ثورة بـ”شيخ” تدعو للدولة المدنية!!

  ميساء شجاع الدين

إذا كان البوعزيزي يمثل ثورة تونس في القمع البوليسي وخالد سعيد رمز للدولة البوليسية في مصر بملف التعذيب الثقيل، فاليمن لا تمثلها قصة بحق مثل قصة قبيلة الجعاشن قصة الدولة الغائبة والاستبداد الاجتماعي. لكل بلد قصة ولليمن قصة لم ترو لأن ابناءها مشغولون بروايات الآخرين ويقتبسونها بإجادة.

من يقلب أوراق قصة الجعاشن يجد أمامه قصة كأنها امتداد لعهد الإمامة وليست قادمة من القرن الحادي والعشرين، والشباب الذين في الساحات ويطالبون بالحرية السياسية وانتخاب الرئيس لم يحددوا حتى آلان ما هو موقفهم من المشايخ الخارجين عن القانون في اليمن؟ قضية الجعاشن تجيد فعلا تمثيل مشاكل اليمن من جهل وانعدام قانون وغياب دولة وتكشف هذا الحضور المكثف للفقر والبؤس لرعية شيخ قلب حياة الآف من سكان القرى لجحيم ولم يتورع عن استخدام اسلحة ثقيلة.

في بلد عدد سكان الريف فيها لا يقل عن 70%، قصة مثل الجعاشن لا ينبغي لها أن تفوت بسهولة ولا تأخذ حقها من الاهتمام وكان من المفترض أن تصبح في قلب أي اجندة حزبية، فهذه قضية تجسد مشكلة اليمن في عمقها وليست نتيجة او عارض بل هي اصل المشكلة. الجعاشن الذين يطالبون بوجود الدولة لم يحظوا اطلاقاً بإي اهتمام محلي أو دولي مقارنة بالحوثيين والحراك الذين يدعون لمطالب خارج اطار الدولة. هكذا إذن تخرج عن الدولة وبناء اخرى اسهل بكثير من مطالبة الدولة بالحضور.

في بلد التعددية الحزبية والحرية الاعلامية صارت أمور مفرغ منها لاتزال اكثر البديهيات غائبة، وحتى نقترب من الصورة اكثر. فها هي محافظة عمران في تقرير 2006م للبنك الدولي تتصدر قائمة المحافظات اليمنية الاكثر فقراً، المحافظة الافقر بكل هؤلاء المشايخ ورجال الاعمال والقيادات العسكرية وقادة الدولة والمعارضة في آن واحد. إذن ما هو سر غياب المشروعات التنموية ووجود هذا الفقر كله في عمران؟ بالتأكيد يستطيع احد المشايخ أو رجال الاعمال بناء ليس مستشفى بل على الأقل مستوصف ولو حتى لتطعيم الاطفال والمساهمة قليلاً في خفض وفيات الاطفال باليمن، أو مثلاً بناء فصلاً لمحو الأمية وليس حتى مدرسة، لكن ضمان الولاء لا يتم إلا بالعطاء الشخصي ليظل التمنن والاذلال ويستديم الولاء الشخصي ولا يشب احد عن طوقه بالتعليم والاعتماد على النفس في الانفاق.

بالتأكيد يضطر المجتمع اليمني للتعامل مع غياب الدولة بأدواته الخاصة وتحضر بقوة منظومة الاعراف والقيم بسلبياتها وإيجابياتها لسد هذا الخلل، ففي ظل كل هذا الفقر والبطالة وانتشار الأسلحة كان من الممكن ان يرتفع معدل الجريمة بشكل كبير لكن منظومة الاعراف ووجود قيم التكافل الاجتماعي تخفف كثيراً من وطأة هذا الفقر لكنها بمفردها لا تستطيع حل كل المعضلات التي يخلفها غياب الدولة، لكن هذا التكافل يأخذ ابعاداً سلبية مثل انتشار قيم المحسوبية لكن الأسوء على الاطلاق إنها ترفع من حالة العصبية في المجتمع فالولاء يتحول للقبيلة او المنطقة وليس للدولة.

الدولة اليمنية حضورها دائماً ضعيف لكن كان هناك دوماً تراتيبة صارمة للمجتمع تعطيه القدرة في سد هذه الفجوة مع حضور لهيبة الدولة بشكل ما وهي عادة تكتسب هيبتها من شرعيتها الدينية، بالتأكيد صرامة الاطر الإجتماعية بسبب اعتمادها على النسب والاصول ادى للركود والجمود داخل المجتمع وبالتالي التخلف. عندما قامت ثورتي سبتمبر واكتوبر تم تقويض اهمية بعض الوسطاء وهم فئتي الهاشميين والقضاة الذين كانوا يمثلون شريعة التقاضي والوساطة التي تحفظ مساحة محايدة داخل فئات المجتمع ورابط بينه وبين الدولة، ومع غياب القالب التقليدي دون وجود بديل حديث رجحت الكفة لما تبقى من البنى الإجتماعية وهي القبيلة التي تماهت مع الدولة وافسدتها السلطة وافسدت هي السلطة، صارت القبيلة جزء من السلطة بمنطق القوة والغلبة وادى هذا لتراجع اعراف القبيلة لصالح الكثير من الجشع، حيث قامت السعودية بالتلاعب بهذه الورقة بشكل جيد وانجرت لها معظم القوى الجديدة واغدقت الاموال على المشايخ الذين يلهثون وراء الكثير من مظاهر الحياة العصرية فها هم يركبوا سيارات الدفع الرباعي القادمة من القرن العصر الحديث بعقلية القرون الوسطى ويقاتل بمباديء الثأر والدفاع عن النفس القادمة من زمن الجاهلية لكن بسلاح اكثر فتكاً وتدميراً قادماً من القرن الحادي والعشرين. لا احد يدرك خطورة التعامل مع الادوات العصرية بكل امكانياتها الجبارة بالقيم البالية بنطاقها المحدود الذي كان يتناسب مع زمانها لكن الامر اختلف بكل تأكيد.

لا ادرى ما مدى ادراك اصحاب المرحلة القادمة بضرورة نشر التعليم الصحيح وتطوير ادوات الانتاج الاقتصادي لفك أسر الرعايا من الشيخ فلنا أن نتخيل كم ستتغير الحياة السياسية في اليمن للأفضل في حالة وجود مصنع داخل عمران أو ابين أو صعده. فالمطالبة بمحاكمة الرئيس ورموز النظام السابق في ظل عدم قدرة القضاء اليمني لتقديم شيخ حتى للإدلاء بشهادة يجعل من هذه المطالبات مجرد ترهات واستكمالاً لعمل انتقامي وليس استيفاء لشروط العدالة والقانون . والمطالبة بانتخابات حرة في ظل قدرة الشيخ على اجبار رعيته للتصويت لصالحه يجعل من هذه الانتخابات مجرد تكريس لسلطته وليس اكثر من تفريغ للديمقراطية من معناها الحقيقي.

العدالة هي اساس الملك أو الحكم، وإذا ما غابت فلا معنى للديمقراطية التي تهدف لمراقبة الحكام من قبل المحكومين لكن غياب العدالة يعني غياب الفرصة وعدم تساويها لتصبح السلطة في يد فئة من المجتمع تتداولها فيما بينها ونكون استبدلنا منطق الخروج لتبديل السلطة بين الهاشميين لمنطق صناديق الاقتراع لتبديل السلطة بين المشايخ وبمنطق الغلبة ايضاً فهم بمنطق الغلبة الاكثر قرة على الاستحواذ على فرص الاستثمار والتصرف فوق القانون دون دفع ضرائب وجمرك وبالتالي بمنطق الخوف الذي يضمنه السلاح وكذلك المال يستحوذ المشايخ على النصيب الاكبر من الاصوات ضمن الانتخابات النزيهه وهذا أمر مشابه لفكرة بيعة الخليفة في زمن مضى فمن كان يملك القوة هو من يملك البيعة وقبول الآخرين له واجب. فها هو الشيخ حميد الاحمر ينفعل بشدة على الصحفي من رويترز الذي قال له إن بعض الثوار خرجوا ليس فقط لاسقاط الرئيس بل لاسقاط سلطة القبائل التي انت تمثلها واجاب الشيخ بحزم هناك صندوق انتخابات وديمقراطية وليس من حق احد أن يطلب اكثر من هذا. أما الشيخ صادق فوصف المذيعة بالغبية التي حدثته بذهول طبيعي عاشه العالم عندما رأي احداث الحصبة وكيف وصل شيخ قبيلة لتحدي رئيس جمهورية وسلطة دولة ووضع شروطاً لإخلاء منشآتها في وسط العاصمة. للدولة احترامها وهيبتها المصانة في كل مكان بالعالم لا تهتز باهتزاز شرعية النظام لكن الرجل في الواقع لم يستطع استيعاب منطق المذيعة وبدا كأنهم قادمين من عالمين مختلفين أو بمعنى أدق من زمنين مختلفين. في الواقع لا ألوم الرجل فهذه منطلقاته وبيئته وهو كان صادق بطريقة تستحق التقدير في التعبير عن نفسه وعن قناعاته لكن هذا لا يلائم زماننا وهذا المنطق هو ما جعل اليمن دولة تتخلف عن العالم مئات السنوات وراء.

قامت الجمهورية في اليمن وقوضت اضعف حلقات البنية الاجتماعية وهي الحلقة الشرعية التي كانت تقوم بدور مهم في الوساطة والتقاضي لديها لتحل محلها مفاهيم الفوضى بسبب غياب البديل وتصبح الغلبة ضرورية بعصبيوتها وسلاحها مما صعد شخص مثل الرئيس علي صالح في وقت كانت الدولة تملك مؤهلات فكرية وعلمية افضل منه. استطاعت أن تتجاوز الثورة فكرة تميز الاصل الهاشمي لكن ظلت فكرة التمايز على اساس الاصول قائمة وبعصبية مخيفة فها نحن نستلذ اهانة الرئيس بالتذكير بإسمه المتواضع عفاش على اعتبار إنه ليس صاحب الأصل العريق والبعض لمح وآخر صرح اثناء احداث الحصبة حول فارق الاصل بين سنحان والعصيمات وكأن هذا معيار يستحق الحكم على اساسه. في الواقع اسم عفاش لا يسيء للرئيس بل هو مدعاة للفخر ويثبت كيف نجحت الثورة في رفع شخص متواضع الاصل لسدة الحكم وجعلت من منصب الرئاسة ليس محصوراً على الناس بحكم أصلهم لكن علينا استكمال هذه الثورة وخلق بديل آخر للتقاضي ومساحة أخرى للحياد بين فئات المجتمع تحفظ له سلمه واستقراره وتتكفل بتطبيق العدالة الواجبة لخلق دولة المواطنة المتساوية وهذا لن يتأتي إلا بالتفكير الجاد في كيفية اصلاح القضاء اليمني ومنع التسلح في المدن لتتمكن السلطة التنفيذية من تطبيق الأحكام القضائية.

الآن الثورة صار لها شيخ ولا ادري هل ينقص اليمن مشايخ أم ينقصها قانون ودولة ومع رغبة البعض في انتقاص اصل الرئيس لا ادري أيضاً هل تعي الثورة ما تفعل؟ فصندوق الاقتراع سوف يأتي بشيخ والجيش مهلهل ويقوده ابناء القبيلة الواحدة وهذا كله سوف يجعل من حلم دولة المواطنة المتساوية بعيداً كل البعد لأنها بدأت بشيخ وليس بالدعوة لإصلاح القضاء وتطوير الاقتصاد وحق التعليم للجميع واعادة هيكلة الجيش بل بالقفز فوق هذا كله بصندوق الاقتراع مما سيدخل اليمنيون في دوائر تيه عظيمة بالفعل.

– كاتبة يمنية مقيمة في القاهرة