المقال الذي أوصل “الشاطر” للرئاسة!

  حبيب العزي

(No need to be afraid of us ) لا داعي للخوف منا ..
كان هذا هو عنوان المقال الذي نشرته الجارديان البريطانية للمهندس/ خيرت الشاطر- رجل الأعمال المصري ، والنائب الثاني للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين آنذاك – في عددها الصادر بتاريخ 23 نوفمبر من العام 2005م ،

وهو المقال الذي كان بمثابة طمأنة للولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً وللغرب والمجتمع الدولي عموماً ، حول مخاوفهم يومها جراء فوز الإخوان المسلمين بحوالي 88 مقعداً في الجولة الأولى والثانية فقط من الانتخابات البرلمانية التي جرت في تلك الفترة ، برغم التزوير وقوة وبطش النظام ، هذا كان من جهة ، ثم من جهة أخرى كان ذلك المقال بمثابة التعريف بالجماعة وإزالة كل تلك الضبابية التي ظلت تحول دون رؤية الغرب لها على حقيقتها طوال حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك ، في قضايا كثيرة تثير قلق الغرب ومخاوفهم من الإسلامين كمسألة القبول بالآخر ، كما مواقفها من قضايا حقوق الإنسان والمرأة والحريات الدينية والعامة ، ومحاربة الإرهاب وغيرها من القضايا التي تثير هواجس الغرب في التعاطي مع الإسلاميين عموماً .

ويبدوا لي أن ذاك المقال كان قد رسم ما يشبه “خارطة الطريق” في تعامل جماعة الإخوان مع الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية ، الأمر الذي ربما أعطى انطباعاً إيجابياً لدى الأمريكان والغرب عموماً من إمكانية الحوار مع هذه الجماعة ، فالغربيون – كما نعلم جميعاً – لا يعرفون صديقاً دائماً ولا عدواً دائماً ، وصديقهم الوحيد هي “مصالحهم” ، ولذلك تُراهم “واقعيون” إلى حد بعيد ، على عكسنا نحن العرب ، الذين تغلب علينا “الراديكالية” في تعاطينا مع الآخر ، وهم في الغالب مستعدون للتعاطي مع أي بديل قد تفرضه الوقائع السياسية على الأرض في بلد ما ، كما هو حاصل الآن في دول الربيع العربي وبمقدمتها مصر .

ثم لا ننسى أن الرجل – أعني خيرت الشاطر – هو صاحب فكرة إنشاء موقع “إخوان ويب” ، الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين باللغة الإنجليزية ، والذي لعب دوراً هاماً ومحورياً في تقديم خطاب الجماعة وفكرها بقدر كبير من المرونة والاعتدال ، وبلغة يفهمها الغرب جيداً ، كما كان حلقة الوصل بين الإخوان والعديد من مراكز البحث المختلفة في الغرب ، بغية توضيح الأجندة السياسية للجماعة في التعاطي مع مجمل القضايا التي تخيف الغرب من الإسلاميين كما أسلفنا ، وأرى ذلك قد تجسد بشكل عملي من خلال اللقاء الذي جمع مؤخراً بين قيادات عليا في الجماعة مع مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية وليام بيرنز ، بعد فوزها في الانتخابات الأخيرة ، وهو أول لقاء يتم على هذا المستوى الرفيع بين الأمريكان وجماعة الإخوان ، كما أن جهود الشاطر في حواراته مع الغرب قد أسفرت عن تخلي واشنطن بدءاً من العام الماضي عن حظر الاتصال السياسي مع جماعة الإخوان المسلمين ، وهوما كانت تتمسك به إلى وقت قريب.

باعتقادي أن جملة تلك اللقاءات والحوارات التي جمعت الإخوان مع الأمريكان خصوصاً ومع الغرب عموماً ، والتي كان مهندسها “خيرت الشاطر” ، إضافة إلى الصعود القوي لجماعة الإخوان المسلمين ، وسطوع نجمها بعد ثورة 25 يناير ، ثم فوزها الكبير بالانتخابات الأخيرة ، كلها معطيات هامة أراها قد أقنعت الغربيين أخيراً بحتمية التعاطي مع هذه الجماعة ، باعتبارها واقعاً يجب التعامل معه ، كما أن الجماعة من جهتها قد أبدت مرونة شديدة لم تكن معهودة عليها من قبل ، وقد تجلى ذلك بوضوح من خلال خطابها السياسي – وبخاصة بعد ثورة 25 يناير- حول مختلف القضايا ، أكان على المستوى الخارجي مع الغرب ، أو حتى على المستوى الداخلي مع المجلس العسكري بقيادة المشير طنطاوي ، لدرجة جعلت معظم خصومها التقليديين في القوى الليبرالية يتهمونها ببيع مبادئ الإخوان التي اسسها الإمام حسن البنا من جهة ، وبأنها قد عقدت صفقة سياسية مع المجلس العسكري قبل خوضها الانتخابات من جهة أخرى .

أستطيع القول بأن تاريخ 25 يناير 2011م ، كان هو بداية العصر الذهبي لجماعة الإخوان المسلمين ، وذلك بعد عقود طوال من العمل المنظم والدؤوب داخل المجتمع المصري ، والمشوب بالقهر وبالملاحقة والاعتقالات والحرمان من ممارسة العمل السياسي من طرف النُّظم المتعاقبة على حكم مصر طوال تلك العقود ، وأنها قد وصلت – بتقديري على الأقل – إلى مرحلة النضج السياسي الذي يؤهلها لقيادة مصر في المرحلة الراهنة ، وذلك لسببين أراهما في غاية الأهمية ، أولهما قوة التنظيم والحضور الشعبي والجماهيري الذي برهنته الانتخابات الأخيرة ، والسبب الثاني هو مقدرتها على تقديم خطاب “براجماتي” متزن يحاكي – إلى حد بعيد – النموذج التركي ، أعتقد أنه قد أقنع الغرب إلى حد كبير، وجعلهم “ربما” يرون في حزب الحرية والعدالة المصري نموذجاً مماثلاً لـ العدالة والتنمية التركي ، وينظرون إلى الشاطر كنموذجاً مماثلاً لأردوغان .

ما أرجحه شخصياً .. وهو ما تشير إليه كل المعطيات على واقع الأرض بأن “الشاطر” بات هو المرشح الأكثر حظاً لرئاسة مصر ، لأسباب متعددة – أراها منطقية من وجهة نظري – منها علاقات الرجل الواسعة مع الغرب وبرجماتيته في التعامل معهم ، كما أنه يتمتع بكاريزما وحضور إعلامي قوي تميزه عن بقية قيادات الجماعة ، ثم أنه يوصف بالدهاء السياسي وبأنه رجل اقتصاد من الطراز الأول .

أضف إلى ذلك أنه من المعروف عن جماعة الإخوان المسلمين أنها لا تتخذ قرارات ارتجالية غير مدروسة ، ولا يمكن أن تتخذ قراراً مهماً بهذا المستوى وبهذا الحجم ، إلا وهي تدرك جيداً كل المعطيات السياسية من حولها ، ومن غير المستبعد أن تكون قد حسمت أمرها باتفاق مع حزب النور السلفي بهذا الخصوص ولم يتبق سوى الإعلان عنه ، بل ولربما تكون قد حسمت أمرها مع المجلس العسكري ومع الأمريكان أنفسهم ، خصوصاً وأن تقريراً للواشنطن بوست كان قد كشف الأسبوع الماضي عن انزعاج شديد للإدارة الأمريكية من نجاح الحملة الانتخابية للمرشح السلفي “المستقل” حازم صلاح أبو اسماعيل ، الأمر الذي أثار مخاوف الأمريكان من بزوغ نجمه ، كما كشف التقرير عن ارتياح الإدارة الأمريكية من ترشيح الشاطر، ومن أنها باتت ترى في الإخوان حليفاً لا مفر منه لمواجهة غلاة السلفيين ” بحسب تعبير التقرير” .

بالمحصلة فإن مما لا شك فيه بأن جماعة الإخوان المسلمين تدرك جيداً أهمية الرضى والقبول الدولي والإقليمي بمثل هكذا خطوة “هامة وخطيرة” من طرفها ، حتى وإن كانت ترى بأن لها حضوراً شعبياً وجماهيرياً يؤهلها للوصول إلى القصر الرئاسي من بوابة الديمقراطية وعبر صناديق الاقتراع كما حصل معها في الوصول إلى البرلمان ، لأن عكس ذلك سيُعد بمثابة انتحار سياسي وخطأ استراتيجي فادح تكون قد وقعت به الجماعة ، فمن غير الطبيعي وليس من مصلحتها “منطقياً” الاستحواذ على كل المواقع القيادية الهامة ، وبخاصة رئاسة الدولة.