جرحى وشهداء الثورة بين مفهومي دولة الرعاية والجباية

  عبدالهادي العزعزي

دولة الجباية: هي دولة تضخم الميزانية وأغلب دخلها وإيراداتها ، لرفاهية رجال الحكومة، وإن كان ذلك بامتصاص دماء الفقراء، وشقاء الفلاحين والعمال، والضرائب مجحفة وإتاوتها مرهقة، فلا تعني هذه الضرائب للحكومة إلا بما يزيد في مواردها وماليتها، وبما يهيئ للقائمين بالأمر من الوزراء ورجال الدولة والمتصلين بهم أسباب الترف والنعيم والبذخ.

دولة الجباية، لا تلتزم بأي شيء للمواطنين، وهى تُنعم على الجابين من عمالها، وتفرض أنواعاً من الضرائب والجبايات تحت أكثر من مسمي، وهى الدولة التي يكون فيها دخل الفئات المسحوقة متدني إلى درجة عدم القدرة على العيش ،ولا يهمها أمر الأعمال والسلع والخدمات والاقتصاد ولا أمن العامة من الناس، وهي تصادر وتبطش، ولا تنظر إلى المواطنين سوى أنهم خدام للحاكم.

الحكام يفاخرون أنهم يحكمون ويعتبرون حكمها مِنًة على الشعب وحين يكون للمواطن أي استحقاق لا يمنح له سوى من باب الفضل والتفضل والهبة كأنه كرم الحاكم وعطفة لا أكثر، وعلى المواطن أن يدفع ثمن كل شيء وكل خدمة تقدم له أو واجب تقوم به الدولة نحوه، وهكذا فإن حدثت مجاعة أو تحركت الأسعار فهذا ليس من مهام الحكومة بحجة اقتصاد السوق وحرية التجارة ،وان طلبت خدمة الأمن فعليك أن تدفع أجرة العساكر وتشتري الورق وأن جرى احتجازك عليك أن تحمل بطانيتك وكل مستلزماتك معك إلى السجن.

دولة الجباية توفر مكان احتجاز لا إنساني بكل المقاييس ،والحمد لله الدولة عندنا تختلف جداً إلى درجة أنها أسوأ من دولة الجباية بمراحل ،فنحن البلد التي غرقت في صناديق الجبايات (الشباب والرياضة الإنتاج الزراعي النظافة والتحسين، التراث ورفع المخلفات والطرق والجسور)، ورسوم الاشتراك في خدمة المياه والصرف الصحي والكهرباء والهاتف ورخص البناء والتعليم الموازي و…. إنها إتاوات لا سند دستوري لها فنحن في بلد ندفع ثمن كل شيء ندفع رسوم من شهادة الميلاد حين نخلق إلى شهادة الوفاة حين الموت، إنها رسوم بسيطة في نظر الحكومة ندفعها من أجل راحة الحكام ورجال الدولة، هكذا تفهم دولة الجباية أمر دفعنا لها ولا تعلم أننا نكره ونقسر بدفعها، لعل نظرة بسيطة إلى القانون المالي المركن في الرفوف كافي لاشرعية مكافآت الوزراء والوكلاء والنواب التي تبلغ لشهر واحد للفرد الواحد منهم اكثر من ما يتقاضاه عشرون موظف كأجور عن نفس الشهر !!!!!!

والأبشع أن هناك مكافآت لهؤلاء تقارب مائة الف دولار في العام للوزراء ورؤساء المؤسسات بحكم عدد المؤسسات والصناديق والهيئات التي يترأس هؤلاء مجلس أدارتها لأنها تتبعهم، ولا نعلم وفق أي قانون تعطي مكافآت لموظف كان خارج البلد في سفر ويحسب له بدل سفر وخلافه ومكافآت في ذات الوقت وهو خارج البلاد، أن مكافآت مدير مكتب الوزير في أي وزارة تقارب راتب ستة موظفين شهرياً، فهو في كل لجنة وكل كشف يمر على مكتب الوزير بالضرورة يكون اسمه مسجل فيه، هذا الذى نعلم وما لا نعلم أعظم دون شك، هل يعلم وزير المالية أن المكافآت والأجور الإضافية يجب أن لا تزيد عن نصف الراتب في القانون المالي للبلد؟؟؟

دولة الجباية (مثل أقفال الحاج علي في تعز، ذلك التاجر الساخر الذى يفترش الأرض يبيع أقفال مستخدمة ويقول لك قفل مليح اصلي ممتاز، لكن لا تركن عليه إن قفلت به بابك أجلس جنب الباب أحرسه وأنت تدفع له الثمن عن القفل) تلك هي دولة الجباية باختصار وهذا النموذج من الدولة هو امتداد لدولة العصور الوسطى، التي لا تعرف الالتزام والمسؤولية.

دولة الجباية تجند الناس، وتعتمد على المليشيات وتمانع أن يكون لها جيش نظامي وطني كمؤسسة كي لا تجد نفسها مقيدة به وبحاجياته، وبالتالي يتحول إلى مؤسسة وذهنية الجباية تتعامل مع شعبها على انهم سخرة أو قنانة غير معلنة فحين يسقط من هؤلاء شهداء وجرحى لا تكون ملتزمة حتى بعلاجهم وهى تعوض كبيرهم ليحل بطريقة إشكالات ذوي الضحايا الذين يكنوا من عصبية الحاكم ويوهمهم أن تضحياتهم من أجل بقاء عصبيتهم في الحكم.

إن وجود مليشيات بأي مسمى قاتل لنمو المؤسسة الوطنية الجيش، قبل أيام وجدت أحد أبناء قريتي وقد كان عُسكرياً في سلاح الصيانة لمدة أربعة اشهر وتقاضى راتباً وتم الاستغناء عنه بحجة عدم ترقيمه؟؟؟ كما قال لي.

لكن كيف تقاضى هذا الراتب أربعة أشهر؟ من أي اعتماد صرفه؟ وكيف سقط ولم يُرقم؟ وخُيل لي أنه سيارة لم تصدر لها لوحة (رقم) ،ثم إسقاطه رمى أبن الفلاح بعد عناء ستة اشهر كاملة لا يملك في يده سوى أوراق أثبات معيته وشهادة إنهاء الثانوية العامة.
كيف تفسر وزارة الدفاع ذلك؟

هذه المفاهيم والسلوكيات تتناقض تماما مع مفاهيم وسلوكيات دولة الرعاية، دولة المسؤولية المحددة والمقيدة بالعقد الاجتماعي (الدستور) والقانون التي لا تفرض شرائح ضريبيه إلا وتحدد كيفية إنفاقه والحساب عليه ،وهى تهتم بأمن المواطنين وسلامتهم باعتبارهم راس المال الحقيقي ،وتعتبر الصحة من مسؤوليتها ولا تتعامل باستهتار مع حياة المواطنين، كما أنها مسؤولة تامة المسؤولية عن الكليات الخمس النفس والنسل، والدين، والمال والعقل بكل تطوراتها ،الدولة المعنية باحترام حقوق الإنسان والملتزمة بالإعلان العالمي للحقوق الإنسان، الدولة التي تتعامل مع الجميع بمن فيهم رجال السلطة على أنهم مواطنين لا تمايز بينهم وهى ملتزمة بالتعليم والصحة والعمل والتنمية العامة. فلاسفة العقد الاجتماعي، إن الدولة نشأت في أعقاب نهاية عصر الإقطاع، بموجب عقد بينها وبين مواطنيها..

تقدم لهم الخدمات الضرورية التي هم في أمس الحاجة إليها، وفي المقابل يمنحونها تفويضاً بالحكم نظير رعايتها لهم.. من الغذاء والدواء والمسكن والعمل ،ومن حق مواطني الدولة المطالبة المشروعة بإشباع حاجاتهم الضرورية.. على دولة العقد الاجتماعي، توفير تلك الضروريات لمواطنيها، حتى لا تفقد شرعية الوجود والبقاء لها.
الدولة الراعية تخلق نموذجاً يكفل للسكان إمكانية الحياة الآمنة المستقرة، والأمن والاستقرار لا يتحققان إلا بتوفر الضروريات اللازمة للمعيشة، خاصة في ظرف أصبح كل من التعليم والإسكان والعلاج، من أهم الخدمات الاجتماعية التي لا تستقيم حياة الإنسان من دونها.

أمام تلك المفاهيم لكلا الدولتين الجباية والرعاية، اللتان تملكان تفويضاً بالحكم في موارد البلد تظل مسألة تحديد مهام الحكومة وواجبتها في مقابل حقوق المواطن وواجباته مسألة في غاية الضرورة ،اليوم لدينا عقد اجتماع ولدينا مرجعية كاملة قائمة ،لكن هناك العشرات من الضرائب والجبايات غير القانونية والمخالفة، وهناك العشرات من الالتزامات لا تنفذ من قبل الحكومة للمواطنين ،وهناك صمت رهيب من المواطنين ،لأن الوعي الذهني القائم اليوم لا يزال لصالح دولة الجباية التي من المفترض أن تنتهي ذهنيا،وليس لصالح دولة الرعاية ،من ما يعني أن نص التشريع في القانون أو في العقد الاجتماعي متقدم على الوعي العام للشارع .

وهذا يكشف هشاشة القوى المدنية الحداثية التي تقود معارك سياسية استهلاكية استنزافية غير مدنية وتبحث عن حضور إعلامي لا حضور مدني حقيقي لأنها لو كانت كما تدعي أنها تحمل مشروعاً حداثياً فعلياً لاتضح ذلك المشروع في عمل على الأرض لتدعم مؤسسات المجتمع المدني الحقوقية والمطلبية عبر النقابات والاتحادات والجمعيات والروابط المهنية والإبداعية، وتعزيز تواجدها في كافة مؤسسات المجتمع ،،،لكن الهشاشة الفكرية التي هي معضلة في سياقات الوعي العام تستدعي وعي دولة الجباية والإمارة السلطانية وتكرس القوى التقليدية المتجذرة باستدعاء الصراع معها ،في حين أي مشروع جديد لا يحتاج إلى خلق عدوات وصراع إزاحة بقدر حاجته إلى مزيد من الأصدقاء ليؤصل لنفسه ذهنيا كجديد ونعرف أن أي جديد يتعامل معه الناس بنوع من الحذر في واقع حذر متربص مشحون بماض صراعي لا منطقي مع تدني الوعي وسيادة ثقافة اللامبالاة الفردانية وغياب التضامن الجمعي،،،،

هنا تكون مشكلة الشهداء والجرحى في الأساس مشكلة وعي قبل أي شيء آخر فمنذ بداية الثورة تعاملت الكيانات المنظمة مع الأمر تعاملاً غير ذي جدية فأحزاب اللقاء المشترك أولاً والمنظمات المدنية ثم المجلس الوطني ترك الأمر لشباب الساحات عبر اللجان الطبية التي تم أنشائها في المستشفيات الميدانية في كل الساحات الثورية فكانت الإمكانيات المادية في البداية جيدة في التدفق للساحات، لكنها تقلصت ومورس ضد الذمة المالية للساحات، ولجمعية وفاء هجوم كبير أوجد حالة من الشك مع زيادة الأعداد بفعل العنف المستمر مضاعف المُشكل.

كما أن الصراع البيني بين قوى الثورة انعكس كحالة صراع وحالات الصراع على ملف الشهداء والجرحى ولا أقول إن العمل كان نموذجياً، لكنه الممكن في ظل تلك الإمكانيات فالتقصير والأخطاء واردة.

منذ ما بعد تشكيل حكومة الوفاق ونحن نطالب بتشكيل هيئة وطنية لشهداء وجرحى الثورة نعي وندرك حجم الأشكال وانعكاساته على الوعي المستقبلي ونعرف انه ملف حساس وهام جداً، أعدينا في تنظيمية الثورة مشروعاً للجنة طبية لهذا الأمر في بداية العام 2012م عرضناها على مجلس الوزراء وكان المقترح مكون من عدد 22طبيباً جراحاً إحصائياً في كل التخصصات ومن أفضل الكفاءات المعروفة وطنياً.

حرصنا أن يكون مضاف إلى اللجنة الأخصائية الأطباء الذين لهم علاقات خارجية طبية بمنظمات وجمعيات عالمية وأضفنا منهم إلى اللجنة على سبيل المثال الدكتور محمد عبد المجيد قباطي لمعرفتنا بإمكانيته وعلاقاته المحلية والدولية وهو ثائر لا نزيد عليه، بالإضافة إلى رئس الجنة الصحية بمجلس النواب ،تم تمويت المشروع، كنا طلبنا من مجلس الوزراء فقط قراراً حكوميا بإنشاء الهيئة الوطنية لعلاج جرحى الثورة،، واستكمال علاج الجرحى، ونحن نعرف حجم الميزانية المرصودة لذلك،

واقترحنا أن تُضم البيانات الموجودة في المستشفيات المدنية إلى الهيئة مع رؤساء اللجان الطبية كلجنة فنية مساعدة، كانت الحكومة واغلب القيادات تتعامل مع الأمر بعقلية دولة الجباية وبذهنيتها إنه إشكال ذهني ثقافي ومُشكل وعي عام ، الجميع ينتظر حسنات المتبرعين المحلين والدوليين، الجريح لا ينتظر وهنا الإشكال ،كأن الإشكال هنا بين الهبة والمنة والحق بين مفاهيم الجباية والرعاية ،نعرف اليوم أن هناك لجنة للتعويضات عن الأضرار المادية في الثورة في حين لا يزال الشهداء والجرحى بين ظهرانينا، أيهم أولى بالله عليكم ،لقد اعتادت تنظيمية الثورة إقصاء وتهميش الجماعات المنظمة السياسية لها بعد الحملات المغولية المتكررة إعلامياً التي قادتها ضدها جماعات منظمات المجتمع المدني الحقوقية حين كانت تصورها بغول الثورة وانضم اليهم جماعات من يسمون انفسهم مستقلي الساحات وكانت النتيجة أن الجميع استبعد الجميع واضعفه ذهنيا في الوعي العام، واستطاعت المنظمات إقصاء جماعة مستقلي الساحات من الحوار الوطني كأول النتائج و القادمات كُثر ،لقد أبُاح الجميع في حالة اللهث اللاوعي خلف ثقافة دولة الجباية المعادلة لثقافة الاستبداد.

حين تكون ثقافة التغيير غير تغييرية على الإجمال يكون هؤلاء قادة معارك بالإنابة عن قوى هي اكثر تقليدية وتجذر في الواقع ،تملك أسباب البقاء ومقوماته بصورة لا يتصورها المغامرون الجدد وهم بأمس الحاجة إلى أصدقاء كثر لتسهيل انتشارهم كثقافة جديدة فيتحول إعاقات للتغير أكثر من كونهم قوة تغيير.

ما تعرض له: الثائر /النائب /احمد سيف حاشد والجرحى المعتصمين من اعتداء، جريمة أكرر إدانتها كثائر، فهناك حكم صادر من المحكمة في استحقاق الحق بالعلاج ،لكن قبل هذا هناك استحقاق أخلاقي وإنساني لهؤلاء الجرحى، وقبلهما الاستحقاق الثوري لهم كثوار جرحى، لقد كان الأخ أحمد حاشد يؤصل لفعل مدني بامتياز على الأرض كممارسة لا ادعاء، فقد تقدم إلى المحكمة وحصل على حكم قضائي بات لازم النفاذ، وحين استعصى التنفيذ، قاد عمل مدني صرف اعتصام وإضراب عن الطعام هو والجرحى لتنفيذ الحكم لا أكثر، وقد ظهر ورفاقه وكأنه يحكمنا جميعاً أخلاقياً، كان الأجدر بنشطاء المجتمع المدني، تبني خطاب تغيير جامع لا استعدائي حيادي كعمل مدني حقوقي، كي لا تكون بطولاتهم، بطولات حربية وإنما بطولات تغييرية من مُتغير، لأن البطولة التغييرية تفتح أفق عالم جديد ،لكن البطولات الحربية تمد تقاليد صراعية غير تغييرية لانطلاقها من تقليدي كما يقول (البردوني).

معركتنا جميعا المؤجلة إلى الآن هي التغيير كثقافة ،علينا تعزيز وجودها الذهني أولاً، أعتقد أنها معركة شباب الثورة المؤمنين بالتغيير والقادرين على تجنيد أنفسهم له، هم يحتاجون ارتقاء قيمي ولغة تُجاري ذلك الارتقاء القيمي ،وقدرة على إعادة قراءة الواقع كما هو!! والسعي لخلق جيل يعي ذهنيا التغيير ويملك بوصلة اتجاه له، وقادر على استشفاف طريق السير فيه، فغاية التغيير ليس تغيير ماسة بماسة ،وإنما تغيير مفاهيمنا الذهنية واعتقاداتنا الأيديولوجيا وتجاوز أنانيتنا…..