ضحايا الصرخة

  محمد العمراني

بينما كان اليمنيون يحتفلون بالذكرى الخمسين للثورة اليمنية كان الحوثيون يحتفلون بالذكرى الحادية عشرة لما يسمونه “الصرخة” في تجاهل لافت للثورة يضع الكثير من الأسئلة حول حقيقة الموقف من الثورة اليمنية وحقيقة الحركة الحوثية على حد سواء.

والصرخة هي ذلك الشعار المعروف الذي يصر الحوثيون على ترديده بطريقة تبعث على الضحك بحسب تعبير السفير الأمريكي بصنعاء في أحد تعليقاته على شعار الموت لأمريكا , والذي ظهر مع الثورة الإسلامية الإيرانية التي أطاحت بنظام الشاه في إيران عام 1979 م كما يشير الباحثون.

في الحقيقة , الحركة الحوثية تبدو كمشكلة اجتماعية بشكل أكثر وضوحا منها حركة سياسية لها مشروعها السياسي الواضح , فالحوثية حركة غامضة سياسيا ربما لأنها تريد ذلك ولكن آثارها على السلوك الاجتماعي يبدو ضارا.

في علم النفس يتحدثون عن ما يسمى “برمجة العقل بالتكرار” , وسواء كان هذا التكرار داخليا أو خارجيا فإنه يعمل على توليد القناعات والأفكار التي تتحكم لاحقا بالعقل اللاواعي.

ذلك ما يمكن أن يفعله التكرار بشكل عام, لكن تكرار شعار الصرخة و الموت واللعنة وهذا النفير الكبير للحوثثين في نشر الشعار له أبعاده الاجتماعية في تعبئة المجتمع والعقل بثقافة عنيفة.

مجرد ترديد الشعار بهذه الطريقة ونشره على هذا النحو الواسع هي محاولة لإخضاع المجتمع للقبول بهذه الثقافة.

محاولة توليد عقيدة ترتكز على الموت والقتل والسلاح كثقافة, بحسب الناطق الرسمي للحوثيين قبل أيام, وتحفيز الأتباع لاعتناق عقيدة من هذا النوع لن يولد في المجتمع على المدى الطويل والقصير غير العنف, والعنف لا يعني الحرب بل هو ثقافة صعبة المحو حين تندس في المجتمعات وتمزق الأنسجة, والثقافة هنا تعني تفشي القسوة والعنف ابتداء من تعامل الأسرة والمدرسة وانتهاء بالدولة كأسلوب للتعامل مع كل القضايا.

والعنف دائما مرتبط بالمخيال الجماعي اللاواعي و تغذيه المعتقدات والأساطير والرموز. أي أنه نتاج مأزق علائقي بحسب تعبير مصطفى حجازي في كتاب “مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور”.

ومصطلح الإنسان المقهور هذا يذكرنا كثيرا بمفهوم “المظلومية” ذلك الذي تعامل معه الباحثون كمشكلة تحتاج إلى حل وليس إلى حرب.

بهذه الطريقة ينشأ اليوم جيل يمني يتم تعبئتهم أيديولوجياً على نحو يجعلهم ينسون كل تفاصيل حياتهم من أجل شعار يقوم على ذات الثقافة, ويستعدون في كل لحظة للحرب التي لم يفكروا أبدا من سيكون أطرافها ولا ما هي عواقبها لأنها في تصورهم ستجلب “النصر للإسلام”.

وبدلا من أن يهتم الشباب بالعلوم الحديثة واللغات والبرامج النافعة للمجتمع, أو على الأقل أن يمارسوا حياتهم الطبيعية دون أن يكونوا مضطرين لتمثيل أدوار من التدين الخادع أو البطولة الحربية الزائفة لتتحول لاحقا هذه الأعمال إلى قيم عليا للمجتمع يجري تسويقها في الأجيال كمآثر للتنافس.

لم يقدم الحوثي شيئا على المستوى الاجتماعي, لا جمعيات خيرية ولا مدارس ثقافية تعلم الرياضيات والكمبيوتر ولا مؤسسات أو شركات يمكن أن تثمر على المستوى الاقتصادي, ثم هو على المستوى السياسي يقدم نظرية متخلفة في الحكم وفي شكل نظام الحكم تنتمي إلى الماضي وتجتر مآسيه.

عوضا عن ذلك يقدم الحوثي مجموعة من الشباب تم تدريبهم على العداوة والموت كثقافة والعنف والسلاح كطريقة للتعايش.

لاحظ مثلا, أي كاتب أو ناقد أو باحث يمكن أن يتعرض للحوثي فإنه يجب أن يختار ألفاظه بعناية وبشكل هادئ لأنك ربما تستلم رسالة أكثر وضوحا من رسالة قصيرة على الموبايل أو الفيسبوك, شيئا ينسجم تماما مع تلك الثقافة المرعبة.

حين نقول إن الظاهرة الحوثية هي ظاهرة اجتماعية فنحن نتحدث عن طريقة صلبة في التأييد والنصرة وعن شكل صارم من التحيز قائم بالأساس على أساس ديني ومحمول بأكتاف قبلية شديدة الولاء والتعصب.

من المعلوم أن أخطر التحيزات تلك التي تقوم على أسس يعتقد أصحابها أنها دين واجب الاتباع, لأنها تتميز بدرجة عالية من التصديق والثقة حتى إنه يمكن جدا أن يؤمن الأفراد مثلا بأن حسين الحوثي لم يمت بعد أو أن هناك بشارات بقدومه وأشياء أخرى تبدو غريبة جدا وغير منطقية , لكن النص الديني قادر على الإقناع بطريقة مذهلة يمكن معها تسويق أية فكرة مهما كانت غير خاضعة لاعتبارات العقل. ذلك أمر ثابت في التاريخ، والإسلامي منه على الخصوص.

حين تحدث ابن خلدون عن العصبية كظاهرة اجتماعية, أعني العصبية بمعناها السالب تلك التي يمكن أن تعرقل قيام الدول واستقرارها, قال إنها تشتد وتبرز عندما يكون هناك خطر يتهدد الجماعة, وكما هو واضح بأن أمريكا وإسرائيل لن تزولا عن قريب ولهذا يتم التعبئة الآن بطريقة مرعبة لأنك حين تستمع تلك الصرخات في ذكرى الصرخة – كما يسميها الحوثيون – يخيل إليك أننا سنغادر المكان حالا إلى ساحة حرب ننتصر فيها لمظلومية الحسين وندحر أمريكا وربيبتها!

سيكولوجياً وسوسيولوجياً,, ماذا تتوقع من شاب ينهك نفسه بشكل كامل في نشر شعار “الموت” وترديده بحماس وبشكل مستمر؟ حتى لو كان هذا الموت صحيحا ومستحقا!

في العالم المتقدم الآن, يخضع الجنود الذين يشاركون في الحروب والنزاعات لعلاج يعيد تأهيلهم اجتماعيا حيث في الحروب يكون القتل عملا سهلا, وتقل معها حقوق البشر إلى أقل ما يمكن, هذه المشكلة تستمر وتحتاج لنوع علاج.

الحوثيون اشتركوا في الحرب ثم دخلوا فيها كضحايا لكنهم بعد ذلك كما يبدو أدمنوا هذا النوع من الحياة والتدريب عليها, فالمحارب هو بالأساس مشروع للموت سواء كان هذا الموت في سبيل الله أو في سبيل الموت ذاته, وعلى هذا النحو يبني كل تصرفاته وطريقة عيشه.

وحين يتوقف مشروع الحرب والتهييج يتحول هؤلاء الأفراد إلى عاطلين عن العمل أو باحثين عن حرب.

الطبيب الجراح يفكر دائما كيف يستخدم المبضع, و العسكري في الميدان لا يفكر بحوار, بل في الهجوم والمباغتة, والمحارب ينظر دائما إلى الأمور من مشوف البندقية, وحين تتخرج من نادي الكاراتيه فإنها ستكون طريقتك المفضلة في التعامل مع الخصوم, وهكذا. ذلك ما نطلق عليه الثقافة.

هذه أمور يجب أن تدرس بعمق وبجدية حتى لا تتعمق بشكل أكبر. أعني كظاهرة في الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع.

سابقا شاركت بعض الأنظمة في تهييج الشباب العربي لمقاتلة الروس بحجة الانتصار للإسلام والجهاد في سبيله, لقد كانت أيضا تفريغا لشحنات الغضب في شباب تربوا على مفردة الجهاد أكثر من أي شيء آخر, ثم تحولوا بعدها مشكلا حقيقيا أقض مضاجع العالم كله, حاليا يجري التعامل معهم كضحايا تمت برمجتهم بطريقة لا تعرف من الحياة والدين والثقافة إلا كلمة “وقاتلوهم”.

المشكلة ليست سياسية بحيث يمكن التعامل معها عن طريق التحالفات وموازين القوى وإعادة التوزيع الديموجرافي, لكنها في الأساس قضية اجتماعية وظاهرة نخشى أن تزرع ثقافة تضيف عامل تمزيق لنسيج مجتمع لم يعد محتاجا لسبب تمزيق.

في الحقيقة يقدم علم الانثروبولوجيا (دراسة وتفسير سلوك الإنسان) والاجتماع أكثر من طريقة للتعامل مع ظواهر من هذا النوع سواء عن طريق دراستها كظواهر فردية كما يقترح “بودون” باعتبار الأفراد هم المسئولون المباشرون ومن هنا يتوجب البحث في سلوكيات الأفراد التي تشكل الظاهرة الاجتماعية, أو دراستها بمقارنتها تأريخيا بمثيلاتها كما يقترح المنهج التأريخي أو محاولة إعادة بناء مشاعر الأفراد والجماعة أيضا كما يقترح المنهج الاثنوجرافي, أو مقارنتها بالمجتمعات الأخرى كما يرى “جيمس فريزر” وهكذا..

لسنا في قاعة للدرس , لكني أردت أن أقدم وصفا لظاهرة آخذة في الانتشار ستعمل قطعا على إعاقة التنمية والتحول نحو المجتمع المدني المنشود القائم أساسا على نبذ ثقافة الكراهية والعنف وغرس قيم النبل والتسامح.

هذه ظاهرة حقيقية يجب أن تنتهي وأقصد بالظاهرة هنا ظاهرة التعبئة والتحفيز والعيش في وهم العدو الذي يخطط ليفتك بنا, ثم تبدأ المناوشات هنا وهناك لندخل بعدها في مرحلة الثأر والغرم والجبر لمن قضوا في معركة التعبئة لتفيق الدولة والمجتمع على أصوات البنادق, والبنادق حين تتكلم فإن العقول ستخرس إلى حين.