الفيدرالية.. الخيار المر

  حسن العديني

حتى وقت قريب كان المتداول أن فرنسا ستتولى المساعدة الفنية لليمن في صياغة الدستور وسيوكل للولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي ودول أخرى تقديم العون في مجالات وزعت بينها. وبدا اختصاص فرنسا في موضوع الدستور أمراً مصدقاً نظراً لخبرتها وعراقة تقاليدها القانونية منذ نابليون الذي استثمر الخبرة الرومانية.

وخلال الأسابيع الماضية أطلقت رموز سياسية مهمة من أعضاء مؤتمر الحوار الوطني إشارات إلى التوجه نحو إقامة دولة إتحادية، ولم يؤخذ هذا على محمل اليقين، رغم أن الرئيس عبد ربه منصور هادي أكد عليه في بعض أحاديثه أمام مؤتمر الحوار وسبب ذلك استمرار الحديث داخل قاعة المؤتمر عن دور فرنسي محتمل في إعداد الدستور، حيث تصنف فرنسا في النظم الدستورية كدولة بسيطة. ثم وردت إشارة خاطئة أرسلها الرئيس هادي من موسكو عند زيارته مقر رئاسة الاتحاد الروسي وحديثه الذي أضفى عليه طابع التشويق عن الأعلام التي ترفرف على المقر وتمنياته لأن يأتي خبراء قانونيون وسياسيون من الاتحاد ليشرحوا لأصدقائهم في اليمن كيفية التعلم من هذا النظام. ويوم الأربعاء الماضي الرابع من إبريل حسم الجدل بتوقيع مكتب رئاسة الجمهورية اتفاقية مع وكالة التنمية الألمانية التزمت بموجبها الوكالة بتقديم المشورة الفنية لليمن في إعداد الدستور.

إن توقيع الاتفاقية قبل أن يبدأ عمل الفرق التسع المنبثقة عن مؤتمر الحوار يؤكد بما ليس فيه شك أن مخرجات الحوار جاهزة ومعدة من قبل، فلما كانت القضية الجنوبية هي المحور الأهم في المشكلة اليمنية برمتها وقد رأى رعاة المبادرة الخليجية حلها في إطار معالجة مشكلة السلطة والنظام السياسي، فمن باب أولى أن تكون القضايا الأدنى أهمية أخضعت هي الأخرى بالدراسة وأقرت بشأنها المعالجات وفق ما رأوه من تصورات، ومن الطبيعي أن البحث في المسائل كلها جرى بالتشاور مع الممثلين الرئيسيين بالفرقاء السياسيين هنا في اليمن، ومن خلالهم أو عبر كوادرهم ستقدم مقترحات تتبناها الفرق المعنية ويقرها المؤتمر. ويبقى من الأشياء المعقدة ما تحدث عنه المبعوث الدولي في تصريحاته الصحفية عقب تقديمه التقرير الأخير لمجلس الأمن الخميس الماضي عن ضرورة قيام الحكومة بإعادة الثقة للجنوبيين من خلال إجراءات فورية لمعالجة المظالم والمطالب المشروعة، وباستثناء المشاكل الخاصة بالمسرحين من الجيش والخدمة المدنية تتجلى الشكوك في إمكانية تنفيذ معالجات سريعة للمظالم الأخرى وأولها الممتلكات المنهوبة، فضلاً عن الفرص الضائعة وتبعات القهر اليومي الذي مورس ضد المواطنين في الجنوب خلال الثلاث والعشرين سنة المنصرمة، فالمرجح أن الحكومة لا تملك بيانات كافية ولا تصورات محددة للمعالجة، وبافتراض توفرها فإنها تفتقر للإرادة والرغبة، ذلك أن من أعضائها من هم شركاء في الإثم وأكثرهم متواطئ بالارتهان للقوى النافذة. وإذا كان التصور أن تتولى الدولة التعويض، ففي الإجراء تحميل للمجتمع تكاليف جريمة ارتكبها أفراد منه، إلا إذا ما نظر إلى الموضوع من زاوية ما قرره صادق الأحمر بأن الشعب اليمني كله نهب الجنوب.

على أن الشعب في فهم الأحمر لا يتمثل في كافة المواطنين أصحاب الملكية العامة وإنما يتجسد في القلة الباغية والفاسدة، والمشكلة بعد هذا أن أكثر المنهوب والمسروق ممتلكات عامة بما يعني أن الشعب سيتحمل تكلفة الجريمة مرتين.

لكن المشكلة في بعدها هذا تشمل محافظات أخرى، فالحديدة وتعز وإب مواطن مستباحة على الدوام. ومنذ سنوات دعاني أحد الأصدقاء إلى منزله الجديد المبني على كتف أحد الجبال في ضاحية الحوبان شرق مدينة تعز وتعمدت سؤاله عمن باعه العرصة ولم أفاجأ برده أنه اشتراها من صالح الضنين أحد كبار الضباط النافذين الذين باعوا ما فاض عن حاجتهم من جبال تعز إلى أهل تعز.

على غرار الحراك الجنوبي اندلع الحراك التهامي منذ أشهر قليلة، وتسود محافظة الحديدة موجة عالية من الاحتجاجات وحركة عصيان مدني تخللتها أعمال عنف، ويتردد أن للرئيس السابق ضلعاً في استثارة الغضب، وسواء صح هذا الزعم أم بطل، فإن للغضب أسباباً حقيقية، فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية وضعت قلة من المنتفعين أيديها على أراض شاسعة وتملكوها بصكوك رسمية وأنشأوا المزارع وبنوا الاستراحات الفخمة والقصور الفارهة، وتنفق الدولة مليارات الريالات لتشييد البنى التحتية التي تخدم هذه المنشآت، كما تقدم الهيئة العامة لتطوير تهامة الممولة من الخبرات الفنية والخدمات اللازمة لتشغيلها. وقبل سنوات شكل مجلس النواب تحت ضغط من بعض أعضائه لجنة لدراسة المشكلة جاء تقريرها بنتائج فاضحة وقدمت إلى المجلس أسماء أبطال عمليات نهب الأراضي والمساحات التي استولوا عليها وثارت ضجة ترددت أصداؤها في الصحافة لكنها أخمدت بسرعة دون معالجات ولا عقاب.

وفيما يبدو أنه مرسوم غير مكتوب يحرم على أبناء الحديدة تولي المواقع القيادية في الجهاز الوظيفي، حيث تحتكرها عناصر قادمة من خارج المحافظة وتستغلها للابتزاز والاختلاس، وتسري أحكام هذا المرسوم الصامت على تعز وإب ومحافظات أخرى في الجنوب والغرب.

ولعلي أسوق حكاية دالة فقد جمعتني الصحبة أثناء الخدمة العسكرية بزميل من سكان حي القاع في مدينة صنعاء يتسم بالنزاهة والوعي، وبحكم دراسته للقانون التحق بوظيفة في جهاز النائب العام وأرسل للعمل في مدينة تعز لكن محمد المحاقري- وهذا اسمه- لم تطب له الإقامة هناك فراجع النائب العام كي ينقله إلى صنعاء، وحاول هذا الأخير إقناعه بالبقاء في مكانه وقال له “لقد أعطيتك تعز هدية” ولم يكن محمد من صنف البشر الذين عناهم.

وأثناء إشرافه على أعمال الإنشاءات لتهيئة الحديدة للاحتفال بالعيد الوطني، استغرب عبد ربه منصور هادي نائب الرئيس في ذلك الوقت مرور خطوط توزيع الكهرباء من قرىً يسودها الظلام.

إن هذه المظالم وغيرها تجعل الفيدرالية نظاماً مقبولاً رغم ما تنطوي عليه من مصاعب ومخاطر مردها أن الدولة بمفهومها الحديث لم تطرق أبواب اليمن بعد.

ميزة هذا النظام أنه يوزع السلطات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الولايات أو الأقاليم ويحد من التعسف في استعمال السلطة ويوفر ضمانات قوية لتأمين الديمقراطية، لكن النظام الفيدرالي يتطلب دستوراً صارماً وقضاءً نزيهاً.

وهناك في الأنظمة الفيدرالية ثلاثة أنواع من الدساتير، في النوع الأول يحدد الدستور صلاحية الحكومة الاتحادية ويترك الباقي دون أن يسمي للأقاليم، ويقابله النوع الثاني الذي يعني صلاحيات حكومات الأقاليم ويدع ما ليس فيه نص للحكومة الفيدرالية. وأما النوع الثالث فيبين اختصاصات الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية في نفس الوقت.

وإذا ما استقر الاتفاق على الخيار المر ورضي اليمنيون بالدولة الاتحادية، فإن الوضوح الذي يضمنه النوع الثالث من الدساتير هو الأصلح لليمن. ومثل هذا الدستور معمول به في المانيا الاتحادية وعليه جرى إيكال المهمة للألمان في أرجح الظن.

في الدولة الاتحادية تمسك الحكومة المركزية بوظيفتي الدفاع والسياسة الخارجية، فيظل الكيان الوطني موحداً، لكن شرطيه الأساسيين لا يتوفران بما فيه الكفاية في الحالة اليمنية، فمازالت القبيلة تنازع الدولة وتتغلب عليها في أغلب الأحيان، وأما القضاء النزيه فهو قبض ريح.