نريد وطناً آخر.. ولو كان بالسَّحاوق!

نعم... لهذا قامتِ الثَورة!..

نحنُ بحاجةٍ إلى وَطنٍ ، لا إلى رَئيس. كرهنا هذهِ الأُسرَةَ َ التي أصبحتْ خِنجَراً في خاصِرَةِ الوطنِ ، لثلثِ قرنٍ ! لقد سئمنا هذهِ الأسرة، وهذهِ الوجوهَ ، وهؤلآءِ السياسيين ،

والوزرآء، والمدرآءَ ، والأسماءَ التي تحنطتْ في كراسي الوزارات. سئمنا حتى المعارضة ، بكل وجوهها الطيبة ، وغير الطيبة ، التي لم تستطعْ أنْ تملأَ الفراغَ الدستوري ، بتشكيل مجلسٍ إنتقالي؛ لإنقاذ الوطن ، ومنح النَّاس شربةَ ماءٍ، وفانوساً !..

نحنُ بحاجةٍ لتغييرٍ من الدَّاخلِ ، وليسَ مِنَ الخارج. التغيير من الداخل تصنيعُ وطنٍ ، والتغييرُ من الخارج ترقيعُ لكفنٍ !.. نريدُ وَطَناً صناعةً يمنيةً. نريد وطناً مكتوبٌ على هامته ( صُنِعَ في اليمن ) ؛ لا ( صُنِعَ لليمن ). نريد وطناً مِن داخل الحدود وليس مِن خارجِهِ.

نريدُ وطناً آخرَ مختلفاً . فيه أشياء أخرى مختلفة.

نريدُ أشياءاً جديدةً تزرعُ الفرحةَ لكل الناس ، وتُغَيِّرُ المزاجَ العام للأُمَّةِ ، وتُلبِسُ الأرضَ عشباً قشيبا. نريدُ وطناً بلا صالح ، ولا أسرة صالح ، ولا عيال صالح. نريدُ وطناً بغيرِ جَنَدِي، ولا لوزي، ولا شاطر ، ولا يماني ، ولا صوفي. نريد وطناً بغير أمن قومي ، ولا أمن سياسي.

نريدُ وطناً أخرَ أبداً !

نريدُ وطناً مختلفاً ..

يسعنا جميعاً بغيرِ إقصآءٍ وإنكار. نريدُ وطناً يدمج القبيلة َ في مصفوفة التعليم ، وبناء العقل الذي بنى حضارة. نريدُ إعلاماً بلا مَسامِير ولا مَزامِير ولا طبول . نريد وَطَناً فيه التِّلفازُ يدرِّبُ النَّاسَ على ممارسةِ الديمقراطية، ويعلمهم الكتابةَ والقِراءة بحكمةٍ ؛ ويعلَّمهمُ الرفض ، والصراخَ في وجهِ الباطل. نريدُ وطناً كلما أرادَ البرلمانُ فيه شيئاً ؛ يُسْتَفَتَى فيه الشَّعبُ من أقصاه إلى أقصاه.

نريدُ وطناً يحضنُهُ النَّاسُ ، لِأنَّهُ أطعمهم من جوعٍ، وآمنهم من خَوفٍ ؛ ليمنحوهُ عرقَهم في زمنِ البناءِ ،على عهد السلام ، ودماءهم في زمن الدفاع على عهد الحرب . نريدُ وطناً يحضنُ النَّاسَ ، ويجرهم إليهِ ، كلما حاولوا الإغتراب. لا نريدُ وعوداً ، وقطاراً ، ومفاعلات نووية. نريدُ صِدقاً ولو قليلاً في زَمَنٍ عَزَّ فيه . نريدُ مدرسةً ، ومستشفىً ، وماءاً ، وكهربةً، وطريقاً ، ومسرحاً ، ونادٍ ، وشاعراً ، وفناناً ، ورساماً في كل القرى اليمنية. لا نريد ُ ساسةً يحكمونا. ولكنَّا نريد شاعراً ، حالماً ، ليحكم ، وبرلماناً يراقب ، وحكومةً فنيةً مختصةً تنفذُ أحلام الشاعر الحالم.

نريدُ نِفْطاً يوَحِدُ النَّاسَ والأرضَ ، ويبني الإنسانَ قبلَ الأرض. لا نريدُ نفطاً يقسِّمُ النَّاسَ والأرض. نريدُ الذَّهبَ المدفونَ في الإنسان ، لا المدفونَ في الأرض. نُرِيدُ وطناً يعيشُ معه ، وفيه ، وله الأنسانُ ، لا عليه !..

لا نريدُ وطناً يُستخرجُ فيه النِّفْطُ ، ويُدفنُ فيه الإنسانُ .

لا نريدُ إستخراجَ نِفْطٍ قبل إستخراج الإنسان اليمني ، واكتشافِهِ ، وتحريرهِ مِنَ الأُمِّيةِ ، والجهل ، والبحث عن حاجاته ؛ ليَنطلقَ في كل المجالات، ويصنعُ المحالات. لا نرِيدُ نفطاً. نريدُ ماءاً. نريدُ وطناً خُبزُهُ فيه من بُرِّهِ ، ولباسُهُ فيهِ مِن سِرِّهِ !..

نُرِيدُ وطناً بلا جهات !..

نُرِيدُ وَطَنَاً بلا ( أنا ) بل ب ( نحنُ )!..

نريد وطَنَاً لا نرَ فيهِ العساكرَ ، إلا في معسكراتهم. أو نراهم يفرشونَ الأرضَ فاكهةً وأَبَّا ، ويزرعون شجرةً ، ويساعدون عاجزاً ببناء بيوتٍ للعجزة ، والمسنِّين ، ودوراً للأيتام. نريدُ وطَنَاً فيه الشرطي لا يقبض على مواطن ، بل يُطْلِقُه. ويعْبُرُ بالأطفال ، مِن باب مدرستهم، إلى الجانب الآخر من الشارع.

... نُرِيْدُ وطناً فيهِ الأطفالُ منتظرين حافلاتهم ، متوشحين حقائبَهم ، وكتبَهم إلى المدارس ، لا حاملين لُباناً يبيعونه أمام المدارس. نريد وطناً فيه التربية قبل التعليم.

نريدُ وطناً فيهِ المسجدُ مدرسةً ، والمدرسةُ مسجداً. نريد ُ وطناً لا نعرفُ فيه حوثياً ، أو حراكياً ، أو إشتراكياً، أو بعثياً ، أو ناصرياً، أو زيدياً، أو شافعياً ، أو مؤتمرياً - بلا دم أو فسادٍ على يديه - أو إصلاحياً ، أو سلفياً ، أو أي حزب من أي نوع ؛ إلا في مواسمِ الإنتخابات ؛ يتنافسون بَاسمِينَ ، ضاحِكين ، حينَ قَبِلُوا ما جَادَ به الصندوقُ ، ومُهَنِئينَ مَنْ حَازَهُ ، وعلى كوبٍِ مِنَ القهوةِ اليمانيةِ العقيقيةِ المُعَتَّقَةِ ، لا ورقة القاتِ المُعَوِّقَة!..

.. نُريدُ وطناً سواحلهُ سِياحة ، وخيراتُهُ سلاحه ، وجبالُهُ إنسانُهُ فيه جِبَلاً لا سهلاً ، وتهامته سلَّةُ خُبزِهِ ، وحضرموته دوعانه ، وصنعاؤهُ حبيبته لا ( طبينته ) ، ومحافظاته فِدراليته ، وبرلمانه حكومته ، ورئيسه عِمامته متى عاث َ خلعناهُ ، وإنْ أفسدَ عزلناهُ ، وإنْ وَعَد فأخلفَ عاتبناه ُ وقرَّعناهُ ، وإنْ تمادى قَاضَيناهُ !..

... نُرِيدُ وطناً بغيرِ حرسٍ جمهوري ، وبغيرِ عساكرَ بنياشينَ من أغطيةِ القواريرِ والقناني ، يحملونَ شهاداتٍ من كلياتِ البلاي ستيشن ، وجامعاتِ الأتاري ، لينقلبوا علينا تَتَاراً وعلى الأرضِ نَبْتاً شيطانياً، ومغُولاً قَتَلةً !..

نريدُ وَطَناً فيه القانونُ والنِّظامُ حاكماً ، لا وطنَاً فيهِ الحاكمُ هوَ القانونُ والنِّظام . نُرِيدُ وَطَناً يُسْتَدعى فيه الحاكم بالهاتفِ ، لا يُدِيلُ دولةً بهاتفٍ . فيه الحبُ يتَفَوَّقُ على القتل. وطنٌ فيهِ الصادقُ يُرفع ، والكاذبُ يُوضع ، والقاتلُ ( يُنْقَع ) ، والسَّفيهُ يُدفع ، والعقلُ يُطاع ويُسمع ، والجهلُ يُصرع ، والقاتُ فيه يُمْنَع ، والبُنُّ يُزرع!..

وطنٌ آخر ..

وطنٌ مختلفٌ تماماً.

نريد وطناً يرفعُ المرأةَ - أُمِّي وأمك. أختي وأختك. بنتي وبنتك - فوقَ رأسِهِ تاجاً يُكلِّلهُ ، لا متاعاً ومتعةً .. بل مناعةً ومِنْعةً. نريد وطَناً فيه الدِّين أخلاقٌ ورِفْعةً .. لا دَيْنٌ وسِلْعةٌ ، أو شحتٌ وسُحتٌ ومغارف وقِصْعة. نريدُ وطناً هو المحرابُ والمسجدُ والسجادةُ والمسبحة.ُ نريدُ وطناً سوياً غيرَ مريضٍ ، واقفاً .. غيرَ كسيحٍ ؛ ليرَ أوضح ، وأبعد ، وأنضج.

... نريدُ وطناً نعشَقُهُ لا نَشْنُقهُ . لا نعطيهِ سيفاً .. بل نكون نحنُ لهُ السيف الذي يمتشقه. نريدُ وطناً نقدِّمَ النفسَ له ُ رخيصةً إذا حَمِيَ الوطيسُ ، فلا نقدمهُ رخيصاً !..

لا نريدُ وطناً فيه القَاتلُ يُكافؤ ، بل قَد أخذَ جزاهُ عدلاً ونَالَهُ ، لا ليحكمنا مرَّةً أخرى مِن ( فوقِ رؤوسنا ) بالقوة؛ وإنْ كانَ مفروضاً ، رفضناه. فنحنُ لم نَعُدْ نحتملُ هذهِ الأسرةَ ، تحتَ أيَّةِ مبرَِّراتٍ مهما تكن، ولو كان فيها رقابنا. ( وما زال المرء في فسحةٍ مِن دينهِ ما لم يصبْ دماً محرماً ) هكذا قالَ محمدٌ الثائرُ الأول.

نريدُ وطناً فيهِ الإنسانُ كريماً ، معافىً، عاملاً ، شابعاً راوياً. نُرِيدُ وطناً مكرماً ، وإنساناً حقوقه فيه قُدسَاً ، وواجباته قُدْساً ... وحياتُهُ هي الوطنُ ، والوطنُ هو الإنسانُ !..

لسنا بحاجةٍٍ إلى مبادراتٍ من المشترك ، وغير المشترك. ولا حكومةٍ من المؤتمر ، والمشترك. ولا من السعودية ، أو أمريكا ، أو أوروبا. كلٌّ يرعى مصالحَهُ . ومن حقنا أنْ نرعَ مصالحَنا ، وبالشكل الذي نراهُ. فليسَ محالاً أنْ تكون اليمنُ سويسرا الجزيرة العربية. فقط بل أكثر مِن ذلك . ولكنها بكل تأكيدٍ لَن تكونَ صومالاً أو عراقاً آخر .. ولَن تُقَذْفَف مطلقاً. محال !.. ما دُمنَا مؤمنين بالله وبأنفسِنا.

نحنُ بحاجةٍْ إلى وطنٍ نحررهُ.

ولن نُحرِّره ، إلا إذا حررنا أنفسنا ، وإرادتنا ، وقرارنا مِنَ الدَّاخل والخارج ، ومِنَ الإرتهان لهما.. ولن تتحرر ََ اليمنُ إذا كان فينا العبيد.

لأننا بحاجةٍ إلى وَطَنٍ ...قامت هذه الثورةُ.

ولكل ذلك قامتْ هذه الثورة.

إذا أردتم وطناً واقفاً ..

فقِفُوا!

فستصافحكم الملآئكةُ في الطرقات. وإلا فلعنة الشياطين ستركبكم ما حييتم.

وذلك هو خِيارُنا الأخير..

وهو إختيارنا الوحيدُ المتاحُ لنا في الحياةِ واقفين.

وهي لحظةُ الله وعينُهُ في اليمن ..حين فتح لكم اللهُ فَتحَاً مُبِيناً بهؤلآء الملائكة. فاقتلوهم إنْ شئتم .. فإنما تقتلون وطناً جَنَّةً لكم وجُنَّةً ، وملآئكةً كراماً ، وتهدمون السَّدَّ مَرَّةً أخرى.

هَمْسَةٌ للثُّوَّار:

قلتُ لكم في رسالةٍ سابقةٍ إستبقوا المضمار ، لتحوزوا الشوط، والخيل ، والسَّبقَ. إعلانُ المجلسِ الإنتقالي خطوةٌ في الإتجاه الصحيح ، وستخلطُ كل الأوراق بل ستقلبُ الطاولة ( to avoid the risk is to take the risk ). وما فَازَ إلا الجَسُورُ !..

همسةٌ في أُذن الچنرال:

أعجبني البيان الأول. وما زلتُ منتظِراً للبيان الثاني الذي أرجو أنْ يكون في وقته. ولكن إلا تعتقد معي أنَّهُ تأخَّرَ بعض الوقتَ ! مجرد تسآؤل. لا تخوين.

وعلى اليمنِ المحبة والسلام.

خاتمة :

وللأمانة لم يعُدْ بنا طاقة ل ( المؤتمر الشعبي العام ) - مع إستثنائنا للمشهود لهم بيدهم من غير دم أو سرقة أو فساد - أو حتى قبولهم - أي الشرفاء منهم - تحت المُسمَّى القديم. فليأتوا لنا بِمُسَّمىً آخر حتى لو كان ( حزب الثوم ) تيمناً بِ ( حزب البسباس ) ، وإذا فكرتُ بالتحالف معهم سيكون في الساحة اليمنية السياسية الجديدة حزباً جديداً

هو ( حزب السَّحاوق ) !...