من أجل يمن سعيد

  سامح راشد

مثل انتخاب الرئيس اليمني الجديد عبد ربه منصور هادي منعطفا مهما في مسار الأزمة اليمنية. حيث يعتبر تولي رئيس جديد قيادة اليمن خلفا لعلي عبدالله صالح، الخطوة الأهم والمفصلية ضمن بنود المبادرة الخليجية لحل الأزمة المستحكمة في اليمن منذ أكثر من عام. ووفقا لتلك المبادرة فالمفترض أن يكون انتخاب الرئيس الجديد تتويجا لعملية انتقال سلمي للسلطة. وبداية لعهد جديد في اليمن، تختفي فيه مظاهر العنف ويجري العمل فيه بشكل تعاوني بين مختلف القوى السياسية لإقامة مؤسسات جديدة.

الشروع في عملية انتقالية تدريجية نحو مستقبل أكثر ديمقراطية في اليمن من الناحية السياسية، وأكثر رخاء في الاقتصاد، وأكثر أمنا واطمئنانا للمجتمع والمواطن اليمني. ولا شك في أن الطموح في تحقيق تلك التطلعات قد زاد وتعاظم مع إتماما انتخابات الرئاسة في الحادي والعشرين من فبراير الماضي. ثم بعملية تسليم وتسلم السلطة فعليا من الرئيس «السابق» علي عبدالله صالح إلى خلفه «هادي». وانحيازا للموضوعية والحياد، لا بد من الإقرار بأن خطوة انتخاب رئيس جديد في اليمن تمثل بالفعل نقلة نوعية في مسار الأوضاع داخل اليمن. ليس فقط كونها تنهي أكثر من ثلاثة عقود متصلة تحت حكم علي صالح، لكن أيضا لأنها تعكس انتصار المسار السياسي في حل الأزمة التي استحكمت قبل أشهر حتى كادت تنفجر وتتحول إلى حرب أهلية بكل معاني الكلمة. حيث يتوافر السلاح والقوى القادرة على استخدامه، خصوصا مع انقسام القوات المسلحة اليمنية ذاتها بين مناصرة الرئيس والتمسك ببقائه رئيسا حسب إرادته هو، وتأييد المعارضة في ضرورة إنهاء حكمه وخروجه من السلطة فعليا وبشكل كامل. من هنا مثلت المبادرة الخليجية طوق إنقاذ ليس للرئيس صالح وحسب كما يظن المعارضون للمبادرة من الثوار اليمنيين، لكن أيضا لمستقبل اليمن كله واستقراره لسنوات قادمة. غير أن هذا التقييم إيجابي مشروط بعدد من المقومات التي ينبغي استيفاؤها وإلا فلا جدوى من المبادرة دونها.

أول تلك المقومات أن يدرك اليمنيون، ساسة ومواطنون، أن الأزمة الحقيقية في اليمن لم تكن في الرئيس صالح بشخصه وحسب. فمشكلات اليمن أوسع وأعقد كثيرا من مجرد سيطرة شخص واحد على السلطة وانفراده بها ولو لأكثر من ثلاثين عاما. وبالتالي فالتخلص من شخص صالح ليس هو الحل النهائي لمشكلات اليمن، وعلى اليمنيين المؤيدين للمبادرة الخليجية عدم المبالغة في تقدير مزايا وإيجابيات خطوة خروج صالح من قصر الرئاسة وانتخاب هادي خلفا له. ويمكن في هذا الصدد استدعاء فترة غياب صالح عن اليمن بعد إصابته في انفجار في مطلع شهر يونيو 2011. فرغم أنه فوض نائبه وقتئذ (منصور هادي) بمهام الرئاسة، إلا أن أحمد علي عبدالله صالح ابن الرئيس وقائد الحرس الجمهوري كان يشغل قصر الرئاسة . في تجسيد بليغ للتعقيد المصاحب للوضع في اليمن بما يتجاوز كثيرا مسألة وجود أو غياب علي صالح بشخصه. ويشير هذا المثال إلى أن أحد أوجه المعضلات التي تواجه الرئيس اليمني الجديد، هي التخلص من أتباع علي صالح في أجهزة الدولة ومفاصلها الرئيسية، وهي مهمة عسيرة بامتياز. لكنها وعلى صعوبتها تكتسب أهمية قصوى لاعتبارين، الأول أنها جزء من المبادرة الخليجية التي تنص على إعادة هيكلة الجيش وأجهزة الأمن. التي يسيطر رجال صالح عليها في مختلف المستويات.

والاعتبار الثاني أنه ما من سبيل إلى التعامل مع الملفات والقضايا المطروحة على الساحة اليمنية سواء الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية. في ظل وجود المسؤولين السابقين المنتمين إلى نظام صالح ويدينون له بالولاء وترتبط مصالحهم به سواء بحكم العلاقة الشخصية أو بحكم مناصبهم. وتجدر الإشارة في هذا الخصوص إلى أن عدد رجال صالح في مؤسسات الدولة بمختلف قطاعاتها وفي مستوياتها القيادية فقط، يصل إلى عدة مئات. عشرات منهم يرتبطون مع صالح بعلاقات شخصية مباشرة، سواء قرابة أو مصاهرة. وبالتالي فإن إنهاء فترة حكم صلح تستلزم بالضرورة إنهاء وجود وتأثير هؤلاء المرتبطين به في مؤسسات الدولة. خصوصا أن كثيرا منهم في مؤسسات سيادية وأخرى حيوية بالنسبة لإدارة الأوضاع في اليمن.

ولعل الأولوية القصوى أمام الرئيس الجديد في هذا المجال، هي عملية إعادة هيكلة القوات المسلحة وأجهزة الأمن، لبناء مؤسسات دفاعية وأمنية جديدة قوية ووطنية وغير متأثرة بولاءات قديمة أو حسابات ضيقة. فكما هو معروف يمثل الجانب الأمني المدخل الحقيقي للاستقرار في تلك المرحلة الانتقالية الحرجة التي يمر بها اليمن. خاصة مع وجود تحديات ومشكلات ذات طابع أمني من شأنها تقويض أي تقدم قد يتمكن الرئيس الجديد من إحداثه في القطاعات الأخرى مثل الاقتصاد أو العدالة الاجتماعية أو حتى التطور السياسي. وأهم تلك التحديات وجود بعض العناصر المسلحة في مناطق مختلفة من اليمن خصوصا في الجنوب والشرق. والتي ينتمي بعضها إلى فروع قديمة للقاعدة. بينما لا يعرف على وجه اليقين انتماء أو هوية بقية تلك العناصر والمجموعات المسلحة. لكن الثابت يقيناً أنها موجودة ولها نشاط وتقوم بعمليات مسلحة من حين إلى آخر. وكان آخر ظهور لها أثناء الانتخابات الرئاسية ذاتها، حيث تعرضت بعض مراكز الاقتراع في الجنوب اليمني إلى هجمات مسلحة، كان واضحا أن هدفها منع الناخبين من المشاركة في عملية التصويت. وبغض النظر عن خلفيات مثل تلك العمليات، المؤكد أن التحدي الأمني يجب أن يحتل أولوية قصوى في أجندة الرئيس اليمني الجديد. ما يفرض بدوره ضرورة التعجيل بخطوات عملية باتجاه إعادة بناء المؤسسات الأمنية والدفاعية. وهي مسألة لم يبد حتى الآن على الرئيس منصور هادي أنه اتخذ قرارا أو حدد ملامح تنفيذية لها، خاصة أنه لم يتجاوب مع بعض الاقتراحات التي تلقاها بهذا الخصوص. حيث تحفظ بقوة على فكرة الاستعانة بخبرات دولية في مساعدته والحكومة القائمة على إعادة هيكلة الجيش، ما اعتبره هادي أمرا بحاجة إلى مراجعة ودراسة دقيقة لارتباطه بالأمن القومي، وما يستتبعه ذلك من ضرورة الحذر قبل الاعتماد فيه على خبرات غير يمنية.

المهمة الثانية العسيرة التي يواجهها الرئيس اليمني الجديد، تتعلق بإكمال القطيعة مع العهد السابق وتأكيد مناصرته للثورة ولمطالب اليمنيين بالتغيير الجذري. وإذا كان التخلص من رجال صالح في مؤسسات الدولة إشارة قوية في هذا الاتجاه، فإن ثمة خطوات أخرى قد ينتظرها اليمنيون منه على وجه السرعة. منها على سبيل المثال التوصل إلى حل مرض للثوار اليمنيين الذين كانوا يرفضون فكرة المبادرة الخليجية برمتها، خصوصا ما يتعلق منها بالحصانة القضائية لصالح ورجاله. حيث ينتظر اليمنيون من الرئيس الجديد أن يتخذ خطوات جدية نحو محاسبة المسؤولين المتورطين في عمليات فساد وإفساد اقتصادية وسياسية. ولتغلغل الفساد في مختلف مستويات العمل العام وفي مؤسسات الدولة المختلفة، فإن أمام هادي أعدادا كبيرة من المتهمين بجرائم الفساد، غير أولئك الذين اكتسبوا حصانة مع صالح. فربما يساعد إحالة أكبر عدد ممكن من أولئك غير المحصنين إلى محاكمات قانونية عادلة وناجزة، على تثبيت أقدام هادي في السلطة وإكسابه شرعية شعبية تفوق أهمية وثقلا الشرعية الدستورية التي حصل عليها من فوزه في انتخابات الرئاسة التي جرت.

إن ما سبق إشارات لبعض التحديات والقيود والتطلعات التي تنتظر الرئيس اليمني الجديد. وهي كلها مرتبطة بتهيئة الأجواء واستيفاء مقومات اضطلاع بمهام الرئاسة بقوة ودون عراقيل مبكرة. لكن تظل أمام الرئيس الجديد التحديات والمشكلات الأساسية التي يعاني منها اليمن واليمنيون بغض النظر عن شخص الرئيس الموجود في السلطة. أي تحديات الوضع الاقتصادي المتردي والزيادة المطردة في معدل الفقر والبطالة، والأوضاع الاجتماعية السيئة ممثلة في تدهور التعليم وانتشار الأمية. فضلا عن التحدي الجوهري المتعلق بالعلاقة مع الجنوبيين خاصة بعد أن تصاعدت لديهم النزعة الانفصالية خلال فترة الأزمة التي طالت لأكثر من عام. ومحصلة تلك الصورة غير المبشرة، أن أزمة اليمن ومشكلاته تتجاوز كثيرا وجود صالح أو غيره في منصب الرئيس. مع التسليم بأن وجود رئيس وطني لديه رغبة حقيقية في التصدي للتحديات والمشكلات رغم صعوبته، يمثل البداية الحقيقية لحلها والتغلب عليها، إلا أن وجود ذلك الرئيس الوطني يظل فقط خطوة أساسية وشرطا ضروريا لكنه غير كافٍ بمفرده لإخراج اليمن من أزماته ومشكلاته المتراكمة عبر عقود. إذ سيحتاج إلى تضافر جهود كل اليمنيين بدءا بالثوار الذين لم يكلوا من الاعتصام والتظاهر طوال ثلاثة عشر شهرا، مرورا بقوى سياسية وأحزاب أصبح المجال أمامها واسعا للعمل السياسي الحقيقي، انتهاء بالأطراف الخارجية التي طالما زعمت أنها تريد لليمن الاستقرار والتماسك، وهي مطالبة اليوم بإثبات تلك الرغبة عمليا بمساعدة اليمن تحت رئيسه الجديد على الخروج من مآزقه وأوضاعه المتوارثة.

– باحث في العلوم السياسية