القدس.. والرئيس الذي لا ينطق اسم إسرائيل

  عبدالله كمال

بغض النظر عما قد تثيره هذه الظاهرة من طرائف سياسية وصحفية، لا يشير إصرار الرئيس المصري محمد مرسي على عدم ذكر كلمة (إسرائيل) في أي من خطبه أو تصريحاته أية دلالة لها وزنها في تفاعلات السياسة والمواقف خصوصاً على المستوى القانوني.

لقد أعلن الرئيس مرسي أكثر من مرة التزام مصر بتعهداتها الدولية، وكانت أبرز النقاط التي أكد عليها في خطابه بالأمم المتحدة هي أنه يكرر التمسك بتعهدات مصر الدولية. وكما كان لافتاً أن الدكتور مرسي قد أبرق الى شيمون بيريز رداً على التهنئة بشهر رمضان، فإن مصر أرسلت مباشرة سفيرها الجديد الى تل أبيب بعيد لحظات من عودة سفيرها السابق هناك الذي كان قد حان وقت تبديله إجرائياً.

وبينما يردد أحد أعضاء الفريق الاستشاري للدكتور مرسي تصريحات كثيرة عن وجوب تعديل اتفاقية السلام مع إسرائيل، فإن المتحدث الرسمي باسم الرئيس يؤكد – من جانبه – مراراً أن مصر لم تطلب أي تعديل عليها. في ذات الوقت فإن جماعة الإخوان التي ينتمي إليها الرئيس لم تعد تقول ما كانت تعلنه من قبل من أنها إذا وصلت للحكم سوف تطرح الاتفاقية للاستفتاء الشعبي.. إذ تم ابتلاع هذا الموقف تماماً .

يظل اللافت هو أن الرئيس المصري كما انتبه لذلك رئيس وزراء إسرائيل، وأبلغ به دبلوماسيين أوروبيين ووسائل إعلام، لا يتطرق الى كلمة (اسرائيل) ولا ينطقها.. وهو ما تأكد أنه موقف قرر الالتزام به حين تابع الكثيرون خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة.. حيث تكلم عن (الاحتلال) بدون ان يحدد من هو المحتل.. وأدان (الاستيطان) بدون ان يشير الى من يقوم بهذا الاستيطان .

قد يكون مبرر هذا هو أن الرئيس مرسي لا يريد أيديولوجياً أن يمنح اسرائيل اعترافاً لفظياً باسمها بينما هو يؤمن بأنها (الكيان الصهيوني)، وقد يكون السبب هو أنه يريد أن يضيف تميزاً لنفسه عن الرئيس السابق حسني مبارك الذي لم يزر إسرائيل طيلة فترة حكمه، فإذا كان الرئيس مرسي لن يزور إسرائيل فإن ما يضفيه على الامر (أسلوبياً) هو انه لا يلتقي الإسرائيليين ولا يراسلهم ولا ينطق اسم بلدهم !

أياً ما كان، ليس لذلك نتيجة اضافية على أرض الواقع، بينما عمليات التنسيق والاتصال مستمرة بين القوات المسلحة المصرية التي يتولى الرئيس مرسي منصب قائدها الاعلى، وبين الجهات الاسرائيلية المختلفة بشأن عمليات ملاحقة قوى العنف الديني في شبه جزيرة سيناء.. اللهم إلا إذا قررت إسرائيل في لحظة ما أن تعود الي حملاتها المعروفة التي توظف فيها الإعلام لكي تنتقد الطرف الآخر في اتفاقية السلام.. وها هو الآن لا يكتفي فقط بسلام بارد – كما كانت تردد في عصر مبارك – وإنما يتجاهل ذكر اسرائيل.. كما أضافت مصر في عصر مرسي !

إن المشكلة ليست في هذه المواقف اللفظية، ذات الطابع اللغوي، وإنما تكمن في أنه ليس معروفاً على وجه اليقين ما هي أسس الموقف المصري من تلك القضية المحورية في السياسة الخارجية المصرية.. القضية التي تتعلق بملف مستقبل فلسطين والصراع مع الاحتلال الاسرائيلي وتأثيره على الامن القومي المصري .

وفي ذات الوقت الذي لم تبذل مصر (الجديدة) بعد ٢٥ يناير أي جهد يؤدي الى رفع الضرر عن الملف الفلسطيني بعد ان وضعته الاهتمامات الدولية بالأوضاع العربية المتفجرة خلال العامين الماضيين في الثلاجة العالمية.. فإن من الواضح ان مصر معنية أكثر بإعادة موضعة نفسها بين طرفي التناحر الفلسطيني مقارنة باهتمام أقل بأن تحدد كيف ستدير الموقف بين الفلسطينيين وإسرائيل.

على هامش هذا، وقعت التصريحات المصرية في هفوة غير مبررة – او انه خطأ سياسي ساذج – حين تحدثت القاهرة رسمياً عن وجوب تنفيذ الجانب الخاص بالحكم الذاتي الفلسطيني في اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، على أساس أن الموقف الحالي للتفاوض والصراع قد تجاوز مرحلة (الحكم الذاتي) في ظل وجود سلطة تتفاوض من أجل إعلان دولة تأمل ألا تكون منقوصة السيادة .

في كلمته امام الجمعية العامة للأمم المتحدة – وهي ذات أهمية بالغة من حيث إنها تحدد السياسة الخارجية للدولة – لم يتطرق الرئيس مرسي الى ما هي حدود الدولة الفلسطينية المستقلة التي أكد على وجوب إعلانها.. كما أنه آثر أن يصف القدس التي يريدها أن تكون عاصمة لتلك الدولة بأنها (القدس الشريف) بدلاً من أن يشير إليها بأنها (القدس الشرقية).

مفهوم (القدس الشرقية) وفق ما يعرف الجميع يطلق وصفاً على المناطق التي خضعت لإدارة الأردن قبل أن تحتلها إسرائيل في ١٩٦٧، وهو احتلال لا يعطيها حق التملك والسيطرة القانونية على هذه الأجزاء من القدس.

وعلى جلال وبريق تعبير (القدس الشريف)، الذي لا يمكن وصفه إلا بأنه (مصطلح أدبي له دلالة روحية) الا أنه لا يشير على وجه اليقين أي قدس يريدها من يستخدم ذلك الوصف، خاصة أن الوصول الى تحديد (القدس الشرقية) مرتبط بإطار قانوني – جغرافي أشمل لأراضي الدولة الفلسطينية المأمولة على حدود عام ١٩٦٧.

فيما يبدو فإن هذا الغموض والالتباس في الموقف المصري لا يعود الى مقاربات قانونية جديدة تم ابتكارها، أو رؤى سياسية أو استراتيجية تقرر إعلانها وتتعلق بالملف الاكثر تعقيداً وتراكماً في السياسة الخارجية المصرية، إنما يعود الى أن الرئيس مرسي يميل الى الانصات للطرف المسيطر على غزة، أي حركة حماس، التي لا تحدد ما هي أرض الدولة التي تريدها كما أنها لا تشير الى أي قدس تريد.. مقارنة بتباعد ملموس وواضح بينه وبين السلطة الفلسطينية في رام الله.

وقد يكون الأمر أبعد من (الانصات) لحماس، بل يصل الى حد تبني الموقف بالكامل للإسلام السياسي الذي يمارس (سكوتاً سياسياً) عن توصيف ما هي حدود الدولة التي يريدها لفلسطين.. على اعتبار ان هذا الصمت عن الاساس الجغرافي للدولة ربما يكون مرضياً للقواعد التي تنتمي لتلك الجماعات بدون ان يفرض عليها التزام معين تسعى اليه.

إن المراقب الملاحظ لموقف حماس في علاقتها مع إسرائيل يرى أن قيادات الحركة لا تنطق اسم إسرائيل، وتسكت عن الإطار القانوني والجغرافي لأراضي الدولة الفلسطينية، وتتكلم عن القدس الشريف لا القدس الشرقية، وفي ذات الوقت تقول إنها ملتزمة بالهدنة مع الاحتلال.. فهل هذا يعني أن الرئيس مرسي قد جعل من منهج حماس مرجعية لما يتبناه أيضاً؟!