الحوثي خطر يهدد النسيج الاجتماعي

  ياسر غالب الجابري

قبل أيام ذهبت مع مجموعة من الزملاء الى محافظة عمران تلبية لدعوة أحد زملائنا للمشاركة ‏في عرس أخيه الذي أقيم في منطقة بني قادم من مديرية عيال سريح والتي تبعد عن العاصمة ‏صنعاء قرابة 50 كيلو متر مربع.‏

على زخات المطر غادرنا العاصمة صنعاء، وعلى غزارته كذلك وصلنا منطقة العرس ‏وتحديدا عند الساعة الثانية ظهرا، تناولنا وجبة الغداء بعدها ذهبنا الى المخيم الذي يتواجد فيه ‏العريس الذي كان يجلس الى جواره عريسان هما شقيقان وجميعهم ينتمي الى نفس الأسرة ‏‏(بني قادم).‏

على أنغام الفرح، وترانيم السرور، وأهازيج الزفاف، وأصوات المنشد الذي كان يطرب ‏الحاضرين بصوته الشجي الذي كان يتجول في لحن الانشاد تارة، والغناء والطرب تارة ‏أخرى، جلسنا لتناول القات في ذلك المخيم الذي تحول الى أشبه بحمام من شدة الحر الذي كان ‏يتصاعد منه بفعل ازدحام الناس حينا، وشرب السجائر التي كانت تزين شفاه الكثير من ‏الحاضرين أحايين كثيرة، رغم برودة الجو بفعل هطول الأمطار التي تدفق بعضا منها الى ‏داخل المخيم. ‏

مر الوقت سريعا، ولم نكن نريد أن نغادر ذلك المكان ونحن نجلس بجوار أناس يسكن الطيب ‏قلوبهم، والحب والإخاء والتعاون أفئدتهم، يجلس بعضهم إلا بعض وكأن على رؤوسهم الطير، ‏يتبادلون الضحكات، ويوزعون الابتسامات، يحملون قلب رجل واحد رغم اختلاف انتماءاتهم ‏الحزبية ووظائفهم الموزعة بين المدنية والعسكرية، ليس بينهم من يثير الضغينة، ويزرع ‏الأحقاد، نسيجهم الاجتماعي محافظ عليه من أي تصدعات أو تشققات، لم نرى أحدا منهم ‏يحمل سلاحا سوى شخص عرفت فيما بعد أنه أخو العريس وينتمي الى صفوف القوات ‏المسلحة، وهذا ما جعلننا نشعر بالأنس والسعادة في مجتمع يربطهم الإخاء والحب والتعاون ‏كهذا.‏

كانت الساعة تشير الى الخامسة مساء،حينها قررنا العودة الى العاصمة صنعاء، استوقفنا أحد ‏الشباب من تلك المنطقة والذي أراد أن يسافر معنا الى صنعاء، وأثناء عودتنا مررنا بإحدى ‏القرى التي لا تبعد عن المنطقة التي وصلنا اليها سوى مسافة ليست بالبعيدة، في تلك القرية ‏رأينا شعارات الموت موزعة على جدران المنازل والمساجد والمدارس التي تم تغيير حتى ‏اسمها، وكلمات السيد عبد الملك والسيد حسين منقوشة على جدران بعض المنازل وكأنها ‏احدى المعلقات الست على جدران الكعبة.‏

وعند مرورنا في وسط تلك القرية وجدنا عدد من السيارات يقفن على قارعة الطريق، ومخيم ‏كبير ومكبرات صوت قد وضعت على سطح إحدى المدارس المجاورة لمنزل السيد والتي قد ‏تحولت بحكم قربها من منزله الى أشبه بثكنة عسكرية يقطنها أنصاره الذين يتناوبون على ‏حراسته صباح مساء، كما شاهدنا بجوار المخيم شباب مدججين بالأسلحة يرقبون السيارات ‏التي تمر من جوارهم بنظرات تبعث على النفس الخوف والرعب، عرفت حينها أنه عرس ‏لأحد أنصار الحوثي، والذي كانت تصدح من داخل ذلك المخيم صيحات الولاء للإمام علي ‏رضي الله عنه على شكل أهازيج كربلائية، وكأنهم في يوم عاشوراء وليس في حفل زفاف ‏وفرح اجتماعي.‏

سألت ذلك الشاب الذي سافر معنا من أبناء تلك المنطقة لماذا هذه الشعارات موزعة بكثافة ‏على هذه القرية، فأجاب هؤلاء حوثيون ويقومون بعمل هذه الشعارات على منازل الناس بقوة ‏السلاح، بل ويهددون من يقوم بمحاولة طمسها أو محوها.‏

حاولت أن أعرف منه تفاصيل أكثر عن هذه القرية التي أضحى جزء منها يدينون بالولاء ‏لعصابة السيد عبد الملك فقلت له هل هؤلاء كانوا حوثيين من قبل أم لا ؟ فرد علي لا هؤلاء ‏كانوا من قيادات المؤتمر وبعدها “تحوثوا” فجأة. فقلت له وما هو سر تحولهم الى الحوثيين ‏فقال إنهم قاموا بالاستعانة ببعض القيادات الميدانية لجماعة الحوثي التي كانت تتواجد في ‏مدينة عمران، وتم بناء منزل له في تلك القرية وأصبح سيد القرية يأتيه البيض والسمن من ‏منازل المواطنين صباح كل يوم، وأشار لي بذلك المنزل الذي تم بناءه للسيد والذي أضحت ‏خيام الأعراس لإتباعه تنصب الى جواره، ومن ثم مررنا بمكان أخر فأشار لي ذلك الشاب ‏بديوان طويل يتم بنائه حديثا سألت الشاب عنه فرد علي أن هذا ديوان يتم بنائه للحوثيين بأمر ‏من ذلك السيد حتى يكون بمثابة مكان عام يجتمع فيه انصارهم ليكون المنطلق لمناقشة ‏قضاياهم وكسب أنصارهم.‏

وأردف ذلك الشاب وهو يتحدث بأسى وحسرة أن هذا السيد الذي أصبح القائد الميداني ‏للحوثيين في تلك القرية يقوم كل جمعة بجمع أموال من المواطنين ويقوم بشراء (3) أوالي ‏كلاشينكوف وتخزينها وتوزيعها على الشباب الذين يدينون بالولاء والطاعة له وتجميعها ليوم ‏الحسم كما يقول ناهيك عن الأسلحة المخزنة بمنزلة بمختلف أنواعها الخفيفة والثقيلة، وجزء ‏من هذه المبالغ التي يقوم بتجميعها يقوم بتوزيعها على الشباب لكسب ولائهم خاصة من أولئك ‏الذين ليس لديهم مصدر دخل خاصة من الطبقة الفقيرة والذي يستغل الحوثي فقرهم وحاجتهم ‏لكسبهم إليه.‏

ويضيف ذلك الشاب وهو يتحدث عن الخلافات والمشاكل التي ظهرت بين المواطنين من بعد ‏دخول هذه الجماعة الى القرية، وكيف أصبح نسيجها الاجتماعي مفكك ولم يعد أحد يأمن على ‏نفسه، وأسرته بفعل المشاكل التي ظهرت منذ تواجد هذه الجماعة في تلك القرية التي عاشت ‏منذ زمن وهي تتمتع بروح الأخوة السائدة بين المواطنين، إذ أوضح هذا الشاب أنه حتى ‏المساجد لم تسلم بعد من أذى الحوثيين الذين حولوها الى ساحة صراع مذهبي بفعل صيحات ‏الصرخة التي كان الحوثيون يرددونها عقب كل صلاة والتي أدت في يوم من الأيام الى ‏حصول مشادة كلامية ونشوب معركة حامية الوطيس بين المواطنين وأتباع السيد، وكانت ‏نتيجة تلك المعركة إغلاق المسجد لمدة (20) يوم والتي قام الحوثيون بعدها باقتحامه بقوة ‏السلاح وأصبح تحت سيطرتهم، ترفع فيها شعارات الصرخة كما يقولون عقب كل صلاة، ‏وأصبح الناس كما يقول الشاب مفرقين في القرية حتى في الصلاة فالمواطنين يصلون في ‏مسجد، والحوثيون يصلون في مسجد أخر !‏

أصبت بالحسرة على تلك القرية التي أضحت مفرقة بفعل الأحقاد والضغينة التي يتم زرعها ‏في كل زوايا القرية، تارة باسم الدين، وأخرى باسم الحفاظ على القرية من التدخل الامريكي، ‏وحينا بالدعاء بالويل والثبور والموت لأمريكا واسرائيل وأحايين أخرى باسم الدفاع عن آل ‏البيت الذي يطعن فيهم الحوثيون صباح مساء وعلى رأسهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ‏وأبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة الكرام، وإذا كان الحوثيون قد فرقوا بين ‏صحابة رسول الله فكيف سيعملون على توحيد الناس وعدم تفريقهم، بل كيف سيحافظون على ‏نسيجهم الاجتماعي بعد تفريقهم لنسيج الجيل الاول من الصحابة والتابعين.‏

ما وددت أن أخلص اليه من خلال ما سردته آنفا هو المخاطر التي أضحت هذه الجماعة ‏تصدره حيثما تواجدت، و التي أصبحت تمثل خطرا مباشرا لا يستهدف ديننا وعقيدتنا فقط بل ‏أصبحت خطرا يهدد نسيجنا الاجتماعي، وما هذه المنطقة التي سردت في هذه السطور جزء ‏من بعض فصول معاناتها سوى حلقة من حلقات الخوف والانقسام بين مكونات أبناء المجتمع ‏في بعض القرى أو الحارات التي يتواجد فيها الحوثيون، حيث أصبح الخوف والرعب ‏وتصدير الموت قرين الحوثي أينما حل وأرتحل بل أستطيع أن أقول أنه ” حيثما وجد الفكر ‏الحوثي في منطقة ما..وجد فيها الخوف والفرقة والشتات بين المواطنين ” وما الفرق بين تلك ‏القرية التي نزلنا ضيوفا فيها، وتلك القرية المجاورة التي تواجد فيها الحوثيون إلا خير دليل ‏على ذلك.‏

رغم مشاركة الحوثيين في مؤتمر الحوار الوطني ب (35) عضوا، إلا أنهم يستغلون هذه ‏المرحلة لتوسعهم وتمددهم في كثير من المناطق، بل ويعملون على شراء الاسلحة وتوزيعها ‏على أنصارهم، مستغلين بذلك انشغال القوى السياسية بمؤتمر الحوار الوطني وحرصهم ‏الكبير على نجاحه، وبمساعدة الكثير من بعض قيادات المؤتمر التي فقدت مصالحها بفعل ‏الثورة الشبابية التي وأدت أحلامهم، وكذلك البعض من قبل بعض القوى اليسارية والقومية ‏والذين استغلهم الحوثي فأصبحوا الأداة التي يحركها الحوثي كيفما شاء لتحقيق مصالحة ‏وتوسيع نفوذه كما هو الحال في محافظة تعز التي أصبحت مرتعا خصبا للحوثيين نتيجة ‏التواجد النسبي للقوى اليسارية والقومية التي سهلت لجماعة الحوثي توسعها وتمددها، حقدا ‏على بعض القوى السياسية التي كان لها شرف المساهمة في اسقاط نظام صالح حليف ‏الحوثيين الاستراتيجي قديما وحديثا. ‏

لا نزال لم نفهم بعد لماذا يقوم الحوثيون بتربية أفرادهم على ثقافة العنف، وحمل السلاح التي ‏غدت سمه حوثية لا يستطيع التخلي عنها رغم الحرص الذي يبدونه على الدولة المدنية التي ‏يقولون إنهم يعملون من خلال هذه الثورة على تحقيقها، وكيف يجمعون بين النقيضين دولة ‏مدنية خالية من السلاح. وسلاح يعملون على استيراده عن طريق البر والبحر كما هو حال ‏السفينة الايرانية جيهان1 التي تم القبض عليها في خليج عدن في فبراير الماضي، بل ‏ويقومون هذه الأيام بالعمل على الانتهاء من تجهيز مدارج مطار صعدة لتسهيل وصول ‏الطائرات المحملة بالأسلحة القادمة من ايران في ظل سلطة محلية تدين بالولاء المطلق ‏للحوثي فيما لا تزال الدولة لم تضع لإرجاع صعدة أي قائمة في سلم اولوياتها..‏

‏ وهنا نبعث رسالة الى الرئيس عبد ربه منصور هادي ورئيس الوزراء واللجنة العسكرية ‏وأعضاء مؤتمر الحوار الوطني العمل على بسط نفوذ الدولة حتى لا يأتي يوم ولا تستطيع ‏الدولة ذلك، كيف وقد أصبحت هذه المحافظة قنبلة موقوتة في أيدي مليشيات ترى قتل ‏المواطنين وتمزيق نسيجهم الاجتماعي قربة يتقربون بهم الى الله زلفى، عندها نندم ولكن بعد ‏فوات الأوان فهل من مجيب! نامل ذلك.. وكفى!‏