خطورة التوريث السياسي بالوطن العربي

  المحامي فيصل البطاينة

بداية الدول العربية التي تحتفل جميعها بأعياد الاستقلال وبصرف النظر عن عمق الاستقلال وتوافقه مع الارتباط بالاستعمار الذي رزحت تحت نيره الأرض العربية منذ التغلغل الشعوبي في الدولة العباسية، هذه الدول التي صنعت حدودها الدول الكبرى منذ نهاية الحرب الأولى وجسدتها بوضوح بعد الحرب العالمية الثانية اتبعت أنظمة سياسية إما جمهورية وإما ملكية وإما مشيخات وإمارات.

أما الأنظمة الملكية فكانت في اليمن والعراق والسعودية والأردن ومصر وليبيا والمغرب ثم حصلت انقلابات في معضمها وخرجت من النظام الملكي إلى ما يسمى بالجمهوري وهذه الدول كانت مصر والعراق واليمن وليبيا حيث انضمت إلى الجمهوريات سوريا ولبنان وتونس والجزائر وموريتانيا أما المشيخات والإمارات وبقية التسميات قد أصبحت منها مملكتان هما سلطنة عمان ومملكة البحرين وبقيتها دول نظام كل منهما وراثي كالكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر وجميع هذه الدول التي ذكرتها اعتمدت النظام البرلماني.

أما ما نشهده هذه الأيام من ربيع عربي فلا شك أنه كان عبارة عن هزات ارتدادية للأنظمة الملكية التي تحولت إلى جملكية أو الإماراتية التي تحولت إلى ملكية وكان التأثير ظاهراً في الملكيات التي تحولت إلى جمهوريات أكثر من الأخرى مثلما كانت هزات ارتدادية للنظم الجمهورية التي أصبحت جمهورية بالاسم وملكية بالمضمون وولد نظام رابع بالوطن العربي اسمه (الجملكية العربية) وهذا ما ينطبق بوضوح على سوريا منذ سنة 1970 وحين تسلم الرئيس حافظ الأسد الرئاسة وبقي جالساً على كرسيه ثلاثين عاماً ونيف كان خلالها يعمل من أجل توريث ابنه باسل الذي توفي قبل والده حيث أعد الوالد ابنه الآخر بشار لوراثة الحكم من بعده الذي تسلم كرسي والده منذ سنة 2000 ويبدو أن هذه التجربة أعجبت حسني مبارك ودغدغت عواطفه فلم يعين نائباً له طيلة ثلاثين عاماً كان خلالها يعد ابنه جمال لتوريثه الرئاسة في مصر وكلا الرئيسين الأسد ومبارك كان يعلق وراثة الابن على شماعة الحزب الحاكم اسماً سواء كان اسمه حزب البعث أو الحزب الوطني.

أما العراق وبعد ثورة 14 تموز سنة 1958 فقد توالت عليها الانقلابات أيام عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف وأحمد حسن البكر وصدام حسين الذي استمر أكثر من ثلاثين عاما بين نائب رئيس ورئيس فعلي كان خلالها يعد العدة لتوريث أحد نجليه إلى أن احتل العراق وحل جيشه وأحكم الاستعمار قبضته الحديدية عليه ليعمل على تقسيمه إلى دويلات طائفية وكردية بالمستقبل وكذلك اليمن بعد سقوط الإمام فقد توالت فيه الانقلابات والانقسامات إلى أن تسلم الحكم علي عبد الله صالح والذي حذا حذو الملكيات القديمة في التاريخ وبدأ يعد ابنه وإخوانه لتوريثهم الجملكية اليمنية منذ أكثر من عشرين عاماً وهذا ما حدث في ليبيا حيث انقلب النظام الملكي الليبي إلى جملكية استمر بها معمر القذافي منذ سنة 1969 ولا يزال وإلى جانبه أولياء عهده بالجملكية الليبية سيفا الإسلام والعرب أما الجمهورية التونسية التي لم يغادر الحبيب بو رقيبه كرسي الرئاسة بها إلا عند موته حيث تسلم من بعده زين العابدين بن علي عشرات السنين لم يغادر موقعه هو الآخر إلا عندما ثار عليه الشعب التونسي وركبت أمريكا موجة تلك الثورة وكذلك الجزائر ومنذ تسلم بو تفليقه بدأ محاولته بالاستمرار في الحكم كرئيس لدورات لن تنتهي بحياته حسب المنظور.

وعودة إلى موضوع العنوان لا بد من الإشارة إلى ما يلي:

أولاً: النظام الجمهوري لا يجوز أن يستمر به الرئيس أكثر من دورتين حسب ما هو متبع في أقدم الجمهوريات المعاصرة كالولايات المتحدة التي حاول روزفلت أن يجعل من رئاسته خلالها أربع دورات حيث توفي بالرابعة فأصبح لزاماً على الأمريكيين أن يدستروا الموضوع وأصبح قانوناً لديهم منذ سنة 1951 بعدم جواز استمرار الرئيس أكثر من فترتين لرئاسة الجمهورية وبدأ تطبيق ذلك منذ عهد أيزنهاور ولم يطبق هذا الموضوع في الوطن العربي إلا في الجمهورية اللبنانية.

ثانياً: لا توجد دعامة حقيقية لاستمرار أي نظام حكم في الوطن العربي سواء كان جمهورياً أم ملكياً أو جملكياً إلا بولاء الشعب الحقيقي لرأس النظام ذاك الولاء غير المزيف وغير المبني على المصالح الشخصية والانتهازية والوصولية ولا توجد حماية حقيقية لأي نظام إلا من قبل شعبه والحماية الأجنبية طلقة مرتدة على أي نظام يؤمن بها.

ثالثاً: استمرارية أي نظام لا تتأتى إلا بوجود بطانة أمينة صالحة للحاكم همها الأول والأخير الإخلاص للدولة بأركانها الثلاث ( الأرض والشعب والسلطة السياسية) مع ملاحظة أن كثيرا من الأنظمة لم تسقط بسبب مباشر من رئيس السلطة السياسية وإنما بسبب غير مباشر كسوء اختياره لبطانته أو لعدم اعتماده على شعبه أولاً وأخيراً .

وأي حاكم من الحكام يكون قد جنى على نفسه إن اعتقد أن حمايته تتحقق من خارج حدود الوطن خاصة في هذه الأيام ونحن نعيشها بأيام القطب الواحد الذي يؤمن بمصالحه لا بصداقاته مع أي دولة باستثناء علاقته مع الكيان الصهيوني.

ويكفينا أن نعلم ونرى تآمر الأمريكان على الحكام الذين ساعدوهم للوصول إلى كراسي الحكم وخدموا المصالح الأمريكية بإخلاص وتفان فهؤلاء لم ينفعهم إخلاصهم عندما ركب الأمريكان موجة ما سمي بالربيع العربي وأصبحوا هم أول من يتباكى على مصير الشعوب في تونس ومصر وليبيا وسوريا.

حمى الله الأردن والأردنيين شعباً طيباً مؤمناً بقيادته التي تدعو لها أئمة المساجد صباح مساء بأن يرزقها المولى بطانة صالحة وإن غداً لناظره قريب.