صنعاء تغتال أرواح الحوثيين

  علي محمد الذهب

في ظل الوضع الأمني الهش الذي تشهده البلاد منذ ما يزيد عن عامين-وهو وضع ‏تخلّق بالتزامن مع مولود ثوري مشوّه- كان من الطبيعي تفشي الجريمة المنظمة بكافة ‏أنواعها ومن ذلك الجريمة السياسية، وكذا تراجع الأجهزة الأمنية في أداء أدوارها للحفاظ ‏على الأمن القومي للبلاد، وقد عزز ذلك التراجع تنازع القرار الأمني بين أكثر من جهة وأكثر ‏من شخص، مع غياب سطوة القانون وهيبة رجاله التنفيذيين، فضلا عن انتقال المظاهر ‏المشيخية المسلحة من مناطق النفوذ القبلي إلى مراكز المدن ومنها العاصمة صنعاء.‏

لقد تحول مركز الدولة إلى مراكز نفوذ ضاعت معها هيبة السلطة الحاكمة، وبدت ‏الأجهزة الأمنية ككيانات كرتونية كاذبة أو أصنام عرض زائفة تحاول بائسة إبراز الجمال فيمن ‏لا جمال له، وسرعان ما تنكشف عن وجه قبيح حين تصدم وجوهنا مشاهد التفجيرات ‏والحرائق والدماء البرئية والفوضى، فلا يمر يوم إلا ونسمع فيه عن مأساة تُبكي كل البيوت ‏وتحير كل العقول، وتتحول البلاد مع فشل تلك الأجهزة في الكشف عن الجرائم إلى مساحة ‏مرعبة من هذا الكوكب ينظر إليها العالم كما ينظر إلى مثلث برمودا! ‏

بالأمس، كانت فاجعة اغتيال ممثل جماعة أنصار الله(الحوثيين)النائب عبدالكريم جدبان، ‏عشاء عند باب مسجد في صنعاء، وقبل ذلك سمعنا عن وقائع اغتيالات مشابهة وكثيرة، ‏وغدا قد نسمع ما هو أفظع من ذلك.. فما الذي يجري في هذا البلد؟ وما الذي يراد منه؟ وما ‏المصير الذي يساق إليه؟

إن هذا الاستهداف وغيره ليس منصبّا بدرجة أولى على الشخصية المستهدفة، انطلاقا ‏من مواقفها، المتصلبة أو المرنة، إزاء ما يجري من حراك سياسي ملتهب، بالقدر الذي يجعله ‏استهدافا لدوائر أوسع من الدائرة الشخصية، وأول تلك الدوائر: الدائرة المجتمعية التي ‏تضطرب وتتفاعل سلبا مع الحدث، بما ينعكس على تماسك الدائرة التي تليها وهي الدائرة ‏الثانية المتمثلة بالنظام السياسي القائم، بما في ذلك الحكومة بكافة أذرعها، التي تتعامل مع ‏الواقعة وفق حجمها وحساسيتها وتداعياتها، وأما الدائرة الثالثة فهي سلطات الأمن وعلى ‏رأسها وزارة الداخلية ممثلة بأعلى شخصية فيها، الذي يُساءل-في الغالب- عن الفشل ولا ‏يُحمد على النجاح، وأما الدائرة الرابعة فهي دائرة الانتماء، وهي الجهة التي ينتمي إليها ‏المستهدف أو تلك التي يحسب على رجالها، وغالبا ما تكون هذه الدائرة سياسية أو عسكرية ‏أو دينية.‏

وبالوقوف على واقعة الاغتيال هذه ومثيلاتها، نتساءل: من يقف وراء اغتيال الدكتور ‏جدبان؟ ومن المستفيد؟ ولماذا وقعت في هذا التوقيت تحديدا؟
‏ الحقيقة أنها ليست المحاولة الأولى التي تعرض لها الرجل، فقد سبق ذلك غير واحدة، ‏وإن كانت الواقعة الأولى قد غابت دون معرفة الحقيقة، فإن هذه المرة قد غاب معها الرجل ‏ذاته، وهنا يبدو البحث عن إجابة شافية عملا عبثيا؛ لأن الأطراف المتهمة تقع على مسافة ‏واحدة من مركز الشك، حتى وإن رُجّح طرف على طرف؛ وبالتالي فلن تكون الحقيقة في ‏متناول اليد إلا إذا جاء الجناة واعترفوا بارتكاب تلك الجريمة .. وهذا الذي لن يحدث!!‏

في الظروف الراهنه التي تمر بها البلاد، ستكون تفسيرات الواقعة كثيرة ومتشعبة، وفق ‏هوى كل طرف، وبذلك تضيع الرؤية الدقيقة المفسرة لهذه الجريمة وأطرافها.. فالذين يلقون ‏بالتهمة باتجاه سلفيّي دماج أغرتهم دعاوى رجالهم بالجهاد ضد الحوثيين، ونسوا أن هذه ‏الواقعة منقطعة الصلة بماضي السلفيين الذين يؤثرون السلام على الحرب، ويقدمون الدفاع ‏على المواجهة.. والذين يتهمون الحوثيين إنما يكيلون التهم بمكاييل الحمق والسذاجة أو ‏المكر والتغرير؛ إذ يعد الرجل رقما صعبا ومهما في حساباتهم وهو ما يحول دون ان يقدموه ‏كبش فداء لمكاسب لا ترقى إلى قيمة ما يضحون به.‏

أما الذين يقولون بوقوف حزب التجمع اليمني للإصلاح خلف هذا الاغتيال فإنهم يبررون ‏للآخرين براءتهم على نحو ما فعله إخوة يوسف.. وبالطبع كان اتهام الذئب مشجبا فاشلا، ‏لأن حزب الإصلاح أحوج ما يكون إلى إن يتجاوز المرحلة الراهنة بعيدا عن أي انجذاب قد ‏يجره إلى الخلف فيخسر خسرانا كبيرا، ولذا، فإن من يقف وراء ذلك الاغتيال هو شخص أو ‏جهة أو جماعة لا تنتمي لما سبق، ولا تريد للأوضاع أن تهدأ في دماج تحديدا وفي اليمن ‏عموما، وكذا عودة التوتر فيها وانتقاله إلى العاصمة وصولا إلى مناطق أخرى في البلاد على ‏مشهد أقرب مما يجري في العراق أو في سورية أو لبنان.‏

بقي طرف آخر، وهو الطرف الذي دائما ما يشار إليه بالبنان مع كل واقعة من هذه ‏الوقائع، وهو النظام السابق –إذا جاز أن نطلق هذه التسمية- باعتباره طرفا من الأطراف ‏التي تصطرع على الساحة اليمنية وقد خسر السلطة برمتها بثورة فبراير 2011م.. والحقيقة ‏أن هذا الطرف قد حُمّل ما لا يطاق، مع إيمان الكثير من خصومه وكذا المتابعين بضلوعه ‏في أغلب ما حدث من اختلالات وأعمال عنف خلال العامين المنصرمين، لكنه لا يوجد دليل ‏يشير صدق تلك الإدعاءات، وبالتالي تظل القضية في ذمة المجهول إلى أن تتشجع الأجهزة ‏الأمنية وتقول الحقيقة.‏

كما أنه في سياق التفسيرات الأخرى، ستلقى التهمة كذلك على تنظيم القاعدة الذي أشيع ‏عنه أنه أوعد الحوثيين بالانتقام تعاطفا مع سلفيي دماج الذين رزحوا تحت حصار الحوثيين ‏لقرابة شهر، ويأتي هذا التعاطف رغم التباينات الفكرية بين تنظيم القاعدة وسلفيي دماج ‏وأقرانهم في بقية المدن اليمنية، كما أن مؤازرات هذا التفسير تنطلق من حيثيات الواقعة التي ‏تتشابه مع العمليات التي تنفذها القاعدة، من حيث التخطيط والتنفيذ، بالزمان والمكان والأداة، ‏علما أن سلفيي دماج أدانوا تلك التهديدات ورفضوها إجمالا.‏

وهنا، علينا أن نتذكر وقائع الاغتيالات التي طالت عددا من رجال الجيش والأمن في ‏صنعاء وحضرموت وأبين وشبوة وعدن والبيضاء، خلال عام ونصف، ونتذكر واقعة اغتيال ‏العميد فضل الردفاني في أواخر ديسمبر من العام الماضي، وصولا إلى واقعة اغتيال نائب ‏مدير الكلية الحربية العميد على عمر بن فريجان في غيل باوزير قبل أكثر من شهر، وكيف ‏أن وقائع تلك الاغتيالات تتطابق تماما مع ما حدث للنائب جدبان، وستكون واقعة اغتيال ‏العميد بن فريجان، خير شاهد يستدل به؛ إذ كانت عند باب المسجد الذي صلى فيه، وفي ‏يوم جمعة، وبواسطة مسلحيْن على دراجة نارية، وهو شخصية مرموقة وهدف عسكري ثمين ‏للقاعدة.. والحال مثله بالنسبة لعبدالكريم جدبان، الحاصل مؤخرا على درجة الدكتوراة، ‏والمنتمي للجماعة الحوثية المعنية بتهديد القاعدة، والذي كثيرا ما كان يصرح في لقاءات ‏صحافية تنال من القاعدة ومن يسميهم بالتكفيريين.‏

ومع غموض الجهة التي تقف وراء ذلك-إذا تجاوزنا تنظيم القاعدة- تبدو هذه الواقعة ‏والوقائع السابقة لها من أعمال المنظمات الإجرامية السرية التي تتجاوز الحدود، بما لديها ‏من خبرة تخطيطية دقيقة وقدرة تمويلية كبيرة ومهارة تنفيذية منقطعة النظير تذكرنا بمجموعة ‏أبي نضال التي اقتطفت رؤوسا كثيرة وكبيرة في بلدان عربية وأوروبية بالتعاون من أجهزة ‏مخابرات عدة، ولا غرابة أن نورد هذا الطرح، إذ أن اليمن تمر بحالة استثنائية تجعل منها ‏بيئة مناسبة لترعرع هذه الظاهرة، لتخدم طرفا معينا.‏

وأخيرا، وفي اتجاه قمع الأصوات الداعمة لنشوء هذه الوقائع، يجدر برئيس الجمهورية ‏اتخاذ موقف حاسم تجاه الخطاب الديني الوحشي الذي ينتهجه الأئمة والخطباء والدعاة في ‏عموم مساجد البلاد، الذين يحرضون ضد المتنازعين في دماج، كلٌ بحسب فريقه وطائفته، ‏وستكون خطوة لاستمرار فرصة السلام التي تطل من بعيد للانتقال بالبلاد إلى ما يؤمله ‏اليمنيون وقد وثقوا بالأخ الرئيس في بلوغ ذلك يوم ان منحوه أصواتهم.. فتشجع أيها الأخ ‏الرئيس.‏