الرئيس الحادي عشر.. (وإذا تكون كريهة أُدعَى إليها)!!

  علي محمد الذهب*

ربما لم يدُر في خلَد عبدربه منصور هادي أنه سيكون يوما ما خليفة للرئيس علي عبدالله صالح، وهو يرى الرجل في قوة وسطوة ومنعة يخر عندها جن النبي سليمان عليه السلام، وأنه وهو على أبواب السبعين من عمره سيدلف أبواب قصر السبعين في صنعاء، لأنه وهو في منصبه كنائب للرئيس صالح، كان مكبلا بالكثير من عيون الرصاد وكهنة القصر؛ مثلما كان يكبل نفسه بالكثير من الأسئلة والاعتراضات والآراء التي لم تتجاوز يوما حواف لسانه، حول مواقف مختلفة كان صالح يتخذ إزاءها قراراته دون مشاورته. نعم، أنّى له أن يحلم بأن يكون صاحب هذا الكرسي-تحت أي ظرف- وهو يرى خطوات التوريث تجري على ألسنة الرضا والرضا بالقوة؟! وما عساه يصنع وهو يرقد في دار يشق صمتها هتافات العسكر في التبة المشرفة عليها، وتقطر على سطح تلك الدار الأنداء من فوهات مدافعهم عند كل شروق؟!!

واليوم، وبعدما دفع الخوف على اليمن الكثير ممن رأوا أن تحكيم القوة لا يجلب إلا الدمار، ولا يورث إلا الأحقاد والتربصات الشريرة، وبعدما التقت مصالح الداخل والخارج في أن تكون نهاية العمر الرئاسي للرئيس صالح على هذا النمط؛ لم تغنِ الرئيس صالح تلك القوة والمنعة وقد بلغت قذائف الموت مُصلّاه في قصره، كما لم يطُل بالنائب هادي ذلك الحال من الانزواء والرهبة، وكان حتما على الرئيس صالح أن يستجيب مرغما لقرار الحَكم وهو لوح له بالكرت الأحمر ليُدخل بدلا عنه نائبه عبدربه هادي، الذي يُنتظر منه أن يكون كاسمه في هذا الظرف، وهو يدخل دار الرئاسة، ليس كنائب للرئيس صالح، وإنما كرئيس عليه، وليكون الرئيس هادي هو الرئيس ذو الرقم(11) بين رؤساء اليمن، والثالث من بين الرؤساء القادمين من أبين.

يقف الرئيس هادي وسط تيارات متباينة مع بعضها ومع ذاتها أشد تباين، بما فيها التيار الذي أخرجه عام 1986م أو التيار الذي احتضنه بعد ذلك حتى عام 2012م، أو تلك التي صعّدته مجتمعة إلى الكرسي الرئاسي، وهو على هذا الحال يجب عليه أن يُعمِل مبضعه ليضمد جراحات ماضٍ يصر رجاله وخلفاؤهم على اجترار مرارة أحداثه وعنفها، على إيقاعات مختلفة؛ داخلية وخارجية، وعلى أنفاس متنافرة تكشف وجوهها عن ضغائن سياسية وفكرية ومذهبية وقبلية، لأن تلك الأحداث جعلت من مشاهدها الدموية ونتائجها التراجيدية سمة مستوجبة الحدوث لكل فعل تغييري عصي استحال على كل طامح مقهور.

وأبرز المحطات الدموية التغييرية التي شهدها اليمن الجمهوري واليمن والموحد تتمثل بأحداث أغسطس عام 1968م، ثم أحداث مايو عام 1969م، مرورا بأحداث يونيو عام 1977م، فأحداث يناير عام 1986م، وانتهاء بحرب صيف عام 1994م وما اقترب من تلك الحزمة من صراعات حراكية دامية، أو حروب استنزافية حوثية موجّهة وممتدة حتى اليوم، وخاتمة النهاية؛ تلك المشاهد الدموية لمرافقات موجة الربيع الثوري السلمي التي أنبتت هذا الواقع المتأزم، ووضعت القادم من رمال دثينة إلى عرش السعيدة، في بحر بن أحمر الكناني:
وإذا تكون كريهةً أُدعَى إليها *** وإذا يُحاس الحَيسُ يُدعى جُندبُ

إن هذا الرجل الذي خبأته الأقدار ليكون رجل مرحلة هي من أدق وأخطر المراحل التي مرت بها اليمن في تاريخها، لينتظر منه اليمنيون جميعا، أن يَعبُر بهم هذا البحر الهائج الذي تقاذفهم موجه نحو عام، حتى يبلغ بهم مرافئ الأمان، وتُحلّ على يديه أعقد القضايا التي خلفتها الحقبة الماضية، والتي كان هو ذاته من أهم شهودها وأبرز الملمين بالكثير من تفاصيلها، وستكون فترة العامين التي سيجلس فيهما على الكرسي الرئاسي، ذات أهمية كبيرة في تاريخ اليمن الحديث والمعاصر، كما سيكون لعهده القصير هذا تأثير كبير على مستقبل اليمن الواحد وعلى استقراره وتطوره، إن سلبا أو إيجابا.

وعلى اتجاه آخر؛ ينتظر الجوار العربي وغيرهم، ومعهم الأصدقاء في الغرب، أن يكون الرئيس هادي مستعدا لتحمل هذه المسئولية، وجادا في قضية حساسة ومختلفة عن كل ما سبق، وذات أهمية لهؤلاء أكثر من رحيل رئيس ومجيء آخر، ألا وهي قضية الإرهاب، الذي يراد من خلاله لليمن أن تكون حاضنة له، وساحة سجال بين أتباعه وخصومه، على نحو ما جرى في الصومال وأفغانستان والعراق في العقدين الماضيين، كما أن على الرئيس هادي إثبات أنه أشد مضاء في مقارعة هذا الداء الذي تحول من داء عضال يهدد الغرب إلى داء يفت في بنية الأمة ويوهي من تماسكها، بل إنه أضحى شغلها الشاغل، وصرفها بعيدا عن مواكبة الأمم الأخرى في مناحٍ كثيرة من مناحي التقدم والتطور.

مما لا ريب فيه؛ أن الرجل ومن معه من المخلصين، سيكونون في موقعٍ اختباري شاقٍّ ومكلِّف، وسيلاقى الكثير من العقبات التي ترمي لإفشاله، بحيث تكون مقارنة الماضي بالقادم على نتائج مخيبة للآمال، ومع ذلك؛ فإنه يجب عليه ومن معه ممن لا يغريهم بريق الدرهم والدينار، العمل على تجاوز وتخطي كل المحبطات والعوائق، وأن يسعى جميع الفرقاء إلى تجاوز الماضي، واستشراف المستقبل بعيون محبة لليمن، متجاوزين كل ضغائن الحقب السابقة، حيث لا غالب ولا مغلوب، فالوطن ليس حكرا على أحد، كما أنه لن يقوم بنيانه بفئة دون أخرى، ولو تأملنا في محيطنا لوجدنا فيه من العبرة والتأمل ما يجعلنا نختار أفضل ما هو معروض، وأن نسعى لبلوغ أعلى مما هو متاح.

*باحث في شئون النزاعات المسلحة