طفل يمتلك اليقين

  جمال حسن

في أي العصور نحن نعيش، فبعد مرور قرن على ثورة “النسبية”، مازلنا نسكن أرضاً مزحومة باليقين، وكلما زادت حمولتنا من اليقين، قلت فرصنا في الحياة، حتى الطفل المحمل بإيمان أعمى، بدلاً من نسج خيوط اللعب، يأتينا وعلى يديه آلات فتك، ومن فمه تخرج السموم.

مؤخراً ألقى عبدالملك الحوثي خطاباً في ذكرى يوم الغدير، أو يوم الولاية حسب معتقد شيعي، وحتى أكون منصفاً، فإن من حق أي شخص الصعود على أي منصة والإدعاء بأنه إله، لكن دون إرغامنا على تصديق ما يقوله من ترهات، مع أنه بالطبع، من الاستحالة أن يبلغ الادعاء هذا الحجم، والحوثي يؤكد بخطابه الأخير أنه امتلك الله، فبغير اتباعه سنكون كفاراً وأن ولاية الله تجري في دمه، وغير ذلك ولاية للشيطان، هل يعقل أن نكون في القرن الواحد والعشرين، وبهذا القدر من الرعونة يأتي طفل ليخبرنا بهذا التسليم بأننا بدونه سنتبع الشيطان، وإذا كان لديه خلل بهذا الحجم من النزوع للسادية، أرست منذ القدم تلك الصلة بين المُلك والملكوت؛ أن يكون رأس الحكم هو الكهنوت.

كان من حقه الاعلان عن أي شيء، حتى أنه مرآة الله في هذه الأرض المثقلة بالمسلمات كما بالخرافة، دون أن يحمل هذا القدر من غصبنا وتكفيرنا، الآن اتذكر تنطع بعض الحوثيين، بعضهم صحافيون، وهم يؤكدون أنهم غير تكفيريين، واليوم الحوثي يعلن تكفيراً جماعياً، دون خجل، يلغي وجود هذا العالم، لا يعبر فقط عن جهله بهذا الوجود، وبقيم التعدد والاختلاف، بل بامتهانه كل شيء آخر ليس هو، من جهة أخرى، لدى الانسان رغبة عاتية في الإذعان، ولدى المستبد إذعان مماثل لساديته، فهو يرتدي عبودية الله التي تنصب إليه أو تسير عبره، إنه أشبه بممثل مع اختلاف جوهري، فهو يريد أخذك عنوة إلى حقائقه هو، إرغامك على هذا الفعل المشين؛ التخلي عن وجودك، حقيقة مثولك في لطمة الحياة المنعشة، لتنجر وراء سوداويته ملتذاً بتجهم طباعه.

بوسعنا تقبل أي نوع من الجنون، ما دامت “سفينة الحمقى” تركض بحرية ولا يمكن حجرها. إلا أنها لا تكتفي بالركض، فاتحة للجميع حرية اللحاق بها، بل تحمل سوطاً من أجل قسر الجميع، وهذا السوط، ولو لم يمتلك القوة الكافية لجعلنا جميعاً مذعنين لها، فهي بلغت مرحلة تكفير جماعي، وهي حالة أسوأ من كآبة سيد قطب، التي دفعته لوصم العالم بالكفر، تلك النظرة الشمولية، التي تكتنز العالم إلى ثنائية، أنا المثالي، وآخر فاسد، تعلن اليوم كآبة الحوثي عن يأس، هذا التصريح الفج، ربما نوع من الخسارة، لكن ميزانه يقتصر على التسلح، ومؤخراً نعرف أن علي صالح قام بتسليح الحوثيين، حتى أن أطراف العاصمة صنعاء، وبالتحديد قرية بيت بوس، وحزيز، جاهزة بميليشيات حوثية، وكان قبل شهر أخبرني أحد الحوثيين بأن حرباً كبيرة ستحدث في اليمن، وهذا ما يجهز له الحوثيون، وخطاب يوم الولاية، هو إعلان مبدئي لعنف يستعد الحوثي له، ومع أنه غير قادر على خوض ذلك، لما سيكون لها من تبعات ضده، إلا أنه في الوقت نفسه يلعب أجندة منوطة له ويحاول الحصول على مكاسب معينة، لأنه لم يبالِ بخسارته الأكبر، وهو كشف الاقنعة، التي طالما حافظ على إخفائها طيلة تواجده، كمدافع عن نفسه من حرب تُشن عليه.

هناك نوع من الجنون يأسرك بفكاهته، بما أنه جنون يتلاعب بالحقائق، لمصلحة الفكاهة. أما هذا الجنون يريد الحد من وجودك بما أنه يقين، يتربع على منصة، شاب مغلف برطانة تقليدية، ودون امتلاك حتى أساليب الخطابة الذكية، مجرد أنين ممطوط، مثقل بالتباطؤ، وغير ديناميكي، على طريقة الفقهاء القدماء في أجزاء محددة من اليمن، ويطلب منك التخلي عن ذاتك، لإشباع ذات هي غول، تنمو كعشب ضار يعيش على حيوات الآخرين.

في خطابه يقول إن ولاية الله التي مُنحت لعلي، تجري في دمه، والعالم مقسوم إما له، أو لتبعية الشيطان والتي تمثله اليوم امريكا واسرائيل. في الواقع وأنا أشاهد صنعاء والمدن اليمنية، الخالية من فضاءات لعب، فإن الطفولة البائسة ببساطة تتحول إلى يقين مستعد لممارسة كل أنواع القتل والتنكيل. حماقة تخلو من أي ظرف. وثمة حمقى يركضون في طواف حنقهم من الاصلاح لموافقة الحوثي أو بتسطيح يساري كبير، باعتبار أن الحوثي وحده يلعن امريكا واسرائيل. لكن هل يسمح المثقف لنفسه الغوص في وحل بهذا القدر من العبودية والتخريف.

بالنسبة لأنصار الحوثي، فإن توهمهم يجعلهم يتصورون أنهم في لحظة ما، سيكونون التابعين الأولين، أو شكلاً آخر على نمط “الصحابة”. فالمازوشية المطواعة، هي قناع من ورائها تنشأ سادية استبداد مترابطة، فهو يمنح اتباعه حد التمايز، إمكانية امتهان حيوات أخرى متاحة، طالما مستمد ذلك الامتهان منه، لكن نسبية اينشتاين تؤكد نفسها بصورة ما، فنحن نعيش في عصر الفضاء الرقمي، والتعدد، مع ذلك ليس هو نفس الزمن الذي نعيشه، رغم تماثله في التاريخ معنا. كم هي بلدنا مثقلة، مفخخة بالعنف والخوف.