غزوة السلفيين وغزوات غيرهم

  علي عبدالعال

لم يلق تصريح من الرفض داخل الأوساط الإسلامية ـ وهي المعروف عنها التقدير الكامل للعلماء والدعاة ـ مثل الذي لقيه وصف الشيخ محمد حسين يعقوب لما حدث يوم الاستفتاء بـ”غزوة الصناديق”، وسواء كان الرجل يقصد ما قال أو جاءت كلماته مع نشوة إحساس بالانتصار،

إلا أن ما قاله لم يجد قبولا لدى شيوخ السلفية أو شبابها على الإطلاق، بل على العكس لقي حالة من الرفض والإنكار غير مسبوقة من قبل الإسلاميين كافة.

وهو ما كان ينبغي أن يقابل لدى الأطراف الأخرى بما يستحق، فتكف عن تلك الحالة من الاستهداف المفضوح التي انتهجتها، إلا أن بعض الأوساط رأت فيما جاء على لسان الرجل فرصة لا ينبغي تفويتها، وانطلاقة جيدة نحو حملة من الهجوم والتشويه المتعمد لتيار بأكمله.

ولعل جولة بسيطة على الصحف ومواقع الإنترنت وبعض الفضائيات تكشف عن هذه الحالة المتزايدة من الاستعداء، فيما يشبه الحملة، وهي حملة ليست نزيهة ولا بريئة بأي حال، بل تنم كثيرا عما تحمله نفوس مشعلوها من أحقاد. حتى كتب أحدهم داعيًا المؤسسة العسكرية إلى أن تخوض حربًا ضد ما سماه التطرف الديني في مصر، لأن الإسلاميين يمارسون اختراق للساحة، على حد فهمه، وأنهم باتوا الخطر الأكبر على الثورة والديمقراطية الوليدة… هكذا رأى أحد دعاة التطبيع مع إسرائيل.

أتفهم أن الإعلام في مصر بات مسيطر عليه من قبل نخب أغلبها معاد للإسلاميين، على تعدد انتماءات هذه النخب (علمانية، ويسارية، ومهجرية، ومنتفعة) لكن ما لا يمكن تفهمه تلك الحالة من الصراخ التي يتمثلها البعض من حين لآخر مع كل شاردة وواردة، وهذه الهجمة المتكالبة على تشويه الآخر، دون مراعاة لأي اعتبار.

منذ عقود لم ير الإسلاميون نصرًا ـ إن صح اعتبار ما حدث نصر ـ أولئك الذين عاشوا سنين طوال بين المطاردة والاعتقال والإقصاء والمصادرة بكل أشكالها.. وكانت هذه النخب التي تلهث الآن من أجل تشويههم ومحاولة ترويج الاستعداء بحقهم كانت هي المطبل لمزامير النظام السابق، باركت تسلطه وإجرامه، وكانت ملكية أكثر من الملك في العداء والاستعداء، وتربحت كثيرا من مهنة القوادة السياسية والثقافية التي مارستها.

ولما اشتد التنافس بين “نعم” و”لا” على التعديلات الدستورية، ووقف الإسلاميون في صفوف الأولى، وكانت هي المعركة الانتخابية الحقيقية الأولى التي تشهدها البلاد، والتي تداعى لها الفريقان واجتهدوا في الحشد.. تراءى للشيخ أن تمرير التعديلات بهذا الفارق الكبير من الأصوات نصرًا يحسب للإسلاميين بعد طول انتظار، ورآه جديرا بأن يفرح له، فكان ما كان بعدما جاءه الخبر وهو منشغلا بإحدى ندواته.

ليس من الصعب على أي منصف أن يتفهم تلك النفسية التي عاشت عقودًا من الضيم والإقصاء، كأنهم غرباء في بلادهم، وما زالوا، ولطالما شوهت توجهاتهم ومنطلقاتهم دون أن يكون لهم حق في أن يدافعوا عنها.

الشيخ محمد حسين يعقوب داعية له باع كبير في الدعوة إلى الله، يعرفه الكثير من المسلمين داخل مصر وخارجها، وهو على علو قدره إنسان يخطيء كما يخطيء البشر، لكنه يبقى بحر من الخير لا تعكره هفوة، وقديما قالوا “كفى بالمرء نبلا أن تعد معايبه”.

أجمل تشبيه سمعته على هذه الواقعة ما قاله الشيخ محمد إسماعيل المقدم في لقاء مسجل له، تحت عنوان “أخطأ من شدة الفرح” مذكرا بالحديث النبوي: (للهُ أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن، من رجل في أرض دَويّة مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه (…) ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح)، رواه مسلم.

كانت حقبة التسعينيات من القرن الماضي بالنسبة للإسلاميين وما وقع فيها من أعمال عنف مارسها بعضهم آنذاك، بمثابة المحرقة اليهودية بالنسبة للألمان، أو العار الذي ظل يلاحق أجيال كاملة منهم في حلها وترحالها، حدث ذلك مع أن المجتمع كان يعلم تماما أن من مارسوا العنف من الإسلاميين عشرات الشباب من تنظيمي الجماعة والجهاد لظروف استثنائية لا تخفى على الكثيرين، ولم تكن أجهزة الأمن بريئة أبدًا من تأجيج فتنتها، لكن مع ذلك لم يمانع هذا المجتمع في أن يبقى يلاحق الملايين من أبنائه بجريمة لم يفعلوها.

وعلى مدار هذه العقود كان المتخوفون الآن على مستقبل الثورة غاية في النفعية والانتهازية، لم يراعوا الآجال التي انقضت خلف القضبان، ولا الأسر التي شُردت بعد أن غُيب عائلها، ولا العلماء الذين ضيق عليهم حتى ماتوا حسرة على ما تعرضوا له، ولا الذين فروا بدينهم من بلد إلى بلد وضاعوا بين الحدود وهم يبحثون عن موطن يؤويهم.. بل كان ما يشغلهم الحفاظ على المناصب والمكتسبات التي حصلوها جراء المتاجرة بعداء الإسلاميين وتشويه معتقداتهم والتصفيق للمجرمين على كل جريمة ارتكبوها بحق هؤلاء.

– صحفي مصري.