ماذا لو كان اليمن بعد تونس.. من الخاسر والكاسب؟

  محمد الخامري

هرب الرئيس المخلوع زين العابدين أو زين العابثين كما يحلو للأشقاء في تونس تسميته، وبقي أبو الأحرار (التوانسة) الثائر أبو القاسم الشابي يُردد مع شعبه الذي اختاره قائداً عاماً لانتفاضته الباسلة:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر..

وتزامنا مع هذه الأحداث (العظيمة) في هذا التوقيت العصيب من الهوان والخَوَرْ الذي تمر به الأمة العربية، امتلأت المنتديات والمواقع الاليكترونية اليمنية وصفحات الفيسبوك والايميلات الخاصة بأخبار تونس وما أحدثه أحفاد الشابي هناك، بل وطالب العديد من اليمنيين عبر تلك المواقع وعلى الأشرطة الإعلانية المتحركة للفضائيات اليمنية وغيرها بالاهتداء والاقتداء بذلك الشعب البطل الذي طرد الديكتاتور الذي جثم على صدره أكثر من 23 عاما من حكم الفرد والتسلط ومطاردة المعارضين وإغلاق الإعلام ومصادرة أنفاس الناس.

كلنا فرح بالتغيير وفرح بهذا التحرك غير المعتاد من الشعوب العربية التي أصابها الوهن وأصبحت تبحث عن لقمة العيش ولا يهمها من يقودها وإلى أين؟، لكنني أريد أن أنغص هذه الفرحة وأقرع الجرس القوي للاستيقاظ من نشوة النصر التونسية، بطرح الواقع الذي يمكن أن يكون مريرا وهذه عادة الوقائع والحقائق غالباً، إذ هل سيكون الخلف أفضل، سواء في تونس أو في غيرها من البلدان العربية..؟

* ولابد من الإشارة أولا إلى أن شرارة الأحداث التونسية لم تكن سياسية ولم يتم التنظيم لها من قبل المعارضة التي حاولت أن تركب الموجة فيما بعد، بل بدأت يوم 17 ديسمبر 2010م، حيث أحرق الشاب محمد البوعزيزي نفسه في مدينة “سيدي بوزيد” احتجاجاً على قطع رزقه، وهو شابٌ جامعي اضطرته البطالة إلى العمل في بيع الخضراوات على عربية متحركة، وقد أُبلغ بعدم قانونية نشاطه وصادروا عربيته وحجزوا بضاعته، وعندما حاول الشاب التقدم بشكوى وجد أن السلطات أوصدت أبوابها في وجهه، بل انه تعرض للاعتداء من قبل شرطية (صفعته)، وفي لحظة تأثر قصوى أضرم النار في جسده (وتوفي لاحقاً)..

هذه الشرارة هي التي أشعلت الانتفاضة التي طردت زين العابثين من تونس وجعلته يحلق في الأجواء لأكثر من 7 ساعات بحثا عن جُحر يأوي إليه بعد رفض غالبية الدول التي توجه إليها طلبا للجوء، ومنها فرنسا التي كانت الداعم الرئيس لسياساته الخرقاء، وأخيرا قبلته السلطات السعودية التي أملت عليه شروطها قبل السماح له بالنزول من طائرته، والتي كان منها التزامه وعائلته بتجنّب أي تحرك سياسي خلال إقامته على أراضيها، وعدم تحريك الأموال إلى السعودية، وعدم الإدلاء بحوارات صحافية أو ممارسة أية نشاطات سياسية أخرى..!!

* وللخوض في الاستفسار الذي كنت قد طرحته أعلاه، أبدأ بحكمة ظريفة لازلت أتذكرها منذ أكثر من 15 عاما والتي قالتها جدتي (أم والدتي رحمها الله) والتي تجاوز عمرها الآن 120 عاما أسأل الله أن يُحسن ختامها، حيث قالت “لو كل يوم يجي أحسن من اللي قبله مابتقومش القيامة”، أي أن سُنة الله الماضية في خلقه أن الأيام لا تأتي بالأفضل حتى نصل إلى قول الرسول صلى الله عليه واله وسلم “إن شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء”، وهناك مثل سائر بأن الزمن لايأتي بالأفضل، فهل هذا صحيح..!

من خلال تجاربنا الكثيرة كيمنيين أعتقد أن فيه نوع من الصحة وهو الغالب، وهناك استثناء بسيط جدا، والاستثناء كما قيل لاحكم له، وأتذكر أن سكان وأهالي محافظة تعز خرجوا في مظاهرة عرمرمية للمطالبة بتغيير المحافظ الأسبق محسن اليوسفي الذي جثم على صدورهم سنين طويلة بدأت منذ تسلم الرئيس علي عبدالله صالح السلطة عام 1978م واستمرت إلى مابعد الوحدة اليمنية المباركة، وكانوا يصيحون “يكفي تعز يوسفي حتى ولو ليم حامض”، وفعلا بعد اليوسفي تناوب على المحافظة خمسة محافظين لم يكونوا أفضل حالا منه، بل إن بعضهم “ليم حامض” بحق..

– ولو سلمنا جدلا بان الأمور في اليمن سارت إلى ماسارت إليه تونس “لا قدر الله” هل سيستطيع حزب أو قبيلة أو فئة أو حكومة أو جيش السيطرة عليها، لا اعتقد أبداً، لأننا شعب مسلح بالبندقية والأمية والبطالة والجوع، وإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة في شخص واحد فانه لامحالة قنبلة موقوتة ينتظر الوقت المناسب لتفجير نفسه وتدمير ماحوله انتقاما لنفسه وأبنائه الذين باتوا في يوم ما جياعا ولم يستطع تأمين الملبس المناسب لهم والمأكل والمشرب إلا لماما، ولأنه وصل إلى طريق مسدود وواقع مأزوم محبط، وإذا انفرط العقد فقد حانت ساعته..
– السؤال المهم والحال هذه، من الخاسر الأكبر فيما ستصير إليه الأمور لاقدر الله، وبعد كم سنة سنخرج من توهان اللا دولة..!

إذا كان الصومال دخل عامه العشرين من العنف وغياب الدولة، وهم أقل منا عددا وعُدّة، وليست لديهم إلا بعض الجينات التي تزخر بها بلادنا للتناحر وإطالة أمد الحرب وبعثرة الدولة (لاقدر الله)، كالثأر والقبيلة والحزبية والطائفية والمناطقية والعرقية والسلالية وفك الارتباط والانفصال والحوثيين والسلفيين والاشتراكيين والإخوان وغيرهم ممن ينتظر الفرصة للانقضاض على الوضع وبسط أفكاره وأيديولوجيته وتحقيق مبتغاه في التسلط وإقامة دولته وملكه.

– أما الخاسر الأكبر وبلا منازع في هذا كله فهو الشعب بمختلف فئاته وشرائحه كلٌ بحسب موقعه وقربه من مراكز القوى (القبلية والبعدية)، حيث سيكون الأكثر خسارة هو الفقير المسكين الذي لايملك شيئا من حُطام الدنيا ومقومات البقاء عزيزا مكرما داخل البلاد، وسيُستخدم من قبل الميليشيات وأمراء الحرب الذين يسعون للسيطرة على الوضع كلٌ في موقعه الذي بسط عليه نفوذه ونشر زبانيته وعاث فيه فسادا.!.

– أما الخاسر الأكبر من الجانب الآخر (السلطة) فهو الرئيس علي عبدالله صالح وأسرته (وليس حاشيته والمحسوبين عليه والذين سيكونون الكاسب الوحيد والأسعد حظاً بين الجميع)، حيث سيخسر (الرئيس) مُلكا وجاها وأموالا ونفوذا واحتراما بين الأمم، وسيُصبح في أحسن الأحوال (إن وجد مكانا يلجأ إليه) ذليلا مهانا ممنوعا من ممارسة أي نشاط سياسي أو تصريح صحفي أو الخروج عن شروط الدولة المستضيفة، إضافة إلى انه سيُسجل في مزبلة التاريخ كشاه إيران وهيلا سيلاسي وهيلا مريام وسياد بري وغيرهم من الزعماء الذين ماتوا ولم يبكِ عليهم احد ونسيهم القريب والبعيد وكأنهم حشرات قضت، أو خيل كبير السن انتهى دوره في الحياة، وليس هذا ببعيد إن استمرت الأمور على ماهي عليه من ترك الحبل على الغارب للفاسدين والعابثين بمقدرات الأمة الذين يسرقون الأموال ويحولونها إلى المصارف الدولية في سويسرا وأوروبا وسيعيشون بها ملوكا فيما بعد ولا احد سيحاسبهم، وله في الزعماء السابق ذكرهم ومعاوية ولد الطايع وعلي زين العابثين عبرة، حيث مُنع من جلب أمواله إلى السعودية التي قبلته شفقة وإحسانا بعد أن تخلى عنه الصديق والقريب والداعم والمساند.

– اعرف سلفا أنني سأواجه حرباً شعواء من الجانبين (وإن لم تُكتب)، وأعرف أن هناك من سيتهمني بالعمالة والتشاؤم والنظرة السوداوية وبأنني لابس نظارة سوداء وأني أعمل على تخويف المواطنين وإجهاض العزائم والهمم الجياشة والمتطلعة والمتعطشة “كما يقولون”، وكلها تهمٌ جاهزة لاسيما لدى بعض الناشطين السياسيين الصغار، وحتى (بعض) قادة المعارضة الذين يمتلكون الأرصدة المالية في الخارج والحمايات الأمنية التي تحرسهم وتؤمن لهم الالتجاء إلى أي سفارة أو مفوضية أو مرفق دولي آمن من الفوضى العارمة التي ستجتاح الشارع وتحرق الأخضر واليابس، وبالتالي ستؤمن لهم الطائرات التي تقلهم إلى اقرب دولة أو ملجأ على اعتبار أنهم سياسيين معروفين وتربطهم علاقات ببعض السفارات والمنظمات والمكاتب العاملة في بلادنا، والذين سيكونون حينها بتحريضهم المستمر ودعواتهم لخروج الشارع أشبه بالمشعوذ البليد الذي استطاع جمع الجن وعجز عن صرفهم..!

– وحتى لا أقع في آفة التعميم فيجب الإشارة إلى أن هناك قيادات في الجانبين (الحاكم والمعارضة) محترمة ومتزنة ولن تجد من يقدم لها العون والمساندة بل ربما ستكون أول المتضررين من الفوضى التي ستعم الجميع ولن تستثني أحدا (لاسمح الله).

– وحتى تكون الصورة أوضح فإن الأمور إذا انفرطت (لاسمح الله) وبدأنا نسمع صوت الرصاص يدوي “من طاقة لاطاقة” كما قال الرئيس ذات يوم، فان جميع مسئولينا الأشاوس سيغادرون البلاد في اليوم الأول بعدة أساليب وطرق ملتوية تم الترتيب لها منذ وقت مبكر، منها أن كل مسئول “كما سمعت” يمتلك جوازات خاصة له ولأبنائه وعائلته بأسماء مختلفة غير أسمائهم الحقيقية حتى يتمكنوا من الفرار إذا اختلط الحابل بالنابل ووضعت أسماؤهم في القائمة السوداء الممنوعين من السفر..

– إذاً ماهو الحل..؟!
* الحل الوحيد من وجهة نظري يكمن في يد الأخ رئيس الجمهورية الذي أتته العديد من الفرص للتغيير وإصلاح الأوضاع لكنه في كل مرة يُضيعها من يده بفعل المستشارين الذين (ودّفوا) بزين العابثين وجعلوه مهانا ذليلا طريدا شريدا في الأجواء، لا أرضاً تقله ولا سماءً تحمله، وأصبح يتخبط بين القارات، وحتى الطيار الخاص به رفض أن يقود الطائرة التي تقل بعض أقاربه وأصهاره وسلمهم للشعب، والعاقل والسعيد من اتعظ بغيره، والشقي من أصبح عبرة للآخرين..

* وكما أن التوبة مقبولة مالم يُغرغر العبد كما قال الله جل وعلا لفرعون بعد أن صرخ حين أدركه الغرق ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، فرد الله سبحانه وتعالى رافضا إيمانه المتأخر (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)، كذلك إصلاح الأوضاع الفاسدة وإعادة الأمور إلى نصابها والعمل لصالح الشعب ورفاهيته وإعادة حقوقه المغتصبة من كبار المسئولين مدنيين وعسكريين، لايزال ممكنا مالم يتحرك الشعب للتنفيس عن حالته..
وتأملوا في التهمة التي وجّهها الله جل وعلا إلى فرعون والتي على إثرها لم يقبل توبته وهي (الفساد) ولم يقل كنت من الكافرين، لماذا؟.. لأن الله ينصر الدولة الكافرة (العادلة) على الدولة المسلمة (الظالمة) والفساد في الأرض أظلم الظلم وأشنعه.

أما إذا نزل الشعب إلى الشارع وخرج عن طوره، وأصبح كالموج الهائج، وأبدى غضبه وكشّر عن أنيابه لانتزاع حقوقه المسلوبة، فحينها لن تنفع القرارات ولا الإقالات الجماعية للضباط والقادة والوزراء والمسئولين ولصوص المال العام، ولن تنفع التحركات العسكرية، لأن أفراد الجيش قبل أن يلبسوا البزة العسكرية هم من أبناء هذا الشعب المطحون، ويمكن دغدغة عواطفهم وإثارة حنقهم بذكر مرتباتهم الشهرية ومايحصلون عليه من الفتات مقابل ما ينهبه الكبار من المسئولين والضباط وذوي المكانة والجاه والقبيلة، ساعتها لن يترددوا في وضع أيديهم بيد الشعب، بل سيعانقونهم كما فعل العديد من أفراد الجيش التونسي الذين تحولوا إلى جانب الشعب ضد النظام.

هناك مظالم تُرتكب، وحُرمات تُنتهك، وحقوقٌ تضيّع وتسلب، وفساد يستشري في مفاصل الدولة ومرافقها، ويجب على الرئيس علي عبدالله صالح أن ينتبه لها وان يعمل على إصلاحها والحد منها والضرب بيد من حديد ضد العابثين بأمن الوطن ومقدرات الأمة وخيراتها وحقوق المواطن المسكين، ولتكن البداية من تشكيل حكومة وطنية (بعيدة عن الولاء له، وبعيدة عن الحزبية والمناطقية والجهوية والتمثيل الجغرافي)، وتكون مستقلة استقلالا تاما وفق مبدأ الفصل بين السلطات، وتعزيز استقلالية القضاء شكلا ومضمونا، ووضع الرجل المناسب (من الكفاءة وليس النسب) في المكان المناسب، ومحاسبة المقصر وإقالته ومحاكمته علنا وسجنه، وليبدأ الإصلاح من اليوم على شكل دائرة يرسمها الرئيس حوله ابتداءً من المحيطين به من الأقارب والمحسوبين عليه والمستشارين وأعضاء الحكومة وقيادات الحزب الحاكم ورؤساء المصالح وقادة القوات المسلحة، وانتهاءً بحقوق وواجبات اصغر مواطن في أطرف محافظة أو قرية يمنية نائية.

ولابد من شيء آخر إلى جانب هذه الإصلاحات ومحاربة الفساد المالي والإداري ورد المظالم إلى أهلها، وهو تعزيز قيم الحرية في المجتمع اليمني؛ لأنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فاليمنيون يطالبون بقدر من الحريات التي يجب أن توفر لهم وألا تُمس بأي حال من الأحوال، وهي الحرية التي ستكون عونا للحاكم بل عينه الثالثة التي يرى بها ويراقب الأمور من خلالها…

رئيس تحرير صحيفة ايلاف