للحراك.. ماذا بعد حرائق الفضلي؟

  كلمة نشوان

قلناها وقالها الكثيرون بدافع الحرص على اليمن ككل وعلى المواطنين في المحافظات الجنوبية وإنصاف القضية، لكنها لقيت استهتاراً حراكياً تحت التأثير التعبوي المناطقي العاطفي المندفع.

كانت صرخة حقة، لقيت الكثير من الانتصارات، وخلال ما يقرب من ثلاث سنوات، اكتسب الحراك الشعبي المزيد من الجماهير، لكنه شهد تحولات مؤسفة، أهمها تحول المطالب الحقوقية العادلة إلى مطالب تشطيرية.. وصولاً إلى إنكار للهوية، وتعبئة معادية لكل ما هو يمني، ضد أهلهم فيما يسمى المحافظات الشمالية..

التفاصيل ليست مهمة.. المهم الآن، هو أن الحراك حقق الكثير بفضل معالجات السلطة القاصرة وأخذ حقه من التعبئة المناطقية التي وصلت إلى مرحلة مؤسفة للغاية وكلها كانت انجازات بالمكان غير الصحيح، لأنها تخلت عن الأمر الواقع.. وهاهي الأيام بدأت بالغربلة وإظهار ما لم يقبل أصحاب الحراك به من نصائح متعقلة في الداخل اليمني ومن العرب عموماً..

خلافات حقيقة لا يمكن تجاوزها، خصوصاً أن الهدف لم يكن سليماً ولا ممكناً. فهاهو طارق الفضلي يخرج محرقاً الجميع من علي سالم البيض إلى علي ناصر محمد إلى حيدر العطاس، إلى العلم التشطيري بنفسه… وليس بعيداً أن تكون الأسماء المحروقة هنا تريد فعل ما فعله الفضلي مع بعضها البعض..

ولا أعتقد أن طارق الفضلي يريد شق الصف الحراكي كما قد يزعم البعض، لكن هذا الصف المشقوق أصلاً هو ما عبر نفسه.. فعندما ينحدر النضال عن الهدف الممكن والنبيل والمتعقل، ينحرف كل شيء معه.. وما هي إلا تحالفات آنية.. تغربلها الأيام وقد بدأت..

واليوم.. وفي وسط انشغال العالم بتونس والانتخابات والحوار، وبعد سنوات من الاشتعال، يكاد أن ينطفئ هذا الاشتعال وتضيع الحقوق، ويتحول الحراك إلى عنف مع السلطة ومع بعضه البعض ويخرج الناس بهزيمة جديدة .. وكأن الجنوب يدور في نفس الحلقة.. وذلك كله بسبب الاندفاع غير المدروس الذي دائماً ما يهزم “الجنوب” حسب مسمياتهم..

ولننظر إلى تونس، الهدف كان نبيلاً، لا يحمل دعوات تشطيرية أو مناطقية، انتصر الثوار، ونحن بعد ثلاث سنوات من ثورتنا نكاد أن نهتزم.. ومن هنا بالضبط، وبعد ما حدث في تونس، يستطيع ما انتظم من هذا الحراك وهذه الفعاليات الشعبية أن تنقذ نفسها وتنقذ اليمن .. بإعادة النظر وتحديد الهدف.. كالتغيير مثلاً..

وبرأيي أن بإمكان الحراك أن يغير الرئيس علي عبدالله صالح ويقود مطالب الإصلاح، فقط لو وضع أمامه هذا الهدف، وبإمكانه أن يعيد الحقوق فقط لو حدد هذا الهدف وانضم الى الحوار المعقول، وسيرى أن من يسميه الشمال ليسوا كما تزعم تعبئته المناطقية، إنما شعب يمني واحد ومصير واحد، ومفسدون في كل مكان ومن كل منطقة ورجال في كل منطقة.. أما الاستمرار والعناد على نفس الطريق.. فإنه خسارة للحراك والجنوب..

بالإمكان القول إن الحراك الآن عبارة عن مبنى كبير هش البناء بُني على “جرفٍ هار”، يوشك على الانهيار، فإما أن يواصل بلا بوصلة وينهار وتسقط أنقاضه على رؤوس أصحابه أولاً، أو يعاد ترميمه وتوجيهه في الطريق الصحيح وتثبيت قاعدته لتكون الوطن.. وليس الجنوب أو الشمال..

هو رأي المتابع الحريص على اليمن وعلى الحراك، وعلى أصحاب الحقوق، وأعتقد أن الوقت أصبح مناسباً أكثر من أي وقت مضى لاستيعابه من قبل الكثير في الحراك.. انتهى زمن رفع سقف المطالب إلى المستحيل للحصول على الممكن.. لأنها خرجت عن الطور المعقول، وكدنا أن نفقد الممكن أيضاً.. بعد أن صنعنا لنا المزيد من الجروح..

كتب: رياض الأحمدي