أنصار الرئيس صالح من هم؟

  د. عبد الملك أحمد الضرعي

بعد متابعة متأنية لوسائل الإعلام الرسمية والمعارضة في اليمن، ولأراء بعض أفراد المجتمع، يتبين أن شرائح اجتماعية لابأس بها لازالت تحمل المناصرة والتأييد للرئيس صالح، ومن خلال التحليل الواقعي لتلك الشرائح يلاحظ أنها تشمل ما يلي:

أولاً/ الشرفاء والوطنيين من المؤتمر الشعبي العام وخارجه : وهؤلاء دون شك دوافعهم وطنية ، فهم حريصون على أمن وسلامة الوطن ، ويقسَّمون إلى فئتين ، الأولى لها قناعات شخصية بضرورة إكمال الرئيس صالح لفترته الرئاسية ولهم مبررات عديدة هم مقتنعون بها ، أما الفئة الأخرى قيتشكل رأيها نتيجة ما يلي:

1. فتاوى لبعض الفقهاء الموالين للسلطة بمذاهبهم المختلفة ، أو غيرموالين بشكل مباشركحال بعض فقهاء التيار السلفي الذي أُستدرج لبعض الفتاوى ومع أنها تعبر عن موقف شرعي يعتقده جانب من التيار السلفي وخاصة ما يتصل منه بولي الأمر أو المظاهرات والإعتصامات ، وعلى الرغم من خلاف السلطة مع هذا التيار لفترات طويلة ، إلاَّ أنها هذه المرة أخذت تلك الفتاوى وصورتها بشكل مطويات فاخرة ووزعتها بشكل واسع ، وبالتالي ومع احترامنا وتقديرنا لذلك التيارإلاَّ أنه استدرج لمعركة سياسية لايدركها معظم شبابه ولاناقة لهم فيها ولاجمل.

ومما يؤسف له أن ذلك التيارأثر بشكل مباشر على شريحه واسعة من المصلين في مساجد أهل السنة والجماعة المنتشرة في مختلف محافظات الجمهورية ، بل أن فتاواهم وظفت لتبرير القتل للمعتصمين كونهم خارجين عن طاعة ولي الأمر ، ويغلب على هذه الفئة رفض أي حوار خارج نطاق الأدلة المتمسكون بها ، على إعتبار أن تلك نصوص قطعية لانقاش فيها، يضاف إليهم بعض علماء الصوفية ، إذن وبصورة إجمالية يمكن القول أن الخطاب الإسلامي الموالي للسلطة بشكل مقصود أو غير مقصود أثر بشكل مباشر في قناعات شريحة من المجتمع تجاه حركة التغيير الوطنية ، وهؤلاء ستتغير مواقفهم مع تغير الوضع السياسي للحزب الحاكم.

2. الحملة الإعلامية المنظمة التي يديرها صغار الإعلاميين في الإعلام الرسمي من تلفاز وإذاعة وصحافة تقليدية والكترونية ، ونسبة كبيرة منهم لاخيرة لهم في أمرهم ، فهم يقدمون رسالة إعلامية تملى عليهم من دوائر استخباراتية تدير المطبخ الإعلامي والسياسي بشكل متناغم ، وهؤلاء يوعد بعضهم من المتعاقدين أو حديثي التخرج بالتعيين بوظيفة ثابتة ، وآخرون يرهَّبون بالفصل والعقاب ، وصنف ثالث بسيط الثقافة مظلل لايدرك مخاطر الخطاب الإعلامي الذي يقدمة ويكفيه كلمة شكر من مرؤسيه ليكذب طوال ساعات الليل والنهار وهؤلاء هم الأخطر لأنهم يقدموا رسالة إعلامية بمشاعر صادقة وسيكونوا من أكثر الناس ندماً عندما يعلموا أنهم كانوا العوبة بيد مرؤسيهم ، ومن الأمثلة على إدارة الحملة الإعلامية الموجهة توظيف شباب متخصصين في الفترة الأخية وإعطاؤهم رواتب مجزية وخصص لبعض هؤلاء غرف خاصة مزودة بخطوط انترنت وحاسوب ، ويقتصر دوام هؤلاء على متابعة ما يدور في شبكة الإنترنت والقيام بحملة تشويه المعارضة وصياغة الردود أيضاً وفق خطة مرسومة ، بما في ذلك إنزال الشائعات المتصلة بموت المعارضين وفسادهم وخلافاتهم تلك الصفات التي لاوجود فعلي لها ولكن يتم من خلال تلك التسريبات قياس ردود الأفعال.

ويدخل ضمن الحملات الإعلامية أيضاً نشر الشائعات على المستوى الشعبي من خلال توزيع عدد من المخبرين في التجمعات ووسائل النقل العامة ، وذلك أيضاً لقياس ردود أفعال الرأي العام تجاه قضايا معينة ، وتكوين رأي عام شعبي لمواجهة قوى المعارضة ، وتبنى إسترتيجية الإعلام الرسمي على عدد من الأسس أولاها عاطفة الشعب اليمني ، وثانيها الأمية السائدة في المجتمع اليمني بشكلها الثقافي والسياسي والاجتماعي ، وثالثها العمليات الأمنية المنسوبة للمعارضة ، ورابعها الترغيب بمزايا بقاء الحكم والترهيب بالدمارالذي سيحل بالشعب بغياب الحزب الحاكم ، وحتى تتحقق تلك الأهداف الإعلامية تم تحييد وسائل الإعلام المناهضة للنظام مثل سهيل والجزيرة وغيرها أيضاً بأدوات استخباراتية لامجال لذكرها هنا.

ويمكن القول أن الحزب الحاكم نجح إلى حد كبير في معركته الإعلامية وأثر بشكل كبير في الرأي الموالي للنظام ، إلاَّ أن ذلك لن يستمر طويلاً فإذا استطاعت وسائل الإعلام المناهضة للحكم تقديم رسالة إعلامية مضادة تفند من خلالها خطاب الإعلام الرسمي بأدلة تقنع المشاهد فيمكن خلال الأسابيع القادمة إعادة التوازن بين الإعلام الموالي والمعارض ، وسيعزز من إعادة الثقة بالإعلام المعارض مجمل الأخطاء اليومية لجهاز السلطة الأمني.

3. الرعب السياسي: يقدم الحزب الحاكم في اليمن صورة قاتمة للوضع السياسي بغياب حزب المؤتمر الشعبي العام ، ويحمل ذلك الخطاب مشهد التنازع السياسي بين فرقاء اللقاء المشترك والحوثيين والحراك وشباب التغيير ومعارضة الخارج و….الخ ، ذلك التنازع الذي سيفضي إلى العرقنة أو الصوملة أو غيرها من المهلكات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، بينما الضامن الوحيد للأمن والإسقراروالتنمية هو الحزب الوسطي المؤتمر الشعبي العام ، وللأسف هذا الترهيب السياسي سبق وأن قيل في الإنتخابات الرئاسية عندما شبه المعارضة بالتتار القادمين لغزو اليمن ؟؟؟ ومما يؤسف له تدني مستوى الوعي والذاكرة السياسية لدى بعض شرائح وطننا الحبيب تضعها في فخ الترهيب السياسي فتسعى للإلتحاق بساحات الموالاة خوفاً من المجهول وعلى قياس (جني تعرفه ولا إنسي ماتعرفوش) وهؤلاء إذا علموا بحقيقة الأهداف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تنشدها قوى التغيير بعد سقوط الحزب الحاكم ، واطمأنوا لمستقبل اليمن لاتغيرت مواقفهم .

ثانياً/ الإنتاهزيون : وهؤلاء يمثلون النواة الحقيقة لأنصار الرئيس صالح ، وبوجوده وحزبه تتحقق مصالحهم وتفتح لهم خزائن الدولة ومدخراتها ، ومن هؤلاء المقربين من الحاكم وهم أيضاً يعملون على استراتيجية الترهيب والترغيب ، وترهيبهم سلاح ذو حدين حد موجهٌ للحاكم ، وحد آخر للبسطاء والمغفلين ، فهم يأتون إلى الحاكم ويقدمون له التقاريرالخطيرة عن المؤامرة الكبرى التي تديرها أحزاب المعارضة من ساحات التغيير ، ولا مانع من أن يأتو إليه ببعض التسجيلات لشعارات شباب التغييرمثلاً ، فيثيرون الخوف والرعب لدى الحاكم ، ثم يأتون بالحلول ، والحاكم في ذلك الوضع النفسي الصعب يضطر إلى تلبية طلبات تلك الفئة الإنتهازية ، فيصدرتوجيهاته الصارمة لذوي الإختصاص بتنفيذ ما يطلبونه مالياً وإدارياً وسياسياً وأمنياً ، عند هذا الحد تصبح الدولة بكل أجهزتها مفتوحة وبلا حدود بهدف حماية الشرعية الدستورية والنظام والقانون والأمن والإستقرار ، وبعد الترهيب يأتي الترغيب فيُدعى رموز النظام وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية إلى ساحات الموالاة في التحرير والسبعين أو الملعب الرياضي ، ويقنع الحاكم بالملايين الزاحفة ( أوصلها طارق الشامي في إحدى المرات 10 مليون نسمة) وهذا العدد طبعاً خمسة أضعاف سكان أمانة العاصمة.

ولكون غالبية قيادات الحزب الحاكم أولاً في ورطة وثانياً تجهل المفهوم الرقمي لمعنى مليون نسمة في مكان واحد سرعان ما تصدق ذلك الوهم ، الذي يربطه الإنتهازيون بأعداد بسيطة تمثل مئات المعتصمين فقط في ساحات التغيير، تلك الصورة المغلوطة لدى الحاكم تدفعه للتصريح لوسائل بأقلية المعارضين والإجماع الشعبي المطلق مع الحاكم ، وتستمر سياسية الترغيب والترهيب للحاكم وتتزايد الجُمع وحشود التأييد والتي يخسر فيها النظام مليارات الريالات يوميات وتتزايد أرصدة الإنتهازيين مع كل مناسبة من تلك المناسباب ، أما خطابهم الموجه إلى البسطاء والمغفلين فيرهبوهم بمخاطر ترك صالح للحكم ، وأن المتواجدين في ساحات التغيير ماهم إلاَّ عدد محدود من مطاوعة المشترك يريدون السطو على الحكم من أجل استعباد الناس ووو…الخ ، وأما الشباب فلم يبقى منهم أحد في الساحات ،ويساعدهم في الترويج لتلك الإشاعات حملة إعلامية منظمة ، وشبكة من الإنتهازيين الصغار كبعض عقال الحارات والمخبرين وغيرهم ممن يحصلوا على الفتات من موائد الحيتان ولهؤلاء الإنتاهزيين الصغار أيضاً دور آخر يتعلق بحشد عشرات الآلاف من المواطنين ، وتتنوع مصالح الإنتهازيين الصغار مثل التوجيه بدرجة وظيفية مدنية أوعسكرية أو مساعدة مالية بسيطة أو نقل أو إنتداب وظيفي ، وقد تتدنى إلى وجبة طعام ومصروف جيب يومي ، تلك المزايا البسيطة غالبيتها خدع لاينتظر إصحابها كثيراً حتى تكتشف ، والحقيقة المرة أن أؤلئك الإنتهازيين الكبار يستخرجون إعتمادات كبيرة لتلك الحشود والخيام والخدمات المتصلة بها، ولا يصل إلاَّ الجزء اليسير منها لصغار الإنتهازيين البسطاء ، أما الغالبية فتسطو عليه قياداتهم ، وقد كشفت وسائل الإعلام عن شكاوى وإعتصامات قام بها بعض المشاركين في مهرجانات الحاكم للمطالبة بتسليمهم المبالغ التي وعدوا بها ونهبها بعض متنفذي الحاكم في المحافظات .

ثالثاً/ المنتفعون الصغار(المستفيدون من فساد نظام حكم صالح) : وهؤلاء من الحزب الحاكم وخارجه ولكن ما يجمعهم لوبي الفساد في الحزب الحاكم وتشمل هذه الفئة أعداد كبيرة من الموظفين المنقطعين عن العمل مدنيين وعسكريين ، يضاف إليهم العاملين في المنظمات الجماهيرية المرتبطة بالحزب الحاكم ، ففيهم أشخاص يستحوذون على أكثر من وظيفة ، وآخرون وعدوا حالياً بتعيينهم في وظائف حكومية ضمن ما أسمي (60) ألف وظيفة معلنة ووعود بعشرات الألاف من الوظائف الأخرى التي صدرت بها توجيهات من القيادات الحزبية في المؤتمر ، لقد تم ربط عشرات الآلاف من المواطنيين بتلك الأحلام والمصالح وقيل لهم أن تنفيذ تلك التوجيهات مرتبط بوجود من أصدروها وحزبهم في السلطة ، وبالنسبة للمنقطعين ومتعددي الوظائف يشعرون بالخوف على رواتبهم التي يتسلموها بغير وجه حق ، فتراهم يدعون الله ليل نهار لبقاء النظام حتى تبقى رواتبهم ، وترى جميع هؤلاء مداومين في ميدان التحرير وفي مقدمة الركب الزاحف إلى ميدان السبعين ومستعد لقول وفعل ما يطلب منه ، لأنهم يعلمون أن ظهور دولة مدنية حديثة يحكمها النظام والقانون ستتقاطع مع مصالحهم ، لذلك فهم يستميتون ليس دفاعاً عن الرئيس بل دفاعاً عن مصالحهم .

رابعاً/ المنتفعون الكبار(المستفيدون من فساد نظام حكم صالح) : فئة أخرى من عِلية القوم ترتبط مصالحها عضوياً بالحزب الحاكم وتشكل لوبي فساد من كبارالموظفين وزراء ووكلاء وزارات ومدراء عموم ومحافظين ومشائخ وقادة عسكريين وقيادات حزبية في الحكم وخارجه وأعضاء مجلس نواب وشورى وأكاديميين ومثقفين وإعلاميين وصحفيين وأدباء وشعراء وغيرهم من المرتبطين بالقيادة العليا للحزب الحاكم ، ولهؤلاء مصالح مباشرة مادية ومعنوية تستمر ببقاء النظام وتزول بزواله ، وتتنوع تلك المصالح بين مناصب قيادية واعتمادات شهرية مباشرة في شكل مبالغ مقطوعة تصل أحياناً لبعضهم إلى حصص ثابتة من الإنتاج النفطي وغيرها من الإمتيازات المتصلة بقدرات الدولة المادية والمعنوية ، وهؤلاء بذهاب الحزب الحاكم سيخسرون مصالحهم وطموحاتهم ، لذلك تجدهم أول المبادرين لتشويه سمعة شباب التغيير في وسائل الإعلام وفي اللقاءات والأماكن العامة ، وإذا ما أقتربت من شريحة منهم كموظفي الدولة ستجد مثلاً مدير إدارة أو مديرعام أو وكيل وزارة راتبه الشهري لايتعدى مائة الف ريال ، بينما يعيش في فلة راقية ويملك سيارات حديثة وعقارات وتتجاوز نفقاته الشهرية مئات الالآف ، فإن سئلته من أين لك هذا قد يقول هذا من فضل ربي وهو يعلم أن السماء لاتمطر ذهباً ولافضة ، على كل حال مثل هؤلاء تراهم يستخدمون نفوذهم ووجاهتهم وعلاقاتهم وكل ما أوتوا من قوة في الداخل والخارج حشداً وتأييداً لبقاء الرمز والحزب ولو لساعات أو أيام أو سنوات فالخير بوجوده والشقاء واليتم بدونه؟؟

تلك كانت رؤية لبعض الفئات المناصرة للرئيس صالح ، وللأسف هؤلاء يمثلون العامل المباشر قي تذبذب وتشدد مواقف الرئيس السياسية في الفترة الأخيرة ، فهؤلاء يخشون على مصالحهم أكثر من خشية صالح على كرسيه ، قد يستغرب البعض هذه النتيجة ، نؤكد ذلك لأن ما يواجهه الرئيس من ضغوط يومية وخاصة الضغط الشعبي في ساحات التغيير دون شك على المستوى الشخصي تجعل خيارالرئيس صالح بالرحيل عن السلطة أفضل الخيارات ، ولكن كلما هم بذلك جاءه هؤلاء يتوسلون إليه الاَّ يتركهم فريسة للمعارضة ، ويمكن ملاحظة ذلك لمن استمع لمجريات الدورة الرابعة للجنة الدائمة للمؤتمر الشعبي العام ، التي دُعي فيها الرئيس صراحة إلى التوقف عن التنازلات وحماية أعضاء المؤتمر ، بل وصل الحال ببعضهم إلى تحريض الرئيس على المعارضة بالقول(إضرب بيد من حديد إضرب بيد من حديد لاتخف منهم لعن الله أبوهم يسيروا مليون إثنين ثلاثة طز طز) ونقل ذلك عبر وسائل الإعلام الرسمية ، وكان وصفهم لعضوة اللجنة الدائمة التي قالت تلك العبارة بـ( أجرأ واشجع يمنية) ، إذن يمكن القول إن مثل هؤلاء يغامرون بمستقبل اليمن السياسي والاقتصادي والأمني من خلال تحريض الرئيس صالح على التشبث بالحكم مهما كلف ذلك من دماء خسائر.

أخيراً يمكن القول أن غالبية الشرائح الإنتهازية المناصرة لصالح ، لن تصمد طويلاً لأنها ستغير مواقفها عندما يدب الضعف في نظام حكمه وتتراجع عطاياه المادية والمعنوية، ولكن الخطير أن يورط الحزب الحاكم تلك العناصر في مغامرات وفوضى قبل نفاذ مخزونه المادي والمعنوي ، وذلك بهدف خلط الأوراق السياسية وإدخال البلاد في دوامة من الفوضى لتشكيل معطيات سياسية جديدة، تتيح للحزب الحاكم لعب دور جديد وغير مباشر في العملية السياسية إذا ما خرج من الحكم ، بل ويستطيع الحزب الحاكم أيضاً الإعداد لثورة مضادة من خلال تلك العناصر.

– أستاذ السكان والتنمية المساعد بجامعة صنعاء

aldurae@gmail.com