جناية الرئيس على المؤتمر الشعبي العام

  فايز البخاري

مَنْ يتابع التضعضُع الذي يشهدُهُ المؤتمر الشعبي العام في الآونة الراهنة يدرك أنّ سببه يعود للرئيس علي عبدالله صالح الذي لم يستطع بعقليّتِهِ العسكريّة وثقافته المحدودة إن لم نقل العدمية قيادة هذا الحزب الطليعي الفذ بنهجه ومبادئه التي صاغتها خيرة ونخبة العقول اليمنية بشتى مشاربها الفكرية, ليجيء مكتمِلاً في الرؤية والبناء والطرح,وقريباً من كل اليمنيين الذين أجمعوا حينها عليه وأيّدوا (الميثاق الوطني) الذي ارتكز عليه هذا التنظيم الشعبي واستمدَّ رؤاهُ من الكتاب والسنّة بطريقة سلسة ومتسامحة دفعت الجميع لإبداء إعجابهم بهذا الميثاق الذي لا يزال حتى اليوم محلّ احترام وتقدير من كافة القوى الوطنية والسياسية في الحكم والمعارضة, لأنّ الجميع شارك في صياغته,ولأنّهُ تبنّى الوسطية التي ينشدها كل اليمنيين.

ومن البديهي القول إنّ علي عبدالله صالح قد جنى جناية عظيمة على هذا الحزب الفذ الذي حوّلَهُ بعقليّتهِ الضيّقة ونظرته المحدودة وثقافته العدميّة إلى ما يشبه الديوان القبلي المشيخي الذي يقوم بفتح أبوابه على مصراعيها بشكلٍ عشوائي غير مدروسٍ ولا ممنهج, وهذا أظهر المؤتمر في كثير من الأحيان بوضع ضعيف,وأنّهُ سيؤول للانهيار غداة مفارقة الرئيس له.

وهي نظرة خاطئة أخذها خصومُهُ عنهُ وآمنَ بها – للأسف – كثير من المؤتمريين الذين يرون أنّ قوّة المؤتمر وبقاءَهُ مرهونٌ ببقاء الرئيس في سُدّةِ الحكم ورئاسته.

وهذه لَعمْري كانت الجناية الكبرى التي ارتكبها الرئيس صالح في حق المؤتمر الشعبي العام.

لأنّ المؤتمر بنهجه الوسطي المتسامح القريب من السواد الأعظم من اليمنيين امتلك قوّتَهُ من تلك البساطة وذاك التسامح والوسطية التي خلَتْ منها كل الأحزاب في اليمن بلا استثناء.. وكان بابُهُ المفتوح لكل من يريد الانضمام إليه في أي وقت دون تشكيكٍ فيه أو في نهجه والتعامل معه حسب ظاهره كما يحضُّنا ديننا الإسلامي,هو مصدرُ قوّتِهِ التي أبقتْهُ حتى الآن ووسّعتْ من شعبيّتِهِ عاماً وراء آخر رغم ما كان يزخر به من قيادات لها في ميادين الفساد صولات وجولات.

وفي الوقت نفسه كان يدفع الكثير من الناس إلى الوقوف معه حتى وإن لم يكونوا أحياناً على قناعة تامة بهذا المرشّح أو ذاك المنتمين للمؤتمر, لأنّهم وجدوا مرشحي المؤتمر وتعامل هذا الحزب معهم تنطبق عليه قاعدة (أخف الضررين).

لو وجدَ الغالبية من اليمنيين في ما سوى المؤتمر الشعبي العام من أحزاب ما ينشدون لما وقفوا مع المؤتمر كل هذه السنين.. المؤتمر استمدَّ قوّتَهُ من بساطته وقربه من الشارع وعدم تشكيكه بولاء أحد.

وبرأيي أنّ الرئيس صالح إذا غادر المؤتمر مُبكِّراً فذلك أضمن وأجدى لاستمرار وديمومة هذا الحزب الفتي الذي ستزداد روابط وتماسك منتسبيه حال خروج الرئيس منه, وسوف ينظم إليه العديد من النخبة الذين يستهويهم نهجُهُ ومبادئُهُ ويكرهون فيه اليوم تسلُّط بعض التنابلة الغارقين في الفساد على مفاصله,وبروزهم في الواجهة كممثلين له,مع أنّهم يسيئون له أكثر مما يُفيدونه.

أنا على يقين وأجزم أنّ المؤتمر سيشتدّ أزرُهُ حال خروج الرئيس منه, وسوف يتخلّى عن { الهوشلية } التي يتعامل بها اليوم وتجعله يبدو ضعيفاً أمام خصومه,خاصّة وأنّ ذلك سيدفع الكوادر ذات الكفاءة العالية التي يزخر بها إلى إعادة تشكيلهِ وفق رؤى حديثة ومتماسكة تضمن بقاء هذا الحزب في المقدِّمة.

وهي دعوة لفخامته إنْ كان لا يزال يحمل جميلاً لهذا الحزب الذي خدمَهُ طيلة تسعة وعشرين عاماً لكي يغادرَهُ سريعاً ويترك مسئوليّته لمن يستطيعون تحمُّل قيادته من كوادرِهِ الفذّة التي ستمضي به إلى بَرِّ الأمان,وسوف تزيدُهُ قوّةً إلى قوّتِه,وتعالج أيّة اختلالات اعترته في الفترة الماضية.. وقد آنَ الأوان لتنفيذ ذلك فلم يعد في الوقت متّسع..

فخامةَ الرئيسِ اتركِ المؤتمرَ وسترى أنّهُ سيقف على قدميهِ أفضل من لو بقيتَ فيه,وسوف تزداد شعبيّتهُ وتدخل فيه عناصرٌ نخبوية ظلّت بعيدة عنه لأّنها رأتهُ أفضل الأحزاب لكنّها أحجمتْ عنه خشية أن يُقال: انضووا مع الحزب الحاكم للمصلحة.