البعد الاجتماعي لثورة 14 أكتوبر المجيدة

  محمد غالب أحمد

قبل قيام ثورة 14 أكتوبر المجيدة كان الاستعمار قد عبث بالتركيبة الاجتماعية للجنوب وأدخله في صراعات قبلية دامية ومزقه إلى أشلاء والى مربعات تتكون بعضها من عدة كيلومترات واسماها إمارات ومشيخات وسلطنات.

وبعد فترة من احتلال الجنوب ظلت عدن ومحميات الجنوب تحكم وتتبع شركة الهند الشرقية , وبعد قيام الاستعمار بتوقيع معاهدات مع رؤوس المناطق القبلية واستمرار هذا الوضع لسنين طويلة انشأ كياناً مسخاً أسماه اتحاد الجنوب العربي تكون من سلطنات وإمارات ومشيخات ما كان يسمى بمحميات عدن الغربية وذلك بتاريخ 11 فبراير 1959م، وصنع لهذا المسمى حكومة الاتحاد الفيدرالي, لكن هناك مناطق رئيسية في الجنوب ظلت بعيدة عن هذا الكيان الكرتوني فعدن ظلت تسمى مستعمرة عدن لها مجلسها التشريعي وحكومتها الخاصة بها, وفيما كان يسمى بمحمية عدن الشرقية كانت هناك سلطنة القعيطي وسلطنة الكثيري وسلطنة المهرة وكل سلطنه لها حكومتها وجيشها وعلمها وجوازها الخاص بها ( أمثله عن الحدود بين القعيطي والكثيري): برغم النظام الإداري والمالي والمدني والمستوى الثقافي والتعليمي في سلطنتي حضرموت إلا أنني أورد هنا مثلا واحداً بقدر ما هو مستغرب فإنه يؤكد مرارة القطيعة التي خلقها الاستعمار بين أبناء حضرموت فمدينة تريم العلمية التاريخية كانت مقسمة بين السلطنتين الى حد أن شجرة النخيل الكائنة في منزل يتبع أحد السلطنتين إذا تدلى منها سعف محمل بالبلح خارج سور المنزل إلى أجواء قسم السلطنة الأخرى فلا بد أن يدفع صاحب الشجرة ضريبة مالية. وهناك منطقة الحزم قرب حوطة أحمد بن زين نقطة حدود السلطنتين فإذا مرت قافلة جمال وتعثر أحدها وانزلقت احد سيقانه سنتيمترات معدودة في الحدود الأخرى فلابد أيضاً من دفع ضريبة , أما في رمضان والأعياد فكل قسم من تريم يلتزم بقرار السلطنة التي يتبعها في أذان الصلاة و الصيام والإفطار والعيد)، كما أن كافة مناطق يافع العليا لم تنضم إلى ذلك الاتحاد المزيف ولم تدخلها قوات بريطانيا مباشرة وإنما عن طريق الفتن والثأرات، وقد قال شاعرها المعروف شايف الخالدي (لا محمية كنا مع بريطانيا * ولا أعترفنا في حكومة اتحاد).

– وكان مواطنو المشيخات والإمارات الأخرى يعيشون في عزلة عن بعضهم البعض وفي حروب بينهم وداخل كل قبيلة وفخذ من فخوذ القبيلة . وما يحسب لثورة أكتوبر منذ انطلاقها أن من هيأوا لها وشاركوا فيها قد جاءوا من مختلف المناطق متجاوزين الحروب القبلية والثأرات بين القبائل التي ينتمون إليها.. وبهذا فقد كونوا نواة النسيج الاجتماعي الجديد للجنوب في إطار الثورة بفصائلها الرئيسية الجبهة القومية وجبهة التحرير , ومع انخراط المناضلين من شمال اليمن في خضم الكفاح المسلح لتحرير الجنوب تمكنت ثورة أكتوبر من توسيع إطار هذا النسيج الاجتماعي ليشمل اليمن كله.

– ويمكننا بعد هذه الاطلالة المتواضعة أن نضع ابرز العناوين للبعد الاجتماعي لثورة 14 أكتوبر المجيدة:
– إن التحرر من الاستعمار وانتزاع الاستقلال الناجز دون أية شروط أو معاهدات تمس السيادة بقدر ما يعتبر انتصاراُ سياسياً فله أبعاده الاجتماعية في استعادة حرية الإنسان اليمني وكرامته وسيادته على أرضه.

– لقد انتهت الفوارق الطبقية وأصبح الناس مواطنين في درجة واحدة وشاركت مختلف فئات الشعب في هيئة السلطة من القرية إلى هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى ومنحت الحقوق المتساوية في الحياة لأبناء الشعب.
– منح المرأة حقوقها في التعليم والعمل وتحصينها من أساليب القهر والقمع التي مورست عليها في السابق وصدر قانون للاسرة الذي منع الزواج بأكثر من واحدة وقد تبوأت المرأة منصب المديرة والطبيبة والقاضية والوزيرة والبرلمانية وعضوة هيئة الرئاسة .

– منح الطفل كافة الحقوق في الرعاية والامومة منذ الصغر وانتشرت روضات الأطفال لتربيتهم ولخدمة الأمهات العاملات، كما عقد المواطنون مؤتمراتهم الخاصة كل في منطقته لتحديد مهور الزواج والتي كانت محل التزام الجميع تأكيداً على أن المرأة أسمى وأرفع من أن يتم التعامل معها كسلعة للبيع والشراء.

– تم تطبيق العلاج المجاني لكل المواطنين في الداخل إضافة الى العلاج على نفقة الدولة في الخارج بينما كانت الخدمات الصحية قبل الاستقلال متوفرة في عدن ومدن حضرموت وعدا ذلك وجود وحدات صحية للإسعافات الاولية في عواصم كل أمارة ومشيخة.

– لأول مرة تمكنت فئات واسعة من المواطنين المعدمين والمحرومين من تملك الأراضي حيث كانوا أشبه بمستعبدين.

– وعلى الرغم من الأخطاء التي رافقت الانتفاضات الفلاحية إلا أن عشرات الآلاف من الأسر أعيدت لها كرامتها وإنسانيتها المسلوبة ووجد أبناؤهم وبناتهم طريقهم إلى المدارس والمستشفيات للعلاج كما تم انشاء التعاونيات الزراعية والسمكية بكافة خدماتها .

– لقد تحقق مبدأ مجانية وإلزامية التعليم للجنسين من الروضة إلى الجامعة والى الدراسات العليا في الخارج، كما تم إرسال بعثات تعليمية مجانية إلى عدد من دول المهجر في آسيا وأفريقيا وبريطانيا وباستثناء مدن عدن وحضرموت لم تكن هناك سوى ثلاث مدارس متوسطة في كل إمارات ذلك الاتحاد تقع في زنجبار وجعار ولحج وكذلك كلية حكومية واحدة في عدن وثانوية واحدة في مدينة الاتحاد سابقاً والشعب حالياً لكل طلاب تلك الإمارات .

– بدأ العمل منذ ما بعد الاستقلال في محو الامية للكبار من الجنسين حتى صارت اليمن الديمقراطية تأتي بعد كوبا من دول العالم الثالث في ترتيب الدول التي تخلصت من لأمية.

– لقد أقيمت تجربة نموذجية بالتعامل مع البدو الرحل بفتح مدارس عديدة لأبنائهم من الابتدائية الى الثانوية وتم ابتعاث المئات منهم للدراسة في الخارج وأصبح عدد منهم قادة تربويين وسياسيين واجتماعيين وعسكريين , كما تم إقناع الآباء بالتخلي عن السلاح الثقيل طوعاً مقابل تعويضهم عنه بمضخات وجرارات زراعية.

– لقد تم توحيد ما كانت تسمى بالسلطنات والمشيخات والإمارات وانتهت الحدود المصطنعة التي كان الناس يتقاتلون فيما بينهم دفاعاً عنها من خلال دمج المناطق المتجاورة والمتحاربة في إطار مديرية أو محافظة واحدة وتم تسمية المحافظات الست بعد الاستقلال بالأرقام من واحد الى ستة وكذا المديريات في كل محافظة سميت حسب وضعها الجغرافي , الجنوبية , الشمالية , الشرقية , الغربية , حتى استقرت الأمور نهاية السبعينيات فأعيد تسمية المحافظات بالأسماء عدن – لحج – أبين – شبوة – حضرموت – المهرة .

– مجانية السكن: لقد تم تسكين المواطنين المحرومين من السكن في البيوت التي خضعت لقانون التأميم وبالرغم من الأخطاء التي مست عدداً من التجار والملاك إلا انه قد تم تعويضهم لاحقاً، ولكن ما يهم في الأمر هو أن المواطنين المستحقين هم الذين سكنوا في تلك المنازل , كما تم بناء عشرات الأحياء السكنية لذوي الدخل المحدود على حساب الدولة أو من قبل دول شقيقة مثل الكويت – الإمارات – ليبيا سكنها أبناء الشعب وأضحت ملكاً لهم مقابل ثمن رمزي يدفع بالإقساط .

– إنهاء آفة الثأر : قامت حكومة الثورة ودولة الاستقلال الوليدة بتأييد من المواطنين بإنهاء حالات الثأر الدامية والاليمة وعقد المواطنون المؤتمرات في كل مديرية ومحافظة إلى أن تم إقرار الصلح العام عام 1970م حيث انتهت الحروب القبلية والثأرات، أما في مناطق يافع العليا فقد تم إقرار الصلح العام وإنهاء الثارات قبيل الاستقلال بأشهر بواسطة جمعية الإصلاح اليافعية أحد مكونات الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل إلى أن أعيدت الثارات والحروب القبلية بعد حرب 94م في يافع وعموم الجنوب. وقد اطلعنا على توجيهين من احد المسؤولين العسكريين بعد حرب 94م بشأن تأجيج وتعميق الحرب بين قبيلتين في مديرية الحد بيافع، التوجيه الأول يقول:
(اصرفوا 5000 طلقة رصاص حمرا لقبيلة آل داوود)، والثاني يقول (اصرفوا 5000 طلقة رصاص سودا لقبيلة الرذاما أسوة بغرمائهم).

– ومثلما حظيت ثورة 14 أكتوبر بدعم أبناء اليمن المغتربين في الخارج من الجنوب والشمال فإن الثورة ظلت تتعامل منذ انطلاقها معهم في إطار هيئات وجمعيات موحدة ولم يحصل أن تم التعامل مع أي جالية أو إتحاد أو جمعيه ذات طابع شطري بل كمكونات اجتماعية موحدة.

– لقد كان الاستعمار يتعامل مع أبناء الجنوب والشمال في مستعمرة عدن كأجانب كما فرض على أبناء كل سلطنة وإمارة ومشيخة اعتماد الانتماء للحدود القبلية والجغرافية لكل منطقة كهوية منعزلة ليس لها أي ارتباط ببقية سكان المناطق الأخرى إضافة إلى تنوع جوازات السفر التي تعني تعدد جنسيات المواطنين مثل جواز محمية عدن الغربية وجواز السلطنة القعيطية وجواز السلطنة الكثيرية وجواز سلطنة المهرة. وأمام هذا التمزق الاجتماعي جاء أول دستور لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية لينص على (أن اليمني هو من ولد في اليمن الطبيعية).

•كان هناك في عدد من مناطق الجنوب قبل ثورة أكتوبر وقبل الاستقلال فئات العبيد كانوا يسمون عبيد فلان وعبيد علان وتم إعادة الاعتبار لهم وأصبحوا مواطنين فاعلين في المجتمع والحياة الاجتماعيه والسياسية وشاركوا في كل السلطات التشريعية والتنفيذية وفي أعلى المستويات والمناصب.

•لقد وجدت حكومة الثورة بعد الاستقلال نفسها مباشرة في وضع اقتصادي خانق وفي درجة الصفر حيث جاء الاستقلال وميناء عدن الذي يحتل الرقم الثالث بين موانئ العالم قد أغلق مع إغلاق قناة السويس في حرب 1967م، وهذا أدى الى توقف العمل في الميناء، إضافة الى إغلاق القواعد البريطانية كل ذلك خلف آلاف العمال والموظفين بدون وظائف وبدون رواتب، ولقد جاءت المظاهرات التي كان شعارها ( تخفيض الرواتب واجب ) والتي اعتبرت لدى آخرين بمثابة عمل فوضوي يستحق السخرية جاءت نتيجة للأسباب المذكورة حيث صدرت على ضوئها قرارات سياسية بتخفيض رواتب كافة الموظفين والعمال من أدنى درجة الى رئيس الدولة وتم صرف تلك الخصومات للموظفين والعمال العاطلين عن العمل وهذا الاجراء خلق جواً مفعماً بالتكافل والتضامن وحافظ على كرامة آلاف الأسر وأبنائها حيث منع أي اتجاه نحو التسول أو الجريمة من أجل كسب العيش بطرق غير مشروعة.
• منذ 30 نوفمبر 67م حتى 22 مايو 90م لم يعرف المواطنون في الجنوب شيئاً اسمه الطقم على الإطلاق ولم يتعودوا استقبال الجنود المسلحين المرسلين لإحضار المواطن إلى المحكمة أو الادارة المعنية بالقوة فقد تعود الناس أن يستلموا رسالة نصيه مختومة يحملها أي مواطن من نفس القرية أو المنطقة ونصها (يرجى حضوركم يوم كذا للمفاهمة).بل إن سجن المنصورة المركزي الذي أشيعت حوله القصص والحوادث المرعبة كان عبارة عن إصلاحية مدنية حقيقية بشهادة منظمات الأمم المتحدة فقد كان السجناء يتقاضون رواتب مقابل عملهم كلا في مجال تخصصه ولا يخرج السجين إلا بشهادة دراسية وصلت الى مستوى الثانوية , وكان السجناء ذوي التهم الجنائية المحكوم عليهم يمنحون إجازات بالأعياد فيغادرون السجن الى مناطقهم حتى تلك المناطق البعيدة ثم يعودون عقب الاجازه من ذات أنفسهم الى السجن بدون أطقم وبدون أخذ رهائن أو ضمانات من أهلهم .

•لقد ألغت الثورة استخدام القيود الحديدية التي كان يكبل بها السجناء وأصبح القانون هو الذي يمنح ويقيد حركة الإنسان ويحدد حقوقه وواجباته ولم يعاد استخدام هذه القيود إلا بعد حرب 94م .

• إن ما تحقق في المجالات الاجتماعية من قبل ثورة 14 أكتوبر لم يكن لينجز لولم يكن المواطنون في الداخل والمغتربون في الخارج كمشاركين رئيسيين في تحقيق كل ذلك وهم يستحقون منا كل التقدير والاحترام .

•في الختام: يهمني أن أؤكد أن الحزب الاشتراكي اليمني قد أصدر وثيقة تحليلية نهاية الثمانينيات قيّم فيها تجربته في الحكم واعترف بشجاعة بأخطائه واعتذر عنها وعن كل الممارسات التي ارتكبت سواء بحق الفئات الاجتماعية المختلفة أو الأشخاص وملكياتهم الخاصة وأعاد النظر في تلك السياسات وأعلن إعادة الاعتبار لكل من مستهم تلك الاجراءات أو الممارسات الخاطئة منذ توليه الحكم عام 1967م .

المجد لشهداء ثورتي 14أكتوبر و 26 سبتمبر المجيدتين.. الرحمة لشهداء النضال السلمي والشفاء للجرحى والحرية لمعتقلي الرأي.