هل يمكن أن يتشظى الإصلاح؟

  محمد العمراني

هل يمكن أن يتشظى الإصلاح ؟ لا أحد ينكر أن تباينا واضحا داخل الإصلاح قد يبدو من الشكل العام قريبا إلى التناقض منه إلى التكامل والتفاهم. تبدو التركيبات مختلفة ومتنوعة (قبلية ودينية وسياسية، معتدلة ومتشددة)، الخ..

وهكذا تبدوا لأي متابع تشكيلة صعبة التفاهم، فما الذي يجمعها إذا ويضمها في قالب واحد بحيث تتفاهم المواقف في كل القضايا الهامة ولا تختلف أبدا عن التوجه العام لهذا التنظيم ؟ هذا السؤال الكبير لا يمكن الإجابة عليه بمقالة، إنها أسباب مركبة وعميقة فكرية ثقافية وتنظيمية وسياسية ورؤى عامة واستراتيجيات يصعب تناولها دفعة واحدة في مقام واحد..

لهذا سأتحدث عن بعض الظواهر بشكل مقتضب وسريع. في نواة حزب الإصلاح، يقع الإخوان المسلمون، لا يمكن فهم الإصلاح كحزب دون النظر في هذا العمق. كل التركيبات داخل الحزب مهما بدت قوية وفاعلة تبقى خارجة عن التأثير والفاعلية إذا لم تكن في هذه النواة حيث مركز القيادة والتحكم، وفي المدارات تقبع تلك الكيانات التي تدور معها بهارمونية وسلاسة.

هذه ملحوظة جوهرية غير أنني لن أتناولها هنا وإن كانت الإشارة ضرورية في نظري. كان الإصلاح يعتمد كثيرا على المهرجان الجماهيري وخطبة المسجد كطريقة رئيسية في كسب الأنصار. في إطار التحولات السياسية والثقافية طغى العمل السياسي على واجهة الأحداث واعتمد الإصلاح على دوائر أكثر عمقا وتخصصا، هناك الإتحادات والنقابات والقطاعات المتخصصة في الطلاب والعمال والمهندسين والأطباء وهيئات التدريس،، الخ، هذا بالتأكيد يفرز قيادات مختلفة وجديدة قادمة من هذه التخصصات، عمليا هذه الطريقة تقلص من الدور الكبير لخطباء الجوامع والدوائر التقليدية، أولئك الذين كانوا مصدرا مهما في تغذية التنظيم بلون واحد من التفكير.هذا يفسر إلى حد كبير تقلص دور القوى التقليدية في التنظيم لصالح هذه القوى الأكثر تخصصا وفهما لمجالات العمل ومتطلبات مراحله. مراحل العمل الإصلاحية أخيرا تدعم إلى حد كبير هذا التفسير.

يتقدم الإصلاح بشكل جيد في كل مجالات الفكر والسياسة والتكتيك والتفاهم وقبول الآخر، هذا أمر بات من السهولة إدراكه. لقد توارت القوى المتشددة في الإصلاح، أعني كقوة فاعلة تمتلك تأثيرا داخل الحزب وتؤثر في توجهاته، اسأل فقط كم من المكاتب التنفيذية ودوائر التنظيم الفاعلة تسيطر عليها هذه القوى ؟ هنا ستدرك الفرق.

لعل هذا النوع من التطور أزعج بعض القوى و لهذا تحاول بين فترة وأخرى أن تعمل على الإثارة لهذا الفصيل بحيث يهيج و يبدو الإصلاح كله فصيلا متشددا وهائجا، في تقديرى الشخصي لقد فوت الإصلاح هذه المحاولات إلى حد مقبول. ربما ينظر الإصلاح لبيان أصدره العلماء في قضية تكفير مثله مثل بيان تصدره نقابة الأطباء التي يقودها الإصلاح في شأن طبي، ليس هناك علاقة عضوية بينها وبين الإصلاح كتنظيم إلا في هذه الحدود، في النقابة هناك الإصلاح وهناك غيرهم وكذلك في تلك المسماة هيئة العلماء. ويبقى الإصلاح كحزب خارج هذه الدائرة من التجاذبات. قد يطلق البعض عليهم نعوت التكفير، لكنها تظل نعوتا تفتقر إلى الدقة، وهذا ما تفهمه كل الدوائر البحثية المعنية بالشأن الإصلاحي.

في الظروف الطبيعية يحضر الإصلاحي تقريبا ثلاث لقاءات أسبوعيا مقسمة بين الخلية التنظيمية التي يأخذ منها ويتربى فيها والخلية الأخرى التي يربيها ثم في النشاط الأسبوعي أو في لجنته الخاصة (تربوية، اعلامية، سياسية، ثقافية.. الخ ). وبهذا النوع المكثف من التواصل حتى في الظروف الطبيعية يتغلب الإصلاح على كل القناعات المختلفة التي قد تتولد في أي حضن غير الإصلاح، وهذا ما يجعله – شأنه شأن كل الحركات الإسلامية – يبدو متماسكا في ظل هذا الكم الهائل من الحضور الإعلامي الكثيف والموجه ضد الحركات الإسلامية والشباب المتدين، لدى هذا التنظيم الكثير من أساليب الإقناع وهي تتطور يوما عن آخر وتعمل بفاعلية.

يفهم الأصلاحيون أن الإصلاح يعتبر حاليا ضامنا مهما وقويا في ترابط الدولة وفي الوحدة الوطنية، لقد ثبت من كل الأحداث أن الإصلاح هو المشروع الذي يمكن الإعتماد على أنصاره في مواجهة مشروع الإنفصال في الجنوب، أعني ذلك المشروع القائم على فكرة التقسيم وفقط. ثم لمواجهة خطر الحوثي في شمال الشمال، بالتأكيد لا أعني الحوثي الفكرة، ولكن ذلك النوع من التكتل التي تعتمد على السلاح في بسط النفوذ، على اعتبار أنها تمددات خارج مفهوم الدولة الحديثة وتفتقر لمشروعية التواجد المسلح. هكذا يحضر هذا الهم عند كل اصلاحي.

لاحظ مثلا في الجنوب، بالرغم كل ماقيل عن فتاوى الإصلاح وحربه على الجنوب واستحلال الدم الجنوبي وغيرها من الأفكار التي ترددت – بالتأكيد لست معنيا بالنفي أو التأكيد-، لكن بقي الإصلاحي الجنوبي متماسكا وينتمي لأفكاره بعمق ويتفاهم مع قيادته بهارمونية عالية. وهو ما يعني أن الإصلاحي الجنوبي لم يصدقها. عند هذا المستوى المتقدم من التفاهم والتماسك يمكن أن نتحدث عن نجاح آلية التواصل داخل هذا التنظيم.

يفكر الإصلاحي – باعتباره جزءا من الحركة الإسلامية العالمية – بأن الأنظمة الحاكمة بالرغم من كل الصعوبات المرعبة في اقتلاعها، إلا إنها تعتبر عائقا من العوائق التي تمنعه من الهدف الكبير، أعني الوحدة العربية والإسلامية، أو ما نطلق نحن عليه في شبكات الحاسوب باللحظة الذهبية (Golden moment ) وهي تلك اللحظة التي يمكنك فيها الوصول إلى كل أطراف الشبكة ويمكنها الوصول إليك بسهولة وبسر ودون عوائق.

على مدى العقود الماضية كان هناك جيل من الشباب يتربى في كل المنطقة على ذات الأفكار، أعني تلك الأرضية الصلبة من الأفكار الواحدة التي يمكن أن تهيئ لهذه الوحدة الحلم في الفهم الإسلامي. حتى إنك لتتعرف عليهم بسهولة سواء كانوا على الجزيرة أو على قنوات ال إم بي سي حيث تبدو أفكارهم واضحة وطريقتهم أكثر وضوحا. ربما يبدوا هذا الكلام غير واقعي، ولكنه يحضر في أذهان الجيل الإسلامي بشكل دائم. فكرة الخلافة الإسلامية في أذهان الجيل الإسلامي حاضرة بقوة، بالتأكيد ليس على طريقة خلافة بني أمية وبني العباس، تلك أمة قد خلت، لكن ربما يكون الإتحاد الأوروبي شكلا مقبولا من أشكالها كما يرى المفكر الإسلامي محمد عمارة، هذه ليست أحلام طائشة، بل هي أفكار تخدمها الكثير من الخطط والبرامج.

عند هذا المستوى من الأهداف والتفكير تسقط فكرة غياب العدو المشترك التي يمكن أن تكون باعثا على التشظي إذ أن قائمة الأهداف لن تتوقف في حدود الأقاليم المفتوحة. بعد هذه التوليفة السريعة، تبدو فكرة التشظى فكرة، لا أقول غير ممكنة الحدوث، بل سابقة لأوانها، لأن الفرد الذي انتظم لعشرين أو ثلاثين عاما في تنظيم وبتلك الصورة الصارمة والانضباط المذهل من أجل فكرة معينة، يصعب عليه التخلي عنها في لحظة غضب أو طيش من أي نوع بعدما تحول التنظيم إلى حالة من الترابط ربما يفوق حد الترابط الأسري في أحيان كثيرة.

ربما – أيضا – يفسر هذا العودة الجماعية خلال الثورة لأولئك النفر الذين ربما كانوا يقومون بأدوارهم خارج التنظيم في حين كانوا يصنفون كمتساقطين على طريق الدعوة. الإصلاح تنظيم عميق لا يمكن تفسيره فقط من الظواهر الخارجية، دون الذهاب في تفاصيل التفاصيل.

لقد أخطأ صالح في تقديره للإصلاح ووصفهم بأنهم مجموعة من (المقيلين) الذين يمنون أنفسهم بسقوطه ثم يتضاحكون بينهم. لعله الآن يفكر أن يكتب مذكراته كما فعل الملك فاروق حين قال كما ينقل صاحب كتاب فاروق بين القمة والحضيض ” (إن الإخوان المسلمين هم الذين قلبوا عرشي، وما كان ضباط الثورة إلا العوبة بأيديهم).