الفيدرالية والرصاصة الأخيرة

  ميساء شجاع الدين

وصف احد المفكرين الهنود تقسيم الهند قبل خروج الاستعمار البريطاني بطلقة الرصاص الاخيرة التي افرغها البريطانيون في الهند، وهاهي الفدرالية طلقة الرصاص الاخيرة التي تفرغها النخبة السياسية اليمنية في صدر الدولة اليمنية المعلولة والتي لايعالجها اطلاق مشروع الفيدرالية، بل في طرح اولويات اخرى تحتاجها الدولة المريضة.

الفيدرالية في دولة حكومتها المركزية بهذا القدر من الضعف اجابة خاطئة للتساؤل المطروح، فالدولة التي تعاني من ضعف في حكومتها المركزية عاجزة كلياً عن تحمل مشروع الفيدرالية الذي يزيدها ضعفاً وهواناً. فكيف للحكومة المركزية الضعيفة جدا والعاجزة عن اداء مهامها عوضاً عن تقوية ادائها نطالبها بالتخلي عن مسؤولياتها ومهامها كلياً من خلال توزيع سلطاتها على الأقاليم المختلفة، فهذه الاقاليم بطبيعة الحال سوف تتطور لتصبح اقوى من الدولة المركزية بمنتهى البساطة وهذا ما يحدث آلان في العراق. الإقليم يفترض خاضع لدولة مركزية لديها سياسات عامة تفرضها على الجميع، فكيف لهذه الدولة التي تعجز عن فرض قوات أمنها على مستوى شوارع العاصمة أن تتحدث عن فدرالية بأقاليم ذات صلاحيات واسعة.

اولويات الدولة في اليمن لا تتعلق بالفيدرالية على الاطلاق بل تتعلق بالإصلاح الإداري الواسع لأجهزة الدولة مثل جهاز الخدمة المدنية الذي يحتاج لإعادة تأهيل حتى يقوم بدوره الطبيعي في تعيين موظفي الدولة عبره حسب الكفاءة ويتجاوز منطق المحاصصات الحزبية، وبالتأكيد تحتاج لإعادة حضورها وهيبتها من خلال اصلاح قضائها وكذلك وزارة داخليتها الضعيفة من جهة والتي استمرأت انتهاك حقوق الإنسان من جهة اخرى وصار واجبها حماية الحكومة من المواطن وليس حماية المواطن اليمني.

هذا غير الملف الاقتصادي المثقل بقضايا الفساد والعبث الاداري والاهم من هذا غياب الرؤية لدور انتاجي للاقتصاد اليمني. ليس هذا فقط بل إنها فكرة مخالفة لأولويات المرحلة الانتقالية كما ينبغي لها أن تكون ، فهذه المرحلة التي ينبغي إنها مقبلة على استحقاق انتخابي مهم بعد اقل من عام، لم يتم الحديث مطلقاً حول التجهيز لهذا الاستحقاق مثل هيكلة اللجنة العامة للإنتخابات. فقرار كالفيدرالية بالتأكيد ليس قرار نخبة سياسية تدير مرحلة انتقالية كما يفترض.

هو قرار محسوم خارجياً سلفاً ينتظر التزكية الظاهرية جدا من مؤتمر الحوار الوطني، فمنذ بداية المرحلة الانتقالية والخبراء الغربيين وفرق عمل الدول الراعية أو المانحة تحديداً بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وهم لم يتوقفوا في حديثهم عن الفيدرالية كحل سحري لمشاكل اليمن التي لم يعد تنقصها الحلول السحرية.

بل إنه في اجتماع تم بعد توقيع المبادرة مباشرة حضره يمنيين مع وزير بريطانيا للتعاون الدولي واحد اهم المسؤولين عن الملف اليمني تساءل الوزير حول أيهم افضل فيدرالية تقسم اليمن لسبع اقاليم أو تسع، بإعتبار قرار الفيدرالية صار أمراً مفروغاً منه، كيف لا؟ ونخبتنا لا تعتريها هذه الطلاقة في اللسان إلا بوجود توجيهات خارجية وليس باستشعارها لأولويات واحتياجات اليمنيين حيث تعاني من ضعف شديد في حساسيتها تجاه نبض الشارع. فهي نخبة لم تستلهم حركة الشارع الجنوبي في عدن بداية انطلاقة الثورة قبل انضمام مراكز القوى للثورة في صنعاء ومن ثم سيطرتهم على ساحتها. فلو استلهمت تلك اللحظة لادركت إن مشكلة الوحدة اليمنية لا تأتي بحلول سحرية وقفزات مجهولة في الهواء لا اساس لها في الأرض بل بتحركات جدية على الارض لإعادة الثقة وتحقيق العدالة.

لو تبني الفيدرالية على اساس الوحدة بالفعل لكان الحديث على الأقل عن خطة زمنية تدريجية تبدأ على الأقل بتفعيل عمل مجالس الحكم المحلي الموجودة فعلاً ومن ثم توسعة صلاحياتها. ويستغرب المراقب لتحركات القوى السياسية في اليمن من صمتها أمام شلل الحكومة اليمنية وعجزها عن تطبيق النقاط العشرين التي كانت بالإمكان تنفيس الكثير من الاحتقان في المحافظات الجنوبية، مما كان يعطي مؤشرات ثقة بالنخبة الحاكمة بصنعاء تساعد على فتح النقاش حول مستقبل الدولة اليمنية بشكل اكثر جدية بعيداً عن المزايدات بسبب الوحدة أو الابتزاز بإسم المظلومية.

وهنا يفرض السؤال نفسه كيف للحكومة العاجزة عن تنفيذ النقاط العشرين للتهيئة تصبح قادرة على تنفيد الفيدرالية بل وباشرت عملياً بها عندما اتجهت لتقسيم اليمن عسكرياً لسبع مناطق فيما يبدو عملية توزيع للجيش وتقسيم لاجزاء الدولة الضعيفة، في وقت تقف عاجزة عن تنفيذ النقاط العشرين الأقرب للواقع والأسهل للتطبيق من فيدرالية هي بالمناسبة مكلفة جداً على ميزانية دولة فقيرة تتوزع ميزانيتها الضعيفة على كل هذه الإقاليم.

النقاط العشرين التي تطرح معالجات حقوقية وسياسية معقولة وممكنة جداً وتتجه للمشكلة من حيث منابعها وهي غياب العدالة وبالتالي غياب الدولة حتى تفاقمت المظالم وضعف الانتماء، لكن آثرت النخبة الحاكمة القفز على هذه النقاط نحو مشروع شديد الضخامة تريد انجازه دفعة واحدة دون تدريج لأنه ببساطة مشروع يستجيب لمطالب الدول الراعية، ولتبرير الرغبة الجامحة في هذه الفكرة المتهافتة، تطرح الفيدرالية من منطلق إنها صيغة تحافظ على الوحدة.

وهذا ليس إلا كلاماً لذر العيون مما يظهر جلياً من خلال طبيعة الطرح المفاجئ دون القيام بالخطوات التمهيدية الواجبة لجعل الفيدرالية كذلك وابسطها اصلاح مركز الدولة، فانتقال دولة من كيان بسيط لكيان مركب عملية لا تخلو من المخاطر لو لم تتم دراستها جيداً وهذا ما لم تفعله نخبتنا المبشرة بنبينا الجديد الفيدرالية.