الدعوة إلى تدوين ذاكرة الثورة – الأزمة

  إلهام علوان

إن الدعوات المكثفة التي قرأتها للبعض لتدوين ذاكرة الثورة مع ملاحظة أن الأسماء المذكورة هي أسماء معروفة وتتناطح فيما بينها على البطولات وتنسب شرفها لها وللأصدقاء وتنسى في طريقها تضحيات الآخرين مجهولي الأسماء وأعمالهم العظيمة وهم حطب الثورة الحقيقي قياسا بنجوم الثورة !!!

كم كان يتوجب على من يكتب ويدوّن مثل هذه الأفكار أن يتناسى فقط أدواره الهمامة، ويتذكر أدوار الصغار من لايجيدون فن الكتابة والتسويق، نحن نشعر أنهم يهتمون بتسجيل معارك فردية بين أقطاب الثورة ليس إلا وتضيع بينها تضحيات البسطاء والمساكين.

وهنا يجب التنويه والتنبيه حتى لايشطح البعض كثيرا في معاركهم ويتناسون جنود الثورة المجهولين من يجب تدوين أسمائهم بحروف من نور فهم من يستحق هذا الشرف قبل الجميع وأي جهد يجب أن يكون في جمع أسمائهم وتسجيل تضحياتهم قبل الجميع ,أين أسماء الجرحى على الأقل المنسيين في الردهات والطرق ؟ كم نتألم لهؤلاء فقط ونشعر بقهرهم العميق وخذلانهم من الجميع.

لا أدري لم وجدتني حزينة على مثل هذه التصرفات غير المقبولة أو المعقولة، لكن وجدتني بحاجة لأقول: أن من المعقول أن يبدأ بجمع الأسماء المجهولة وتدوينها في سجلات على رأس القائمة, الكبار لايحتاجون لتسجيل أسمائهم لأسباب كثيرة, فتضحياتهم لاتقارن بتضحيات من وهبوا حياتهم وأيضا لتأكيد مصداقيتهم!

إن الناس يا سادة تريد أفعالاً لاأقوالاً, وعندما يتذكر الجميع هؤلاء ويتناسون أدوارهم سنقول حينها: أن الدنيا بخير.. إنها دعوة للوقوف مع كل المهمشين والمظلومين والمغرر بهم والقائمة تطول, من لهؤلاء ومن يتحدث بإسمهم جميعهم فردا فردا عوضا عن الإنشغال بحروب جانبية بين الكبار.. وهي طبعاً دعوة مني كمواطنة يمنية لي حق الملاحظة على الواقع وتدوين رأيي الشخصي حوله، دعوة وشهادة لله وللتاريخ ووفاءً منا لشهداء ولجرحى الثورة الذين بدأت منهم وانتهت إليهم خيوط الأمل بيمن جديد.

هذا بالنسبة لتدوين ذاكرة الثورة وحين نأتي لتدوين ذاكرة الأزمة عند المواطن العادي فحدّث ولاحرج عن كل المآسي والمعاناة التي وقع الناس بها نتيجة صراع مراكز القوى السياسية والقبلية والدينية ومحاولة كل طرف السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الوطن على حساب حياة الناس وأرزاقهم وفعلا كما قال الصديق المقالح ماذا عن المواطنين الذي عاشوا رعب حروب آل الاحمر في الحصبة وهائل وبير باشا وصوفان ؟… كم مات من هولاء كم منهم دمرت منازلهم ؟… كم شرد من المواطنين في صنعاء وتعز ؟ لا احد يسأل عن هؤلاء ؟

من يسأل عن معاناة سكان الخط الدائري والجامعة القديمة والجديدة جراء بقاء المقيلين في ساحة الاعتصام لأكثر من عام ؟ ومن يسأل عن المواطنين الذين دفعوا الثمن وخسروا وظائفهم ومدخراتهم ؟ من يدون معاناة هذا المواطن أو يهتم لتسجيل خسائره؟ من يكتب أسماء شهداء الوطن الذين ماتوا بالصدفة نتيجة رصاصة طائشة أصابته في مقتل حين مروره في الشارع لقضاء حاجته أو أصابت طفلا كان يلعب أمام منزله ,من يهتم لأمه وقد أصيبت بالجنون حين وصلها خبر وفاة ابنها المفاجئ بسبب قذيفة غبية أخطأت طريقها إليه..

وأخيرا من يدون عدد وأسماء شهداء الجيش اليمني الذين زجّ بهم في حرب للقتال مع ميليشيات ثورية تهاجمهم في كل بقعة وحي ومن يهتم لتسجيل مشاعرهم ومايفكروا فيه ويعانوه من ضغوط متواصلة عليهم من كل الجهات يتحملونها في سبيل قروش قليلة لإعالة أسرهم الفقيرة والمعدمة, من فكر بتدوين عدد الأسر وأسمائها التي فقدت أبناءها الجنود خلال الأزمة ويهتم لتسجيل أحوالها ومشاعرها حين يصلها خبر استشهاد أحد أبنائها..

نحن مع تدوين الذاكرة الجمعية للشعب اليمني بجميع فئاته وإنتماءاته بعيدا عن الشخصنة والبطولات الزائفة والإنتماءات الحزبية والطائفية والإنقسامات بين بلاطجة ومخربين, نريد تدويناً شاملاً كاملاً لذاكرة الثورة _الأزمة، للوطن ككل من أقصاه إلى أقصاه دون أي تحيز أو إلغاء للآخر، ومع تلمس معاناة الناس جميعا وتضحياتهم بالأرواح والأموال والممتلكات والأرزاق. وإن ننسى فلا ننسى تدوين خسائر الوطن ككل الذي تمزق نسيجه الإجتماعي والجغرافي وتشظى إلى شظايا يصعب جمعها وإعادة لصقها كما كانت حتى وإن بشكل مشوّه وقبيح.. التاريخ في ظل العولمة اليوم يكتبه المنتصر والمنهزم, القائد والجندي والفقير والغني والمثقف والأمي فلا يتصور أحد أنه قادر على أن يسطره منفردا..
* رئيسة منظمة غزال للمرأة والتنمية