يداً بيد نُعيد بناء أبين!

  حبيب العزي

لو لم أكن مواطناً يمنياً على دراية بجغرافيا بلدي جيداً ، لحسبتُ أن تلك المشاهد المروَّعة من الخراب والدمار التي شاهدتها هي لمدينة قندهار الأفغانية حيث اجتمع عليها الفقر والإرهاب والاحتلال منذ سنين طوال ، أو أنها “سِرْت” الليبية المعقل الأخير للمرتزقة والمهلوسين والزعران في كتائب القذافي والتي باتت بعدهم أثراً بعد عين ، لكنها كانت “ويا للهول” قطعة من وطني المنهك ،عزيزة على قلب كل يمني لديه أدنى شعور بالمواطنة ، يعي ويدرك جيداً معنى العشق للتراب والوله بالأوطان ، ويتداعى بالسهر والحمى إذا تعرض جزءٌ من جسده للأذى ، إنها محافظة أبين التي اختطفتها عصابات المافيا ومحترفي الإجرام وشرَّدت أبنائها طيلة عام أو يزيد ، أكانت تلك العصابات من تنظيم القاعدة – كما يُقال لنا- أو من ثلة مريضة من بقايا النظام البائد ، وأياً كانت هويَّاتهم فإن الثابت والمرجح لديَّ أن التنظيم الإرهابي المسمى بـ “أنصار الشريعة” هو خليط من كليهما معاً ، وقد مثلا ولا يزالا تحالفاً ثنائياً للشر، التقت أهدافه في هذه اللحظة التاريخية التي تمر بها اليمن ، فبدءا بتنفيذ مخططهما الإجرامي بُعَيْد توقيع الرئيس السابق على التنحي في الرياض ، وفور البدء بتنفيذ بنود المبادرة الخليجية مباشرة ، والذي كان هدفه الأساس هو إفشال تنفيذها على الأرض بكل الوسائل وبشتى السُّبل.

لقد استخدم هذا الثنائي” اللعين” أحقر الأوراق السياسية في تصفية حساباته -لا أقول مع الخصوم – ولكن مع كامل الوطن من اقصاه إلى أقصاه ، وهي ورقة التطرف والإرهاب، تلك الورقة التي استخدمتها كل الانظمة الفاشية في المنطقة العربية لمواجهة المد الثوري للربيع العربي ، أمثال النظام السوري المُتغوِّل حتى هذه اللحظة في سوريا ، ومن قبله الليبي الذي ذهب إلى الجحيم غير مأسوف عليه ، وهذه الورقة تعدُّ ناجعة -بتصور مستخدميها – في كبح جماح الثورات العربية عموماً ومنعها من استكمال تحقيق أهدافها على الأقل ، وفي الحالة اليمنية كان هدفها الرئيس كما أسلفنا هو إفشال تطبيق بنود المبادرة الخليجية من خلال العمل على عدة محاور أهمها المحور الأمني بغرض زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد، بحيث لا يستطيع أحد في هذا الجو الملغوم أمنياً، أكان الرئيس هادي أو حكومة الوفاق الوطني من تحقيق أي شيء على الأرض، يلمسه المواطن البسيط في مستوى الخدمات المتعلقة بأمور حياته المعيشية واليومية بسبب انشغال الجميع في هذا الملف ، الذي يصبح – في مثل هكذا ظرف حساس- ليس هماً يشغل الرئيس وحده وإنما هاجساً يُقلق كل يمني.
كما أن المحور الثاني هو العمل على إفشال وتدمير كل إنجاز يمكن أن يُحسب للفعل الثوري ، ولأن المبادرة والرئيس وحكومة الوفاق كلها من إنجازات الفعل الثوري، فكل شيء ينتج عن أحد أو كل تلك الأطراف لابد من التصدي له والتمرد عليه، بحسب مخططهم الهمجي ذاك، وقد رأينا ذلك جلياً في تمرد قيادات بعض الألوية في الحرس الجمهوري حين رفضت الانصياع لقرارات الرئيس هادي ، كما نراها وبشكل يومي في تدمير أبراج ومحطات الكهرباء ، وكلها ممارسات عدوانية باتت واضحة ومفضوحة لكل أفراد الشعب، ولا يمكن أن تَصدُر ألاّ من إنسان مريض، قد امتلئ قلبه بالحقد على كل شيء في هذا الوطن.
لقد ظل العالم بأسره ينظر إلى بلدنا طوال السنين الماضية -وبخاصة في العقد الأخير- على أنها ملاذٌاً آمناً للقاعدة ، ومأوى للإرهاب وقوى التطرف الديني ، وأنها تُصنف من الدول الفاشلة والأكثر فقراً على مستوى العالم ، الأمر الذي أثر سلباً على نظرة العالم الخارجي إلينا ، حتى أتت ثورة الشباب السلمية لتعكس للعالم صورة أخرى غير تلك الصورة القاتمة ، صورة لم يكن يعرفها ذاك العالم عن اليمنين قبل هذه الثورة ، تجسدت بوعي شبابها الحضاري، وبمدنية سلوكهم في مختلف الساحات، كما تجسدت بذاك الحضور اللافت للمرأة اليمنية التي شاركت بصناعة ملحمتها الثورية فأدهشت العالم ، وجاءت ملحمة البطولة في أبين لتتوِّج ذلك كله بصورة مدهشة أخرى لأبطال الجيش اليمني ، ذاك الجيش الذي كنا قد ظننا به الظنون طوال السنين الماضية ، واتهمناه بالجبن وبالضعف في صعدة ، فإذا بنا نكتشف أن كل تخلفنا كان بسبب سياسات النظام في العهد الماضي، وليس لأسباب تتعلق بذواتنا ، فها هو ذات الجيش يصل إلى المارقين في جحورهم ، ويستأصل شأفتهم ، وها هو الشهيد البطل اللواء / سالم قطن قائد المنطقة العسكرية الجنوبية أحد الشجعان والمخلصين من قادة هذا الجيش يُعلِّم الأفراد والضُّباط من أبناءه كما يعلم كل اليمنيين درساً هاماً في معاني التضحية من أجل الوطن ، وفي كيفية صناعة التاريخ اليمني المشرق والحديث ، تاريخ اليمن الحضاري والجديد ،الخالي من كل مشاريع التخلف بشقيه ” الفردي الاستبدادي” و”الانحراف الفكري” المتلبس بعباءة الدين.
أرى أنه بات من الواجب اليوم على الرئيس هادي وحكومة الوفاق الوطني أن يضعوا هذه المحافظة “المنكوبة” -بفعل همجية تلك القُطعان من المتعاطين لكل أصناف حبوب الهلوسة – في أولى أولوياتهم ، وأن يضعوا مهمة إعادة إعمارها وبناءها على رأس أجنداتهم ، كما علينا جميعاً كمسئولين وكمواطنين أن نتعاون ونعمل يداً بيد لأجل تحقيق ذلك ، وهذا أقل من يمكن أن نتواصى به وفاء للشهداء الذين قضوا داخل هذه المحافظة، كما وفاءً لأبنائها الصامدين.