خروج الثورة من وضع التعادل السلبي

  ميساء شجاع الدين

هو المأزق ولا شيء غيره يمكن به وصف ما يجري في اليمن. والمأزق هذا مرده أنه لا أحد قادر على التحرك للأمام أو الاستدارة للخلف حيث تجمد الجميع في مواقعه. ثورة مستمرة دون حسم ورئيس عليل دون تنحٍّ أو اسقاط ومعارضة مهزوزة لا تستطيع فعل الكثير، ليستمر مسلسل الجمود في ظل معاناة معيشية غير مسبوقة للمواطن اليمني بما يهدد لانقلاب الأمور لفوضى شاملة وتدهور خطير إذا ما طال أمد هذا الجمود.

هذا الجمود سببه ضعف جميع الاطراف السياسية الفاعلة، فهي ضعيفة من الداخل لكنها قوية بما فيه الكفاية للوقوف في وجه الطرف الآخر، وهو امر مشابه للوضع السابق قبل الثورة لكن مع تغيير مهم وهو سقوط آخر طرف قوي بحكم الأمر الواقع وهو السلطة ليتساوى الجميع في ضعفه، فالسلطة غير قادرة السيطرة على الوضع ولكنها عصية على الاسقاط وثورة صارت تحمل ضمن مكوناتها جزءا من السلطة واحزابا هي شئنا أم ابينا جزء من النظام، ومع تصدر المشهد الثوري بعض الشخصيات السياسية القادمة من تحت عباءة النظام تعرقلت الثورة وفقدت الكثير من الزخم الشعبي بسبب ضعف خبرة مكوناتها المستقلة وانقساماتها الشديدة اضافة لحراك جنوبي منقسم على نفسه كما جرت العادة وعرقل طموحات الفيدرالية أو الانفصال تطلعات حضرموت المستقلة وحضور القاعدة ناهيك عن انقسامه أما الاطراف القوية والمنظمة فهي الحوثيون والاصلاح وهما بمواجهة بعضهما بعضاً بشراسة وغير قادرين على ملء الساحة السياسية بسبب نفور مختلف الاطراف من كليهما بشكل يمنعهما من التمدد أو التقدم اكثر.

العالم لا يتآمر على ثورتنا ولكنه لا يجد لها مخرجاً فهو لا يتخذ موقفه إلا تبعاً للوضع الداخلي وليس العكس، فالجيش في مصر يدير العملية الانتقالية وهو كان مخرجا جاهزاً ومتفقاً عليه، وفي تونس ادارته مؤسسات الدولة المتبقية في ظل حياد الجيش. بينما في اليمن يغيب البديل الجاهز، فالجيش منقسم وغير محايد وغير متفق عليه ولا يحقق أي مخارج والسلطة سقطت شرعيتها والمعارضة مشكوك بنواياها دوماً من قبل عامة الشعب بسبب تعاملها غير الشفاف وارتباطاتها التي يرتاب منها البعض، هذه القوى السياسية تواجه آلان ثورة قلبت الطاولة على الجميع وفرضت واقع التغيير دون أن تقدم قوة سياسية جديدة تستطيع إدارة المرحلة وتمسك زمام المبادرة من منطلق الشرعية الثورية، إذن العالم امام قوى ضعيفة ولا يمكن الثقة بها حتى يتعامل معها ويدعمها.

الثورة جاءت لتنقذ اليمن من أزماته المتلاحقة من فقر وحرب وفساد وظلم واحتكار للسلطة في يد الفئة الغالبة فكان هناك حوثيون وحرب اهلية مستعرة بالشمال واضطرابات سياسية متواصلة بالجنوب والبلاد مهددة بالسقوط في أي وقت بسبب انقسام الجيش والوضع الاقتصادي المخيف والتمرد الحوثي ومطالب الانفصال، إذن الثورة حولت مسار البلاد من السقوط لصياغة أمل جديد وتعيد للوحدة بريقها ولليمنيين احلامهم في دولة تمثل الجميع سياسياً وتنقذهم من الفاقة، لتكون بذلك الثورة انفجاراً محموداً يحمي البلاد من انفجار ثورة الجياع وشبح الحرب الاهلية. لهذه الاسباب يجب المحافظة على الثورة واهدافها ومسارها في انقاذ البلاد لأنها اعادت لنا القدرة في الحلم بمستقبل افضل، لكن إذا ظلت الثورة بمسارها الجامد فهي سوف تنضم لمجموعة الأزمات الخانقة بالبلاد ليكون مصيرها نقمة المواطن اليمني وإعادة البلاد لنفس مربع المخاوف من حرب اهليه وثورة جياع وتمزق.

الأزمات ومعاناة البشر الحالية ليس بأمر غير اعتيادي في اوقات التغيير وهي كلفته المتوقعة لكن الخوف من إطالة امد سيناريو استنزاف المواطن اليمني على حساب تسويات سياسية قد تعصف بأحلامه أرضاً أو قد يتجه هذا السيناريو بالبلاد لحالة انفجار وغليان غير مسبوقة خاصة إنه سيناريو مفتعل من اطراف مختلفة مما يجعله تداعياته مقلقة للغاية. ها نحن امام وضع متفجر في أبين المحاذية لعدن مما قد يضعنا أمام موقف صعب يفتح باباً للتدخل الخارجي لحماية منفذ باب المندب كممر دولي للسفن والملاحة العالمية مما قد يزيد قوة التيارات الدينية الراديكالية ويعصف بمشروع الدولة المدنية أو قد يفتح باباً للتمزق والانفصال مما سوف يؤجج النزعات القبلية والمناطقية بتحالفاتها الطبيعية مع الدين، هذا كله نحن مرشحون له بقوة طالما استمر انفلات الوضع الأمني واستمرت عملية تجويع المواطن اليمني.

فلنخفف قليلاً من حماسنا الثوري ولنعرف إن الحسم الثوري غير ممكن والثورة غير قادرة على تصعيد عملها الثوري اكثر من هذا، فمسيرات واعتصامات واضرابات فعلت فعلها وفرضت واقعاً جديداً لكنها بعد خمس شهور لن تفعل المزيد والمسألة آلان تتطلب بعض الحلول العملية والخلاقة لمأزقنا السياسي، ولنفكك هذا الجدار المصمت الذي يسمى شعار اسقاط النظام ولنبحث عما نريده من اسقاط النظام. ولنخفض قليلاً من سقف احلامنا في تحقيق دولة مدنية لتصبح مهمتنا الحفاظ على الدولة الموجودة وتنمية عمل مؤسسات الدولة، فكلما ارتفعنا بالعمل المؤسسي للدولة كلما اقتربنا من بناء فكرة المواطنة وخلقنا الاساس الحقيقي للدولة المدنية.

بالتأكيد على اليمنيين أن يفتخروا بثورتهم التي حققت الكثير حتى آلان رغم كل الصعوبات حيث نجحت قدر استطاعتها الحفاظ على سلميتها ووحدوية خطابها، فديناميكية المجتمع اليمني تستحق الاعجاب والتقدير في ظل بيئة إقليمية ميتة سياسياً وجامدة جمود الموتى ولاتحمل اكثر من مشاريع دول السوق الكبير ومنطق الرعية، هذه البيئة التي تواصل غيبوبتها التاريخية تظل فيها اليمن حية ومتقدة رغم إرثها التاريخي المثقل ووضعها الاجتماعي المعقد واعبائها الاقتصادية. ها هم اليمنيون خلال نصف قرن يحققون ثورتين احدهما لإسقاط نظام الإمامة وادخال اليمن للعصر الحديث وتحقيق المساواة بين فئات مجتمعها واخرى لتحرير الجنوب وتوحيده وانقاذه من السلطنات المتفرقة التي تحكمه واخيراً الوحدة كخيار مستقبلي يحمي مشروعاتها السابقة ويمهد لها طريق المستقبل ويوحد طاقاتها، ولكل انجاز من هذا معاناته الطويلة وهو لا يتم بين يوم وليلة لذا حالة التخبط والفوضى الحالية طبيعية لكن استمرارها مدمر.

كما إنه من الضروري التنبه إن لكل مرحلة تحدياتها، فالثورة لا تنقل البلاد لوضع افضل لكنها تخلق وضعاً جديداً له تحديات جديدة ولقد سبق أن قامت الوحدة بذلك ووضعتنا أمام تحد جديد لكن عجزنا عن التعامل مع التحديات التي فرضتها وتعاملنا معها باعتبارها نقلة نوعية للأفضل ومطالبتنا لها بتحسين اوضاعنا احبط الكثيرين وجعلهم يظنون أن الوحدة هي المشكلة وليس تعاملنا الأخرق معها ومع التحديات التي تخلقها، كذلك هي الثورة صرنا نتعامل معها بنفس الاعتباطية ونحملها مسؤولية ما يجري دون أن ندرك إنها مثل الوحدة انقذتنا من الأسوأ الذي كان ينتظرنا والتخلي عنها سوف ينقلنا للأسوأ، فالثورة خلقت تحديات جديدة يجب التفكير بها بفكر جديد ورؤية جديدة مختلفة عن السابق وإلا سوف تنجر البلاد للتمزق.

اليمن تواجه آلان مشروع إمامة في الشمال وتفجرا للوضع في تعز التي سئمت اخيراً من تجاهلها طيلة الزمن الماضي وانحراف ثورة سبتمبر عن مسارها بعد ما اعيد احتكار الحكم في ذات المناطق الزيدية لكن بشكل مختلف وفي الجنوب نحن أمام حراك جنوبي عاجز بسبب انقسامه يواجهه خطر القاعدة، ويبدو إن التيار الأقدر فيه هو التيار السلاطيني الذي بتحالفه التقليدي مع الدين مقابل ضعف التيار المدني يرشح الاوضاع في الجنوب للعودة لما قبل ثورته. وكما تعز المنفجرة في وجه الشمال تنفجر حضرموت في الجنوب لتعلن النوايا المبطنة طويلاً في الانفصال بإقليم حضرموت بعيداً عن اليمن بشماله وجنوبه، ها هي الألغام تنفجر في وجهنا اضافة لتلك التي انفجرت في المرحلة السابقة ولم يعد أمامنا غير التعامل مع كل هذه التحديات والاعتراف بأحقية الجميع في الوجود طالما التزم بالعمل السياسي السلمي سبيلاً وعلينا احترام تطلعات الجميع وتفهم آلامه وخيباته.

إذن اهم ما يجب القيام به حالياً هو الحفاظ على منجزاتنا من ثورتين سابقيتين ووحدة وثورة حالية تريد تثيبت هؤلاء كلهم بدفع البلاد إلى الإمام، فالحفاظ على الموجود يبدأ من خلال التقدم للإمام وهذا لا يتأتي إلا بتفكيك مطالب الثورة بعيداً قليلاً عن مطلب اسقاط النظام الذي بدوره انقسم بين مؤيد للثورة ومعارض ليختلط الحابل بالنابل ويضعف كثيراً من الثورة التي صارت اسيرة لصراعات السلطة. فلنحاول الاقتراب اكثر مما يجول بخاطر الناس سواء عن طريق ما كانت تعبر عنه شعارات الثورة أو ما يتردد في مجالس الناس وعلى ألسنتهم. يمكننا استنتاج إن هناك استياء كبيرا من عدة امور يأتي على رأسها غياب الدولة وبالتالي ضعف هيبة العدالة وانعدام القانون ويأتي مع السخط من غياب الدولة الغضب الشعبي العارم من الفساد وهو عملياً نتيجة للأولى ويحمله الناس مسؤولية الفقر والاوضاع الاقتصادية المتردية ولم يخطئوا في تقديرهم ويأتي ثالثاُ وبنفس الدرجة العالية من الغضب مسألة تلاعب الدولة بالصراعات الداخلية وعلى رأسها الحراك الجنوبي والحوثيين واتهامها بإثارة الفتن، يأتي بدرجة اقل من السخط قضايا مثل التوريث الذي داسته الثورة بأقدامها وقضية التهاون بالسيادة اليمنية سواء مع أمريكا في الحرب على الارهاب أو الصفقة المشبوهة التي تمت في تسوية قضايا الحدود مع الدول المجاورة وهذا كله نتاج كوننا دولة ضعيفة وعلينا ببدء ترميم البيت الداخلي والاهتمام ببناء دولتنا.

لا شيء يميز الدولة عن أي تكوين سياسي أو اجتماعي مثل الجيش، الجيش اليمني منقسم بين علي محسن واحمد علي اضافة لتركيبته القيادية المناطقية والقبلية يشكل تحديا خطيرا في المرحلة القادمة. فصيل الجيش الخاص بأحمد علي وأبناء عمومته يمسك بملف مكافحة الإرهاب وهو أمر غاية في الأهمية لأنه التزام دولي لليمن امام العالم لا يمكننا التملص منه، كما إنه ضروري للحفاظ على الأمن الداخلي ولا يبدو حتى آلان وجود بدائل عنهم، وفي المقابل فصيل علي محسن بشعبيته وسط التيارات الإسلامية ويحمل معه ملف الحوثيين. الطرفان لا ينويان الرحيل فالطرف الاول لا يعترف بوجود ثورة ويجاهر بعدم رغبته في الرحيل والطرف الثاني يجند حالياً الآلاف الشباب من جامعة الإيمان والساحة وغيرهم مما يعني إنه أيضاً ليس في نيته الرحيل قريباً، وبما أن كليها يشترط رحيل الآخر ليرحل وهو شرط تعجيزي، فهذا يعني إن سيناريو انقسام الجيش مستمر. هناك سيناريو محتمل وهو سيناريو الاقتتال فيما بينهما الذي ارتفعت احتمالية وقوعه بشدة بعد رحيل الرئيس للسعودية مما قد يعني انهاكهما دون نجاح أحد او انتصار طرف والقضاء على الآخر وهذا يعيدنا أيضاً لذات المشكلة وهو أن تركيبة الجيش اليمني لا تساعد على بناء دولة حديثة ولا يوطد دعائم الوحدة ويقف عائقاً امام تحقيق اهداف الثورة، إذن لا مناص من اصلاح الجيش والحديث عن كيفية اصلاح هذا العصب الحساس والمهم لدولتنا.

لا يمكننا تسريح الجيش وضباطه الكبار بهذه البساطة ورأينا من قبل معالجة بهذا الشكل كيف خلقت كارثة حقيقية للعراق خاصة إننا نتعامل مع جيش ضخم العدد والعتاد لذا تسريح عدد كبير من الجنود يعني تفجير لغم سوف يذهب بالبلاد لدائرة جهنمية ، أما ابقاؤهم مع تسريح ضباط كبار في ظل غياب تقاليد مؤسسية عريقة في الجيش يعني استمرار جيوبهم وهم جنودهم الصغار في العمل بالظلام لتنفيذ أوامر ضباطهم. إذن عملية التخلص من الجيش هكذا ببساطة غير ممكنة ويجب الاصلاح بشكل مستمر في هذه المؤسسة المهمة من خلال عدة أمور، الجيش اليمني مؤسسة فاسدة وبإمتياز فما يقارب من نسبة 70% من الفساد في الدولة اليمنية يحدث من قبل المؤسسة العسكرية سواء من خلال صفقات الاسلحة او استيلائهم على امتيازات نفطية وتورطهم في قضايا تهريب الديزل هذا غير تجاوزات المؤسسة الاقتصادية العسكرية ، لذا يمكن خلق قوة ثالثة في الجيش ليست عسكرية لأنه لا ينقصه انقسام بل قوة مراقبة مالية وإدارية تستطيع تحجيم قدرة كبار ضباط الجيش في الصرف والانفاق وبالتالي تضعف قوتهم وتجعلها خاضعة للمؤسسة العسكرية وليس لرغباتهم الشخصية وكذلك تراقب صفقات الأسلحة وتراقب عملية التعيين والترقية التي يبدو واضحاً إنها تسير حسب التقارب المناطقي والقبلي والمحسوبية لتحد منها وتدخل دما جديدا للجيش في ضباطه الكبار وجنوده بحيث يكونوا منتمين للمناطق والقبائل اليمنية المختلفة. ويمكن لليمن أن تستفيد من الخبرات التاريخية لبعض الدول في هذه المسألة مثل مصر التي قامت بالتدريج منذ بداية القرن العشرين بعملية اصلاح الجيش ضمن النظام الملكي لأسرة محمد علي لكسر شوكة الضباط الاجانب من شركس وألبان وادخال العنصر الوطني من ضباط الجيش المصري.

نستطيع أن نقدم حلولاً كثيرة لو اخرجنا أنفسنا من أسر الشخصنة فالمشكلة ليست في علي عبدالله صالح حتى يبدو الحل في علي محسن وليست في شخص احمد علي حتى يكون الحل في حميد الأحمر بل المشكلة في السياقات. والفساد ليس المسؤول عنه افراد بل المسؤول عنه السياق الذي بتغييره يتحجم دور الفاسدين وربما يقضي على وجودهم، لذا تستطيع الثورة الخروج من فكرة اسقاط النظام والتي تعني فعلياً اسقاط سين أو عين من البشر بإيجاد نظام بديل بشكل تدريجي حتى لا تحل الفوضى، فإسقاط دولة دون بديل مثلما حدث في العراق ادخل البلاد في دائرة مفزعة والعالم يقف عاجزاً أمامنا ليس لأنه يكره ثورتنا بل لأنه يجد امامه اطرافا عاجزة وهو في النهاية لا يريد اكثر من استقرار اليمن سواء كانت هذه الدول السعودية أو الولايات المتحدة. هكذا يمكننا معالجة مشكلة الفساد ليس بانتزاع الفاسدين بالضرورة إذا تعذر انتزاعهم لكن بإتخاذ اجراءات تعزز اولاً من هيبة الدولة ووجودها وهذا بإصلاح وضع الجيش وثانياً من خلال تطبيق إصلاحات إدارية وقضائية تساعد على الشفافية وضمان محاكمة عادلة للمفسد.

يجب أن نتحرك ضمن عدة مسارات فهناك اضافة للمسار العسكري المتعلق بإصلاح الجيش يوجد بالتأكيد مسار سياسي مهم وهو الحوار الوطني الذي يجب أن تحدد أطره ومساراته وجدوله الزمني واطرافه ويتم بشفافية عالية يضمنها الحضور الإعلامي وربما وجود وسطاء محايدون ولابأس من الاستعانة بدولة لها قبول من الاطراف المختلفة وتحظي بتقدير شعبي وتطمح لدور إقليمي مثل تركيا – إذا أمكن – لحضور هذا الحوار ورعايته وهذا الحوار يدور حول المشاريع المطروحة من نظام برلماني وكيفية تطبيقه وتفاصيله ونظام فيدرالي مطروح من تيارات كثيرة. مؤخراً صارت الفيدرالية مطروحة بذات الطريقة التي طرحت فيها فكرة الوحدة الاندماجية من قبل باعتباره حلا ملهما وعبقريا دون مناقشة تفاصيله وإمكانية تطبيقه على أرض الواقع ودون اعتبار للعامل الزمني وضرورة التدرج. ففي ظل دولة مؤسساتها غير مكتملة وتعتمد إقتصادياً على ثلاث محافظات فقط، لا ادري لأي حد يبدو هذا الخيار قابلاً للتطبيق، وهناك نماذج مختلفة للفيدرالية وتجارب منها ما فشل مثل السودان وبعضها تعثر مثل العراق واخرى نجحت مثل ألمانيا وأمريكا لذا الامر يتطلب دراسة الواقع والنماذج المختلفة واسباب نجاح وفشل التجارب السابقة. يمكن للفدرالية التطبيق بالتدريج والبدء بحكم محلي واسع الصلاحيات موجود دستورياً ولا ينقص سوى تفعليه ويمكن التطوير من خلاله مبدئياً ومناقشة الاطروحات المختلفة. بالتأكيد يظل ضمن هذا المسار بعض المسائل المتعلقة بالقضية الجنوبية مثل نهب الاراضي والمتقاعدين وغيرها وقضايا متعلقة بحرب صعده مثل الثارات بين القبائل والمدارس الدينية. ويظل بالطبع المدخل العام لمعالجة القضية اليمنية هو التمثيل السياسي الواسع لجميع اطياف المجتمع اليمني وتخفيف مركزية الحكم وكل شيء بعد ذلك يمكن معالجته بدراسة الاوضاع الحالية وإمكانية تطبيق خياراتنا المختلفة على أرض الواقع وبالحوار الجاد للجميع.

بموازاة المسارين العسكري والسياسي يوجد مسار لا يقل أهمية عنهما وهو المسار الاقتصادي خاصة إذا علمنا إن اليمن سوف تصبح دولة مستوردة للنفط بحلول عام 2017م والنفط يساهم ب70% من دخل البلاد الريعية، وهذا سيفرض علينا التفكير بحلول جديدة وخلاقة وهذا ليس بصعب من خلال التخفيف من مركزية المشاريع الاقتصادية في صنعاء وخلق بيئة صديقة للعمل الاقتصادي الانتاجي من زراعة وصناعة والاستفادة من الشريط الساحلي الطويل بموانئه وثرواته السمكية مما قد يخلق طبيعة جديدة للروابط الاجتماعية التي تزيد من الشعور بالمواطنة والتخفيف من حدة العصبيات القبلية والمناطقية، هذا كله ممكن لو توفرت الإرادة السياسية لهذا كله.

الثورة عمل نضالي مستمر لا يخل بها المسار السياسي الممتد لأهدافها، وكما كانت الثورة انفجارا محمودا يجنب اليمن ويلات حروب وثورات جياع، كذلك توازن القوى في اليمن ظاهره محمودة لأنه يفرض على الجميع الحوار ووضع الآخرين في عين الاعتبار والقبول بهم شركاء سياسيين، لكن هذا الجمود الذي لا سبب له سوى العناد واستمرار سيطرة منطق الغلبة والحسم والاستحواذ على فكرنا السياسي مع طبيعتنا الميالة لسياسات ردود الفعل والنقد دون تقديم بدائل وليس السياسة المخططة المدروسة بالعواقب والنتائج. هذا كله قد يحول هذه الثورة وهذا التوازن لانفجار مخيف يودي بالبلاد للتمزق والحرب، لذا لابأس من فصل المسارين الثوري والسياسي ولنخرج من المأزق الحالي بأبسط المتطلبات وهو انقاذ الدولة وتسيير شؤونها الاعتيادية سواء كان بنائب رئيس أو مجلس رئاسي تشكله الاطراف السياسية الجاهزة من احزاب موجودة من حزب مؤتمر واحزاب معارضة حتى تبدأ الثورة بتكوين قوى سياسية جديدة وأثناء ذلك لا يتوقف مسار اجراءات اصلاح الجيش كأرضية اساسية للدولة اليمنية الجديدة ،خاصة وإن الذهاب لصناديق الاقتراع بجيش منقسم جربنا كلفة عواقبه بداية الوحدة وكذلك حتى يتمم الحوار الوطني جولاته وبنتائجه يعدل الدستور وتبنى الحياة السياسية اليمنية الجديدة بالمشاركة السياسية دون غلبه أو حسم.