نريدُ التغييرَ ونرفضُ تطرُّفَ المعارضة

  فايز البخاري

الثورة التونسية تؤتي ثمارها والشعوب العربية تقطف هذه الثمرة وخصوصا المعارضة في الساحة العربية التي قطعت شوطا كبيرا بفضل هذه الثورة الخالدة في إيصال الرسالة إلى الشعوب العربية وتجاوزت كثير من الصعوبات والمعوقات بعدما كسرت ثورة الياسمين حاجز الخوف من الفشل ومفاهيم المستحيلات التي كانت تخيم على عقول الكثير في الساحة.

أو الحصول على مناصب من خلال ركوب موجة الحقوق والمطالب المشروعة التي يحمل رايتها المعدمون والعاطلون والمهمّشون، ويتربَّصُ بها المرتزقة والمهووسون بالسلطة، لأنَّ ذلك سيوقع الكثير في المطبِّ أو الفخ الذي وقعَ فيه التونسيون حين ثارَ الشارعُ ليبقى رموز النظام الفاسد هُمُ هُمُ (الديمة الديمة بس غيرنا بابها) فالتغيير لا يعني بالضرورة أنْ يكون علي عبد الله صالح عدوَّاً يجب الانتقام منه، كما أنّهُ لا يعني في الوقتِ نفسِهِ أنّ كُلَّ ما تحقّقَ للوطن في عهده من منجزات – وهي كثيرة – هي من بقايا العهد المُباد ويجب القضاء عليه، لأنّ ذلك سيكون من باب الشطط الذي تنتهجه المعارضة اليمنية حين تنكر كل شيء إيجابي ولا ترى أبعد من أنفها أو لنقل مصالحها الضيقة التي لا ترقى لأن تكون مطالب شعبية، بدليل أنّها – المعارضة – حتى الآن لم تُقدِّم مشروعاً بديلاً لما هو قائمٌ اليوم يأخذ في عين الاعتبار مصالح أفراد الشعب جميعاً، ويكون المرتكز الذي سيمضي عليه النظام المقبل-إنْ شاء الله- في بناء الغد المشرق الذي يطمح إليه الجميع.

المعارضة في بلادنا ليس لديها مشروع بديل، ولا تزال تمارس الأخطاء نفسها التي تنتقد بها الحاكم، فضلاً عن تورطها في العمالة للخارج، وهو ما كشفته المقابلة الأخيرة التي جمعَتْ رموز قيادة أحزاب اللقاء المشترك بوزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في مقر السفارة الأمريكية بصنعاء، والتي عرَّتْ كل الإدعات لهذه الأحزاب مِن أنّها لا تستقوي بالغرب ولا تستمد العون من الخارج ضد الحزب الحاكم الذي هو في الأول والأخير جزء من هذا الشعب الذي علينا الجميع حمايته والدفاع عنه.

ولا نزال نؤكِّد أنّ السعي لِإسقاطِ النظام الحالي ليس معناهُ التخريب والدمار والعداء الشخصي لأحدٍ بعينه وإنّما هو من باب الاختلاف بوجهات النظر وإيماناً منّا بأنّهُ لم يعد لدى النظام الراهن ما يقدِّمه أكثر من ذي قبل. وفي الوقت نفسه نرحب بتشكيل حكومة ائتلاف وطني مؤقّتة تضم شتى القوى السياسية وتمهّد لانتخابات حُرّة ونزيهة ينال كُلٌّ بموجبها ما يستحقه في التشكيلة المقبلة للحكومة عقب الانتخابات حسب رصيده الذي سيمنحه له الشعب عند التصويت على الانتخابات البرلمانية.

ومن وجهة نظري أنّ الحزب الحاكم سيحقق المزيد من الفوز وسيحصد الكثير من الكراسي البرلمانية بحكم خبراته السابقة وقربه من الشارع وعدم وجود أيدلوجيّات خارجية في أجندته تعمل على تنفير الناس عنه، فهو كان ولا يزال حزب الوسط، وبابه مفتوحاً للجميع، وهذا ما يزيد من قوّته في وجوه الأحزاب المؤدلجة التي تنغلق على نفسها وتبني حولها سياجاً منيعا لا يتخطّاهُ إلاّ الراسخون في التزمّت الحزبي المقيت.

وكم أتمنى أن يعي حزب المؤتمر الشعبي العام هذه المزايا التي يحويها والمثالب التي تعتري خصومه السياسيين ليقدّم المزيد من التنازلات حتى تسير السفينة إلى برِّ الأمان وعندها سيعرف كل مواطنٍ أين يضع قدمَه.

لأنّ الخوف الذي يبدو عليه الحزب الحاكم اليوم في مواجهة المطالب التي يمكن وصفها بالتعجيزية من قبل أحزاب اللقاء المشترك ليس له ما يبرّرهُ، وسيكون له نتائج عكسية، حيث سيظن المشترك أنّه يخشى الانتخابات النزيهة، وبالتالي يمارس عليه العديد من صور الابتزاز السياسي، في الوقت الذي يمكنه من خلال هذه التنازلات كسب ثقة الملايين من الناخبين الذين سيرون في ذلك موقفاً وطنياً يجنِّب البلاد العديد من الويلات ويكون محسوباً في الأول والأخير للمؤتمر الشعبي العام.

النظام-وليس المؤتمر الشعبي العام- اليوم يعيش مأزق الإفلاس في تغيير ما هو حاصلٌ من فساد لامتناهي، والمعارضة تعيش مأزق فقدان المصداقية من قبل الغالبية العظمى من الشعب الذين ينظرون إليها على أنّها مجرّد لاهثة خلف السلطة لا يهمها من أمر الشعب شيء، بدليل أنّها لا تذكرهُ إلاّ حين تصاب بإجحاف الحاكم أو عدم تنفيذه لأيّة وعود سياسية أو محاصَّة يتم الاتفاق عليها خلف الأسوار وبعيداً عن أعيُنِ السُّذّجِ من الناس الذين لا يحكمون إلاّ على الظاهر ولا يعلمون أنّ كل شيء في السياسة ممكن بما في ذلك الكذب والخديعة والمكر.

وكان بودِّنا أنْ نرى المعارضة وقد خرجتْ إلى الشارع مع مناصريها عند أيّة أزمة اقتصادية خانقة تعرّض لها الشعب أو تجاه أي قرار عاد على الوطن بمضار- وهي كثيرة- لكنّها تغيب تغيب لتظهر بمطالب هي أقرب لأنْ تكون شخصية من أنْ تكون وطنية، وأحياناً حتى حزبية.

وهذا ما أفقدها زخمها الحقيقي في الشارع وزاد من شعبية الحزب الحاكم الذي يقبل به المواطنون على عِلاّتهِ، لأنّهُ مازال في نظرهم أفضل من غيره وتستطيع الوصول لبعض حقوقك في ظله ولو بعد حين، فضلاً عن أنّ المحسوبية والرشوة التي يتعامل بها الحزب الحاكم غالباً ويطبقها منتسبوه في الوظيفة العامة على الجميع-سلطة ومعارضة- دون تمييز حزبي، وهذا وإنْ كان سيئاً لكنّهُ يلاقي بعض الاستحسان ممن يقولون أنّ المساواة في الظلم عدل، وإن كنّا لسنا معهم لأنّنا في الحقيقة لا ننشدُ سوى العدل، ولا نطلب إلاّ أنْ تُسْنَدَ الأمور لأهلها من ذوي الكفاءة الذين يعيشون في الهامش ولم يحظوا بما يستحقونه من مكانة في ظل نظامٍ أُتْخِمَ بالتنابلة والمعوقين فكرياً.