمن ليس وحده في مواجهة زحف «القاعدة»، بل يشاركه كل الأشقاء معركة التحدي والصمود. وكان انعقاد «خليجي 20»، وتوفير الأجواء الآمنة لها، هزيمة لكل تهديدات الإرهاب ومبالغاته، حيث أراد الإرهاب أن يصور اليمن وكأنه رهينة في قبضة الإرهاب، وتحت هيمنته، لكن اليمن استطاع أن يثبت قدرته على محاصرة هؤلاء داخل جحورهم.

وأستغرب أن يلوك بعض اليمنيين كلاما عن خسارتهم الكروية، ويتناسوا انتصارهم الأعظم باحتضان البطولة رغم أنف أعداء الحياة. لقد كان إصرار اليمن على استضافة البطولة الخليجية عظيما ورائعا وكبيرا، ومعبرا عن إرادة الحياة، ورغبة الانتصار، وتأكيد التشبث بالاستقرار.. وهذا هو الفوز الأكبر الذي يتجاوز أي فوز كروي، فالهدف في هذا الملعب بألف هدف، ولو كنت من أبناء اليمن لخرجت إلى الشوارع بالطبول والزمور معبرا عن ذلك الانتصار الحقيقي الذي لا يضاهيه انتصار.

لقد زرت ذلك البلد قبل أعوام، وصبت علي خلال الوقت هناك نكهة يمنية معطرة بأنقى الشمائل، وأعذب الخصال. فاليمنيون عشاق حياة، ينحازون إلى الفرح، لذا فإن هذا الإرهاب أو النبت الشيطاني الذي نما في غفلة من الزمن سرعان ما ستلفظه الرياح، وسينتصر اليمن كما انتصرت شقيقته السعودية من قبل.

ويقودنا انتصار اليمن إلى انتصار آخر حققته قطر باعتمادها لتنظيم نهائيات كأس العالم عام 2022، وحجم المكاسب التي ستحققها هذه الاستضافة لقطر ولمحيطها العربي يتجاوز الكرة بمعناها الضيق إلى دلالات حضارية وثقافية واجتماعية يصعب تحقيقها بعيدا عن تلك الساحرة المستديرة.

وهكذا يمكن للكرة أن تلعب أدوارا متعددة في حياتنا المعاصرة، فحيثما تركض هذه الكرة يركض حولها الفرح والسلام وعشق الحياة.

m.diyab@asharqalawsat.com