الاتجاه المعاكس .. والسفينة الخليجية

  د. عدنان بن عبد الله الشيحة

ما الذي أصاب منظومة مجلس التعاون الخليجي؟ هل التباين في مواقف أعضاء المجلس تجاه الأحداث السبب وراء التصدع الجاري في العلاقات الخليجية – الخليجية؟ أم أن العقد التعاوني بين الدول الخليجية ضعيف حتى إنه لم يستطع الثبات والتماسك في مواجهة التحديات التي تعصف بالمنطقة؟ أم هناك من أعضاء المجلس من يرى الانعتاق من الارتباط بمجلس التعاون الخليجي والتفرد في مواقفه؟ هل أصبحت المصالح الوطنية لدول المجلس تغلب على المصلحة الخليجية المشتركة؟ وهل ما يحدث من انشقاق في المجلس قوة أم ضعف للمجتمعات الخليجية؟ هل الأوضاع والتحديات تسمح بتأزيم العلاقات الخليجية؟ إن التساؤل الأهم هو: هل بلغت الأمور إلى طريق مسدود انفرط فيه عقد التعاون الخليجي؟ أم أنها اختلافات وقتية ستعود بعدها العلاقات أقوى مما كانت عليه؟ تساؤلات مهمة ومخيفة تدور في أذهان الشعوب الخليجية التي كانت منذ إنشاء المجلس وهي تتطلع وتأمل أن تنضج تجربة التعاون وتتحول إلى اتحاد في إطار سياسي موحد.

الإجابة عن هذه التساؤلات تتطلب فهم وتحليل ما يحدث في سياق التحولات السياسية العالمية وتجاذباتها ومن منظور العلاقات الدولية والتغيرات التي تطرأ على خريطتها وفي إطار يتعدى القضايا المحلية المشتركة بين الدول الخليجية.

فها هي على سبيل المثال العلاقة بين الغرب وإيران تعود على الرغم من التعنت الإيراني الظاهري! هذه العلاقة التي أصبحت مصدر تهديد لدول الخليج يمكن وصفها بالتحالفية. التقت فيها مصالح الفريقين في تقزيم المد الوهابي المتشدد كما يدعيان. وهي أي العلاقة بين الغرب وإيران ليست وليدة الاتفاقات الأخيرة فيما يخص الملف الإيراني النووي، وإنما بدأت منذ غزو العراق حينما تعاون الإيرانيون مع الأمريكان في تسهيل مهمة احتلاله مع أنهم في تصريحاتهم الرسمية يسمون الولايات المتحدة “الشيطان الأكبر”. ونتيجة هذا التعاون، أو بعبارة أدق التحالف، سلمت الولايات المتحدة العراق للإيرانيين على طبق من ذهب! هذا التحالف الإيراني الغربي له تداعيات خطيرة على المنطقة سيمتد مداها لجميع دول الخليج العربي دون استثناء إن عاجلاً أو آجلاً. وعلى أن ما يحدث لا يمكن تفسيره فقط من خلال نظرية المؤامرة؛ بل إن دول المنطقة تتحمل جزءاً كبيرا فيما يجري، وتظل نظرية المؤامرة حاضرة وبقوة.

على سبيل المثال التطورات المتسارعة والانفتاح على مسار الإعلام السياسي الذي تقوده قطر من خلال قناة “الجزيرة” أحدث زعزعة في الثقافة السياسية في الدول الخليجية أثر في حالة توازن المجتمعات ليس من الناحية الأمنية وحسب، لكن في إخراج المجتمعات الخليجية المحافظة سياسياً من المشترك والثوابت الوطنية.

هذا الإعلام الذي اتخذ صورة المهنية والموضوعية كان يبشر بقيم سياسية جديدة في المنطقة، وهي وإن بدت تدعو للديمقراطية والحرية إلا أنها ذات صبغة غربية تتعارض مع القيم المحلية لدول الخليج التي يقع في صلبها تحكيم الشريعة. وهذا ما خلق بلبلةً وتشويشاً سياسياً لدى عموم الجماهير الخليجية جعل البعض يعيد النظر في النهج الذي قام عليه العقد الاجتماعي والأنظمة السياسية في المنطقة.

وربما تكون هذه القاصمة والمدخل الذي يمكن الأعداء من اختراق الصف الوطني واللحمة الداخلية المتينة والعلاقة الحميمة المميزة بين الحاكم والمحكوم في الدول الخليجية. فما تفعله قطر تعدى تأثيره حدودها الجغرافية الضيقة إلى دول الجوار والمنطقة بأسرها. وهذا بلا شك تعدٍ سافر وتدخل في شؤون الآخرين على نحو غير مباشر. وما تفعله قطر أشبه بصاحب المصنع الذي ينفث ملوثاته على السكان من حوله، وإذا طلب منه السكان إيقاف ذلك، أجاب بأن المصنع من حر ماله ونسي أو تناسى أن الفضاء ملك للجميع، وأن ملوثاته ليست محصورة في محيط أرض مصنعه! هذه القرارات الانفرادية والتغريد خارج السرب يدفع بها ويهيئ لها الأعداء بصورة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.

والحالتان القطرية وإلى حد كبير العمانية تشكلان مثالاً واضحاً في هذا الاتجاه بالخروج في كثير من الأحيان عن الثابت والمشترك والإجماع الخليجي.

إن كسر الإجماع الخليجي يسهل على الأعداء عملية تنفيذ أجنداتهم وخططهم في إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة. وربما التقت طموحات القطريين ضيقة الأفق مع مصالح تلك الدول الأجنبية، ورأت أن تسير في ركابها ظناً أن ذلك يمنحها قوة تفاوضية داخل المجلس، أو كما في الحالة العمانية عندما قررت أن تنأى بنفسها عن التجاذبات السياسية في المنطقة وتقف بعيدة عن الأحداث وبمسافة واحدة من جميع أطراف النزاع. وهو موقف سلبي، فضلاً عن أنه يضعف موقف المجلس في لعب دور مؤثر في توجيه الأحداث لتعظيم المنافع وتقليل الخسائر السياسية والاقتصادية، ليس فقط في الوقت الحاضر، لكن، وهو الأهم، رسم مستقبل المنطقة. لكن تبقى الحالة القطرية لافتة للنظر ليس في بحثها عن التطوير والتميز والتنمية، إنما في التكاليف الباهظة التي يتعين عليها دفعها من أجل اختصار الزمن وبلوغ درجات عالية من التحضر الشكلي وتسجيل حضور دولي لافت في جميع المجالات يتعدى حجمها الجغرافي وإمكاناتها البشرية وقوتها السياسية والعسكرية.

تأتي هذه التكاليف على شكل تنازلات كبيرة على الصعيد السياسي والثقافي وقد تكون بوادرها الأزمة الأخيرة بين قطر وأشقائها في الخليج. وإذا كان يبدو للوهلة الأولى أن ذلك حق مشروع لقطر ولغيرها من دول المجلس في أن تقرر ما تشاء، إلا أن المشكلة هنا هي في الاستقواء بالغير في سبيل تحقيق تلك الطموحات والتطلعات.

هذا الاستقواء بالغير والدخول في اللعبة السياسية الدولية يكون على حساب المصلحة الخليجية المشتركة. وهي لعبة خطرة ومجازفة كبيرة لأن فيها مزاحمة الكبار في المنطقة والعالم.

وحقيقة الأمر أن القطريين لم يرغبوا في أن تكون السعودية المظلة والعمق الاستراتيجي لهم، وهو أمر يستحيل مكاناً وزمناً، كما أنه في الوقت ذاته تعر سياسي سيكلف سكان الدوحة كثيراً.

ينبغي على القطريين ألا يذهبوا بعيداً في تصوراتهم ورؤاهم وأمانيهم، لأن وضعهم الطبيعي لن يكون سياسياً إلا ضمن العائلة الخليجية ولا يسعهم إلا العمل داخل الإطار المشترك لدول الخليج العربي، وسيكون التمادي في التفرد والخروج عن الإجماع تهديدا لجميع من هم في السفينة الخليجية.

* أستاذ الإدارة الحكومية- جامعة الملك سعود- الرياض.