إلى بغاة الإعلام.. أفيقوا

  د. عبد الملك أحمد الضرعي

يمثل الإعلام وسيلة عصرية هامة تهدف إلى نقل المعلومة عبر ثلاثة عناصر هي(المرسل والرسالة والمستقبل) ويشكل المرسل المصدر الأول للمعلومة ، والمرسل الذي نعنيه هنا هو الإعلامي الذي تقع عليه عدد من المسئوليات الأخلاقية والوطنية والإنسانية ، أما الرسالة فتمثل محتوى الخبر أو المعلومة ويحب أن تتصف بالصدق والوضوح والشفافية وأن تعكس حقيقة الخبر، أما العنصر الثالث المستقبل فيمثل أفراد المجتمع وهؤلاء تختلف خصائصهم الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية ، وهذا التنوع يستدعي من الإعلاميين مراعاة المبادئ الإنسانية العامة المتمثلة احترام عقل وكرامة وحرية أفراد المجتمع كمستقبلين للرسالة الإعلامية.

إننا على يقين أنه لا توجد حيادية مطلقة في وسائل الإعلام ، لأن لكل إعلامي ميوله وتوجهاته الفكرية والسياسية التي حتماً ستؤثر على محتوى رسالته الإعلامية ، ولكن ما نرجوه أن يكون هناك حد أدنى من المسئولية الأخلاقية والأمانة والمصداقية في محتوى الرسالة الإعلامية ، وبما يعزز من ثقة المجتمع في وسائله الإعلامية بمختلف توجهاتها.

يأتي حديثنا اليوم عن الإعلام ونحن نراه يلعب دوراً هاماً في التحولات السياسية الراهنة ، ومع يقيننا أن كل الوسائل الإعلامية تقدم رسالة إعلامية تتبنى جميعها خطاباً إعلامياً يمثل وجهات نظر سياسية وفكرية معينة ، إلاَّ أن غلواً ترتكبه بعض تلك الوسائل يشوه القيمة المعنوية والفنية لوسائل الإعلام .

إن مبادئ الرسالة الإعلامية التي نتمناها على المستوى الوطني يجب أن تؤكد على(حرمة دم وعرض ومال اليمنيين دون استثناء ، ويدخل ضمن ذلك رفض خطاب التخوين والعمالة ) فالأصل في كل يمني أنه وطني ، ما لم يثبت عكس ذلك قضائياً، إذن كل من قدم خطاباً إعلامياً يناقض هذه المبادئ فقد بغى واعتدى لأنه عكس الحقيقة وأوقد الفتنة ، وتعدَّى على عقول الناس ومشاعرهم .

أن الحيادية المطلقة صعبة المنال في أي خطاب إعلامي وهذه حقيقة ، ومن ثم هناك هامش مقبول من التجاوزات في صياغة الخطاب الإعلامي ، وبما لا يلحق الضرر المباشر بالأفراد والمجتمعات ، وهناك أمثلة عديدة في الخطاب الإعلامي الراهن مثل تضخيم أعداد المناصرين ، أو عقد الندوات واللقاءات و استخدام بعض المفردات والجُمل اللغوية…الخ بهدف تعزيز الموقف السياسي لهذا الطرف أو ذاك وهذا مقبول بشرط أن لا يتناقض مع أخلاق وقيم المجتمع ، أو يستهين بعقلية المتلقي للرسالة الإعلامية.

إن مفهوم البغي الإعلامي يأتي عندما يتحول الخصوم إلى إرهابيين ، وقتلة ، وانتهازيين ، وعملاء وفاسدين …الخ ، يأتي البغي عندما تتحول الدماء إلى طلاء أحمر ، ويتحول الموت إلى تمثيل وفكاهة ، والمأساة إلى تضليل ، يأتي البغي عندما يُحرَّض البسطاء على استباحة الدماء والأعراض والمشاعر ، ومن أي طرف كان .

لقد شهدت الأزمة اليمنية العديد من التجاوزات في الخطاب الإعلامي سواء في الإعلام الرسمي أو المعارض ، وقد تساوى الطرفان في العديد من التجاوزات في إطار من القبول لما يطرح من الطرفين كدفاع عن موقف أو رؤية سياسية في مواجهة الطرف الآخر ، إلاَّ إن جانباً من تلك المواجهة لم يكن مهنياً ولا شريفاً ومن ذلك مثلاً (مشهد الطفلة التي فقدت والدها في إحدى المواجهات بساحة التغيير بصنعاء ، فعرضتها بعض وسائل الإعلام المحلية والدولية بمنظر يدمي القلوب) وللأسف جاء الإعلام الرسمي ليضاعف المأساة ويحول تلك المشاعر والآلام إلى تمثيل وخداع ….إي بغي وأي جرم في حق طفلة بريئة تعيش مأساة فقدان الوالد والمعين.

أما المشهد الآخر فهو الإيحاء أن دماء الشباب التي تنزف في مختلف الساحات ماهي إلاَّ خدعة ومكر (حيث يبرز الإعلام الرسمي مشاهد لأطفال يعرضون بقايا أكياس طلاء أحمر ويشهدون أنها استخدمت من قبل المتظاهرين لإيهام الرأي العام بنزيف الدماء؟؟؟ ويظهر آخر يشهد بأن الدماء ما هي إلاَّ شراب فيمتو)!!

نقول حتماً لم يكن الإعلام الرسمي مضطراً لتلك المشاهد المهينة لعقل وسمع الجمهور،لأن كل ذي عقل حصيف يدرك أن ما تظهره وسائل الإعلام الرسمي نفسها تشير إلى حدوث مواجهة بين طرفين احدهما يستخدم الرصاص الحي وأدوات مكافحة الشغب ، في مقابل الحجارة التي يستخدمها المتظاهرين وأرصفة الشوارع شاهدة على ذلك.

إذن هي مواجهة حتماً ستسقط الدماء وتزهق الأرواح وليست تمثلية في هوليود أو مدينة الإنتاج الإعلامي ، والعجيب ماذا سيقول أولائك الإعلاميون عن تشييع الجنازات هل هي خدعة سينمائية أيضاً، إن ذلك الخطاب الإعلامي يفوق المسموح به في الحملات الإعلامية الموالية والمعارضة ، لأنه يستهين بدماء سفكت وأرواحٌ أزهقت ليمنيين ربما بعضهم وإلى أشهر مضت كان جزءًا من النظام وكانت تلك الوسائل تمجدهم صباحاً ومساء، إذن فالغاية الإعلامية التي نتوخاها أن نتخاصم ونختلف بلا فجور ، وأن نقبل الرأي والرأي الآخر فكلنا أبناء وطن واحد نعطي العذر لبعضنا فيما اختلفنا فيه.

أن الأصل في الخلاف مع الحاكم سياسي ولا يمس الثوابت الوطنية ، ومن ثم يفترض في الإعلام الرسمي الممول من مال الشعب ، أن يقدم رسالة تملك حد أدنى من المصداقية ، رسالة تساعد على تعزيز التوافق السياسي والسلام الاجتماعي ، وبما يبعدها عن الخصومة السياسية والتحريض الذي يؤجج الشارع ويحول أجهزة الأمن إلى خصم مباشر في مواجهة المحتجين .

إننا في هذا المقام نوجه رسالة إلى كل إعلامي سواء من الموالين أو المعارضين أن يُحكِّم عقله وضميره ، وأن يتابع تجربة الإعلام المصري منذ ثورة (25) يناير وحتى الآن ، ونوجه هذه الرسالة على وجه الخصوص إلى كبار الإعلاميين من مذيعين ومخرجين ومنتجين وإداريين وصحفيين وغيرهم على أمل التوقف عن استغلال الإعلاميين الشباب في خطاب إعلامي تحريضي ، مقابل الوعد بوظيفة أو مكافأة مجزية.

إن وعي الإعلاميين بدورهم الوطني في نشر مبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية تعد ركنا أساسياً في تحقيق أهداف التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، بينما جهلهم بدورهم الرائد في التغيير الإيجابي يحولهم إلى أداة هدم لمكتسبات الوطن.

أخيراً كلنا أمل في أن تملك وسائلنا الإعلامية العامة والخاصة الحرية المسئولة التي تجعلها رائدةً في بناء اليمن الجديد ، بينما ودون شك سيؤدي تسخير تلك الوسائل لأغراض شخصية أو حزبية أو مناطقية إلى نتائج سلبية ستؤثر في مستقبل وأهداف برامج التنمية الشاملة والمستدامة.

aldurae@gmail.com