السِّر المُرعب وراء انقلاب العسكر!

  حبيب العزي

الانقلاب الناعم على الثورة المصرية الذي حدث الخميس الماضي من طرف العسكر، لم يكن بتصوري وليد تلك اللحظة التي فاجأت الجميع بلا استثناء، وإنما كان نتاج تخطيط متأني، استمر قرابة العام ونصف على مطبخ هادئ داخل مقر المجلس العسكري بقيادة المشير طنطاوي..

ولم تكن المحكمة الدستورية العليا التي أصدرت تلك الأحكام بحل البرلمان بسبب عدم دستورية بعض مواد قانون الانتخابات البرلمانية الذي تم انتخاب أعضاء المجلس على أساسه بحسب إفادتها، وكذا الحكم بعدم دستورية قانون العزل السياسي الذي يعني الإبقاء على شفيق، لم تكن تلك المحكمة – من وجهة نظري- سوى أداة للتنفيذ “ولكن في الأطر القانونية ووفقاً للإعلان الدستوري” وهذا هو بيت القصيد ومكمن الدهاء الذي يُحسب للمجلس العسكري، لكنه الدهاء الذي قد يورد صاحبه المهالك، إذ أن المجلس العسكري يكون بذلك قد أنهى الفصل الأول من فصول الثورة لكنه افتتح بذات الوقت الوحدة الأولى في الفصل الثاني، وإذا كان الفصل الأول قد أنهى حقبة مبارك وأولاده، فالفصل الثاني ربما سيكون هو بداية النهاية للمشير طنطاوي ولرفاقه في قيادة المجلس العسكري، ولكن ليس بنفس السهولة التي حدثت في الفصل الأول لمبارك وعائلته، وإنما سيحتاج الأمر إلى ثورة جديدة وإلى وقت أطول وتضحيات أكبر.

ولعل الأصوات التي ارتفعت بعد الحدث مباشرة مطالبة الإخوان بسحب مرشحها من سباق الرئاسة كانت مُحقة إلى حد ما، وتعليلاتها في ذلك تبدوا منطقية إلى حد بعيد، فهي رأت بأن شفيق والمجلس العسكري – بعد كل هذا الذي حدث- ربما يبيتان تزوير إرادة الناخبين بطريقة أو بأخرى، وأن النتائج صارت وكأنها محسومة سلفاً، وبقاء مرسي في هذا الجو المعقد سيؤدي إلى “شرعنة” شفيق في حال تمكن من الفوز، كما رأت بأنه حتى في حال فاز مرسي فإنه لن يكون باستطاعته فعل أي شيء، لأن البلد لا يوجد بها -حتى اللحظة- دستور ولا برلمان منتخب ولا حكومة ولا مؤسسات، ولذلك سيبقى مجرد دمية بيد المجلس العسكري يلعب به كيفما يشاء، ولكن بالمقابل فأنا أتصور أنه قد يكون من الصعب –منطقياً- على جماعة الإخوان المسلمين أيضاً أن تتخذ قراراً كهذا، بعد نضال وعراك مع المجلس العسكري استمر 15 شهراً..

وبما أنها قد أوشكت على بلوغ الذروة في تحقيق أهداف الثورة، واقتربت من تتويج نضالاتها بإيصال مرشح الثورة إلى كرسي الرئاسة عبر الأطر الدستورية والقانونية، فإنها تصورت – أو هكذا يبدوا لي- بأنها باتت قادرة على عزل الفريق شفيق شعبياً بإرادة الناخبين أنفسهم، إضافة إلى استنادها للشرعية الشعبية التي منحتها الجماهير لمرشحيها، أكان في البرلمان أو في الجولة الأولى للرئاسة، ثم لأنه لم يتبق لها في الوصول إلى تلك الذروة سوى يوماً واحداً فقط عند إعلان تلك الأحكام، ما يعني أنه أصبح لا خيار أمامها إلاّ ان تكمل المشوار حتى نهايته، بغض النظر عن النتائج المترتبة على ذلك، أضف لكل ما سبق أنها ربما رأت في حال انسحابها تكون بذلك قد أهدت لشفيق الرئاسة على طبق من ذهب، وإن فعلت فسيكون ذلك خيانة لدماء الشهداء ولأصوات الناخبين الذين منحوا مرشحها ثقتهم في الجولة الأولى، وكل تلك أمور تبدوا منطقية وطبيعية إلى حد بعيد كذلك.

أرى بأنه لم يرق -حتى هذه اللحظة- للكثير من القوى أكان داخل مصر أو خارجها بأن يصل الإسلاميون إلى سدة الحكم، وعلى رأس تلك القوى يأتي المجلس العسكري وبقايا النظام السابق وبعض غلاة الليبراليين، أضف إليهم الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الأنظمة العربية وبخاصة في الخليج.. وما كل هذا اللغط والغموض في مواقف وتصرفات المجلس العسكري طيلة الـ15 شهراً الماضية إلاّ بهدف واحد هو الإجهاز على الثورة والالتفاف على هذه الجماعة، والتي بدا واضحاً للجميع ومنهم المجلس العسكري بأنها باتت القوة الأكثر قبولاً على المستوى الشعبي لقيادة مصر بعد الثورة، بل أكاد أجزم بأن تبنيها لمشروع نهضة مصر كبرنامج عملي لمرشحها الرئاسي “خيرت الشاطر” قبل الحديث عن مرسي كان هو السر الحقيقي الذي أرعب قادة العسكر من هذه الجماعة..

لكن مجمل ذلك الحقد على الإخوان بالأساس لا يعدوا – برأيي- عن كونه “حالة نفسية ومرضية ” تتجلى بصورة حساسية مفرطة لدى تلك الأطراف من مصطلح “إسلامي” وهو مرض لازال يستعصى على العلاج في المدى القصير بسبب تراكمات كثيرة، ويمكن أن نستثني فقط الولايات المتحدة الأمريكية، من زاوية أننا نتفهم حساسيتها تلك في إطار مصالحها بدرجة أساس، ومصالح حليفتها الكبرى في المنطقة المسماة بدولة اسرائيل على أرض فلسطين المحتلة باعتبارها ستتأثر بالتغيير الحاصل في مصر في حال صعود الاسلاميين.

بموازاة كل ما سبق كان هناك ولا يزال هجوم شرس ومنظم يلاحظه كل مراقب، من قبل كل وسائل الإعلام المعادية للإخوان تقريباً، بهدف “شيطنة” هذه الجماعة والافتراء عليها حقاً وباطلاً، أكانت تلك الوسائل مملوكة للنظام القديم أو حتى لغُلاة الليبراليين من خصوم الإخوان التقليديين، والتي عكفت طوال العام الماضي ولا تزال إلى اليوم على بث كل البرامج والمقابلات التي جعلت المشاهد البسيط يكره الثورة والإخوان وسيرة الإخوان واللي جاب الاخوان، وقد بدا ذلك جلياً في تشويه صورة البرلمان لدى الشارع المصري على سبيل المثال، لكن تلك القوى مجتمعة بما فيها المجلس العسكري لن تستطيع – بتقديري- كسر شوكة هذه الجماعة، التي يُجمع العديد من المراقبين والمحللين السياسيين بأنها باتت تشكل فعلاً معادلة كبيرة بل ورقماً صعباً في توازن القُوى داخل مصر يستحيل تجاوزه، بغض النظر عن برامجه وأهدافه التقينا أو تقاطعنا معها، وكذا أخطاءه التي قد نتفق أو نختلف عليها.