تكاثر المجالس وتناسخ الاخطاء

  ميساء شجاع الدين

لا يتفق اي شعب على اسم شخص واحد ناهيك عن قائمة تزيد عن 140 شخصاً، لكن ما الذي يجعل الشعوب في الدول الديمقراطية تلتف حول الرئيس الفائر في أي انتخابات دون غضاضه حول كونه هذا الشخص هو الذي انتخبوه أم لا؟ هنا يأتي الفارق، فهو ليس في الاجماع المستحيل بل في وجود اطار ومنظومة اختيار واضحة تعطي الشرعية للشخص الذي يتم اختياره وليس شعبية هذا الشخص أو ذاك الشخص.

لم تكن مشكلة المجلس الانتقالي ومن بعده المجلس الوطني تكمن في الأسماء بقدر ما هي تقع في آلية الاختيار الغير شفافة والغير معروفة لأحد والتي تخلو من أي تنسيق أو تشاور. فآلية الاختيار هي التي تضمن نزاهة العملية وتعطيها مصداقية، كما تؤسس لنمط الحكم الرشيد لتتخلى عن اسلوب الديكتاتوريات المعتاد من تعيين اشخاص دون التشاور معهم وبرغبات شخصية – حتى لو تعددت- لكنها تظل غيرمؤسسية مما لا يحفظ الاستمرارية.

المجلس الوطني ليس اول تحالف سياسي تشهده اليمن، لعل اشهرها المؤتمر الشعبي العام الذي اقامه الرئيس بداية عهده، لكن بالتأكيد يأتي المجلس في الظرف الاكثر خطورة، فبعد ما اتسعت الساحة بين احزاب معارضة وساحات ثورية وحراك جنوبي وحوثيين. كما توجد تحالفات اهمها احزاب اللقاء المشترك و تحالفات داخل الحراك وتحالفات تربط بين الحوثيين واليساريين أو الحراك. لذا لم تكن وظيفة المجلس الوطني هو اقامة اضافة افقية على هذه التحالفات بخلق تحالف جديد بجانب هذه التحالفات، بل مظلة تضم كل هذه التحالفات وتبني عليها ليصبح اضافة رأسية ترتفع بنا ولا نستمر في التمدد شرقاً وغرباً دون صعود.

فإذا كان الحوثيين والحراك ينسحبون من المجلس وبعض التحالفات الثورية والشباب المستقل يتحفظون، فماذا اضاف هذا المجلس لاحزاب اللقاء اللمشترك غير انه اعاد تكريسه مع بعض الاضافات لتؤكد شرعيتها في الحديث بإسم الثورة باعتبارها تمثل جميع اطياف الثورة اليمنية، وهذا غير صحيح فمن ينكر وجود الحوثيين والحراك داخل الثورة؟ ومن يستطيع أن يقلل من دورالشباب في الثورة وهم الفئة الاقل تمثيلاً في المجلس؟ فالثورة التي قامت على اكتاف فئة عمرية لا تتجاوز الاربعين او ربما الخامسة والثلاثين تمثلها مجلس وطني فئته العمرية في اغلبيتها الساحقة يزيدوا عن الخامسة والاربعين بل والخمسين، ناهيك عن التمثيل الملحوظ لمن تجاوزوا السبعين.

اليمن حالياً تشهد انتقالة محورية تتطلب آليات جديدة للعمل السياسي وعقليات شابه تستطيع التعامل مع هذه الآليات، فبغض النظر عن التاريخ السياسي لهذه الفئة الستينيه والسبعينية وهو محترم ووطني في بعض الاحيان وضرورة وجودهم كفئة خبيرة واستشارية، لكن لا يعني هذا أن تكون ممثلة بهذا الحجم الاعتباري بل المفروض أن يتاح للوجوه الجديدة التي تستطيع التعامل بمرونه اكبر مع المرحلة القادمة ومتطلباتها المختلفة جذرياً.

ليس هذا فقط بل اكثر ما يثير الشكوك هو هذا التواجد القبلي المكثف بل إن اسرة مثلت بثلاث اشخاص، وكذلك وجود شخصيات عسكرية في وقت هيكلة الجيش وفكرة تحييده عن الحياة السياسية اليمنية تبدو ملحة ومصيرية، ولا يوجد تفسير حتى آلان ما طبيعة الدور المنوط لهذه الشخصيات العسكرية. التحفظات على الاختيار كثيرة، حول كفاءة بعض الشخصيات، اعمارهم، خلفياتهم السياسية، خلفياتهم القبيلة والعائلية، كل هذا فتح باب للغمز واللمز حول المحاباة، والمحاباة لا تأتي إلا إذا غابت الشفافية بسبب عدم وجود معايير واضحة للإختيار وآلية نزيهة.

كان بإمكان احزاب اللقاء المشترك تفادي كل هذا الجدل بالتنسيق العلني مع القوى الأخرى حول نسب التمثيل والطلب منها بتقديم شخصياتها الممثلة، مما كان سوف يخفف من حجم النقد على احزاب اللقاء المشترك ويشترك الآخرين معها في مسؤوليتهم تجاه المجلس ليكون لبنة العمل السياسي المشترك، لكن صيغة التعيين والتكليف وليس الاستشاره لازلت تسيطر على النخبة السياسية التي لايزال جزء كبير منها لايدرك حجم التغير في الوعي الجماهيري التي لم تعد تؤمن بالرمز البطل ولا تنتظره بل تراه ديكتاتوراً مستتراً، ولم تعد دعاوى مثل شق الصف أوالاجماع الوطني مقنعه لأي حد، بل صارت طبيعة الحياة السياسية هو الكيانات الصغيرة مما يفرض فكرة التشاور كشرط اساسي في حالة سعينا للحصول على مظلة وطنية جامعة للكل.

حجم الانسحابات وغياب التنسيق وعدم وجود معايير واضحة للاختيار والغياب الكلي للشفافية اسباب كافية للتحفظ على المجلس وعدم رشق المتحفظين بتهم عديدة، فهذه التهم حتى لو كانت لها وجاهتها لكنها بالتأكيد تكشف مشكلة العمل بالظلام في الحياة السياسية اليمنية، مما يسهل الطعن في العمل حتى لو صدقت نوايا القائمين وساءت نوايا المنتقدين، حيث تظل الشفافية والعلانية هي من تكشف حسن النوايا وتفوت الفرصة على سيئي النية. فبغض النظر عن رأي اي شخص في الحوثيين أو الحراك فلايجوز وصف خروجهم للمجلس بإنه افضل للثورة بسبب مطالبهم “الانفصالية أو الإمامية” ، فهذه اقصائية شرسه. هذه حركات لها تواجد شعبي حقيقي وليست وهمية ولا تمثل مجرد اشخاص بل تمثل جماهير ومهما كان اختلافنا معها أو مع أي فصيل سياسي لا يجيز لنا اقصائه من دائرة التمثيل، فهذا يعني اقصاء لجماهير هي جزء من الشعب اليمني.

المجلس الوطني كان مطلب شعبي واستحقاق سياسي وكانت احزاب اللقاء المشترك هي الأقدر على تلبية هذا المطلب وتنفيذ هذا الاستحقاق، ولبت احزاب اللقاء المشترك هذا المطلب الشعبي لكن التنفيذ الخاطيء اعاد الجدل حول مدى جاهزية هذه الاحزاب على تنفيذ الاستحقاقات السياسية المطلوبة منها بالمرحلة القادمة، وكونه مطلب شعبي ليس كافياً لاضفاء شرعية له، والصمت أمام الاختيار الذي جرى بآلية غير ديمقراطية لقوى تطالب بالديمقراطية وهذا التشكيل الذي يصعب وصفه بالمدني مع وجود مكثف للشخصيات القبلية على حساب المدنية وتواجد مريب للعسكر في ثورة تدعولدولة مدنية. هذا كله انعكس سلباً على الجمهور العام واثار بلبلة كنا في غنى عنها، كما ظلت القوى الغير ممثلة كبيرة بالفعل، مما فتح باباً واسعاً للغط يصعب من قدرة المجلس على تنفيذ مهامه، حيث ستكون قرارته وتحركاته ليست ذات طابع شعبي بشرعية ثورية وتوافقة سياسية بل محل شك واعتراض دائم، ولا يمكن تجاوز هذا إلا بإعادة النظر في تشكيلة المجلس من خلال تصحيحها أو اعادة تشكيلها من جديد.