اليمن: صراع داخلي.. وتدخلات خارجية

  مانويل ألميدا

قد يُروى تاريخ شعب معين في ضوء تعامله مع التدخلات الخارجية المستمرة في شؤونه، ربما يكون ذلك هو التوصيف الأدق لحالة اللبنانيين وأسلافهم، فالدولة التي ندعوها لبنان اليوم لم تكن بمنأى على الإطلاق ضد الغزاة الأجانب، بدءا بأطماع اليونانيين والرومان في ثروات الفينيقيين إلى محاولات الحملات الصليبية والخلفاء والسلاطين السيطرة على المنطقة، يفسر هذا التنوع الذي يتمتع به المجتمع اللبناني، الذي استخدم الجبال لقرون كملاذ من الاضطهاد الديني.

لم ينته التدخل الأجنبي بانتهاء الانتداب الفرنسي على سوريا عام 1943، واستقلال لبنان تبعا لذلك، لكن مستقبل دولة لبنان لا يزال حتى اليوم رهينة لارتباط أجندات داخلية بأجندات خارجية، وأبرز الأمثلة على ذلك الاغتيال الصادم لرئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري واستمرار حزب الله، المشارك في الحكومة، في العمل كوكيل لرعاته الإيرانيين.

في أقصى الشرق، اعتاد الأفغان على وجود الغزاة الأجانب، ودائما ما كان حكامها يرفضون بناء طرق التجارة التي تربط أفغانستان بجيرانها خشية التحول إلى شبكة لمسارات الغزو.

وعلى الرغم من سهولة غزوها، إلا أنها استعصت على الانقياد بسبب بأس قبائلها وسلاسلها الجبلية الوعرة والصحاري، وآخر من أعاد اكتشاف هذه الحقيقة الأبدية كان الناتو والأميركيون.

أيضا، اعتاد اليمنيون على التعامل مع الأجندات الاستعمارية للقوى الأجنبية، ولذا قاموا ببناء قراهم في الصحاري القاحلة وعلى الجبال العالية التي يصعب الوصول إليها، وعلى الرغم من حصول حكامها الزيديين في الشمال على الاستقلال الكامل من الحكم العثماني عام 1918، اضطر الجنوبيون إلى الانتظار حتى عام 1967 مع رحيل بريطانيا لإعلان قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

وبعد مقتل الإمام أحمد بن يحيى عام 1962 أدت محاولة ضباط الجيش للاستحواذ على السلطة وإعلان قيام الجمهورية العربية اليمنية إلى دخول البلاد في حرب أهلية، بين العائلة الملكية ومن يوصفون بالجمهوريين، وبعد ست سنوات من الحرب الأهلية أعلنت الجمهورية العربية اليمنية رسميا.

في أعقاب الاتحاد بين الشمال والجنوب عام 1990 وحكم علي عبد الله صالح الذي امتد لـ21 عاما، وصلت الثورات العربية في النهاية إلى اليمن، لم تكن الولايات المتحدة أو أعداء اليمن ضالعين في هذه الثورات كما كان صالح يعتقد دوما، كانت المظاهرات تقوم على مطالب داخلية مشروعة شتى، اقتصادية وسياسية وحقوق اجتماعية كانت غائبة بشكل فج إبان حكم علي عبد الله صالح، لكن التدخل الأجنبي في السياسة اليمنية تحول مرة أخرى إلى قاعدة، ويمتلك مقومات تقويض التقدم السياسي الضعيف الذي تحقق حتى الآن في ظل رئاسة عبد ربه منصور هادي، القائم بأعمال الرئيس.

لم يكن كل التدخل الأجنبي في اليمن على الدوام ذا عواقب سلبية، فقد زودت دول جوار اليمن الخليجية، خاصة السعودية، صنعاء بالنفط والكثير من الدعم المالي المطلوب لمواجهة العجز في ميزانياتها.

ولعل المثال الأوضح على عظم الفائدة التي يمكن أن يمثلها التدخل الخارجي، الدور الذي لعبته الأمم المتحدة ومبعوثها لليمن، جمال بن عمر، في ضمان مشاركة كل الفصائل السياسية في المحادثات. وفي الوقت ذاته، مارس الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، ضغوطا على الأطراف المعارضة لإجراء حوار وطني في اليمن، بالتهديد باللجوء إلى العقوبات ضد أي لاعب يمني يحاول تقويض العملية.

ما يزيد الحيرة ذلك الوجود الكثيف لتركيا في اليمن منذ بداية الثورة في عام 2011، فبعيدا عن المساعدات الاقتصادية التي تقدمها تركيا، هناك الكثير من التكهنات بشأن تدخل الدولة الاستعمارية السابقة في اليمن. وكمثال على ذلك، تتهم المعارضة التركية حزب العدالة والتنمية الحاكم بتهريب الأسلحة إلى اليمن لدعم المجموعات السنية المتطرفة لتحقيق أجندتها العثمانية الجديدة في الهيمنة الإقليمية. ومن بين وسائل إعلامية أخرى، ذكرت صحيفة «زمان» التركية اليومية أن السلطات اليمنية والإماراتية قد نجحت خلال العامين الماضيين في ضبط شحنات غير قانونية من بعض الأسلحة الخفيفة التي تم تصنيعها في شركات تركية وكانت في طريقها إلى اليمن. ومع ذلك، أعلنت وزارة الخارجية التركية أن الحكومة التركية لم تسمح بمرور مثل هذه الشحنات.

وصارت احتمالية تحول اليمن إلى ساحة حرب باردة بين دول جوار اليمن القلقة وتركيا وإيران مثار قلق كبير. فالدعم الإيراني المالي والسياسي واللوجيستي للكثير من اللاعبين في جنوب اليمن، ومن بينهم بعض زعماء جبهة «الحراك»، التي تضم علي سالم البيض، رئيس اليمن الجنوبي السابق (والمقيم حاليا في بيروت)، وأعضاء مختلفين من الحزب الاشتراكي اليمني، تثير القلق بشكل خاص.

التدخل الإيراني قادر على تقويض الحوار الوطني في بداياته، وبالنسبة لليمن لا توجد خطة بديلة. لا شك أنه لم يكن مصادفة أن يكون البيض زعيم المعارضة الوحيد في جبهة «الحراك» الذي يرفض المشاركة في العملية ما لم يطرح على الطاولة قضية انفصال بين الشمال والجنوب.

سواء اختار اليمنيون الوحدة أو الانفصال – الأكثر الاحتمالية من وجهة نظري – كنتيجة للحوار الوطني أو بعد استفتاء شعبي مستقبلا، فقد حان الوقت كي يساعد اليمنيون أنفسهم. وللقيام بذلك تحتاج كل الجماعات إلى تجنب إخضاع المصالح الوطنية – إذا تمكنوا من تحديد المصالح الوطنية – إلى أجندات القوى الأجنبية.

* مساعد رئيس تحرير «الشرق الأوسط» و«المجلة»