بشاعة أن يكشّر هادي عن أنيابه!

  علي الذهب

بين جوانح الرئيس هادي تربض قوة متعددة لا يكبح جماحها إلا حصافته وحنكته وحلمه، وقد تبدت كل تلك الصفات في أكثر من موقف خلال أزيد من عامين وهو على كرسي الرئاسة، حيث غلبت تلك الصفات جموح القوة وتناميها المتزايد، ولا أدلّ على ذلك موقفاه في أول يوم وفي آخر يوم لانعقاد مؤتمر الحوار الوطني، اللذين مثلا اختبارا عسيرا للرجل ولحصافته وحنكته وحلمه، وكذلك في مواقف أخرى كثيرة.

إلى أيام قليلة، كان الرئيس هادي يسلك طُرق وسِيَر زعماء العرب والمسلمين الذين سطروا أعجب المواقف تجاه أصدقائهم وخصومهم على السواء، لكن ها نحن نراه ينحدر ليقترب من حال الرشيد -على اختلاف كبير في الأمرين- الذي كادت قوته – كخليفة- أن يصادرها استحياء من صديق انتهازي، فانتبه متأخرا على همس الخُلطاء بعدما غلبت صورة ذلك الصديق صورة الرشيد، فاستل قوته ليستعيد إرادته المغيبة من صديقه، فنكبه نكبة جرت على كل لسان وزمان، عرفت بـ” نكبة البرامكة” التي خُتم على جبهتها بقول ابن أبي ربيعة: ” إنما العاجز من لا يستبد”.

نعم، هكذا فعل الرشيد، وإلى قريب من ذلك سلك الرئيس هادي مع منبر إعلامي يمني ذي جمهور واسع، هي “قناة اليمن اليوم” التي تمثل إحدى رئات الرئيس السابق صالح، وصوتٌ من أصوات المعارضة.. ومع ما تتعرض له من النقد إزاء بعض طروحاتها، فإن فيها من العطاء النبيل ما لا يجحده منصف.. هذا السلوك، جعل صالحا في موضع المنكوب يحيى بن خالد البرمكي، صاحب الرشيد، كهدف وكنتيجة في المستقبل، بكل ما في المتقدمَيْن والمتأخرَيْن من علائق وقواسم تشابه كثيرة، ولعل ما لحق بالقناة من عنف سلطوي غير مقبول لا يقل شأنا عن ذات العنف الذي كانت تبديه أو تسوّق له في بعض -وليس كل- برامجها كما يعبر عن ذلك خصومها، وكلا الأمرين مرفوض.

في شأن القوة، كنت قد كتبت، غير مرة، محفزا الرئيس هادي لامتلاك أسبابها، وقلت حينها: “من يملك القوة يملك الحكم”، لم يدُر في خلدي قصد الاستخدام غير المبرر وغير المقنن للقوة، على غرار ما فعله الرشيد بصديقه البرمكي وأبنائه، بأن يطال صالحا وأبناءه وأقرباءه من الرئيس هادي ما يجعلهم أمثولة أخرى تلهج بها الألسن، لا، لقد كان قصدي أن تكون تلك القوة محكومة الاستخدام بالدستور والقانون.. قوة تهذيب وتأديب لا قوة تخريب وتعذيب، ذلك أن الرئيس هادي إنما جيء به ليحكم لا ليملك ويصادر ويُرهِب، وهنالك فرق كبير بين ما كان وما نحن فيه، في الزمان والمكان والثقافة والطموح.

هل كسب الرئيس هادي، بهذا السلوك المعركة أو جولة من جولاتها؟ قطعا لا؛ لأن قوة صبره انفلتت من عقالها على غير هدىً، ولم تؤتِ – مع ذلك- ثمارها المرجوة، ولعل هذا التصرف، على الأقل، يجعله ويجعل البلاد في مواجهة منتظرة، كما يضعه ذلك إزاء أسئلة على شاكلة: لماذا لا يسلك الرئيس ذات المسلك مع قنوات محلية أخرى تهيّج الشارع اليمني وتنال من أمنه واستقراره؟ لماذا لا يبادر إلى القضاء الدولي عبر القنوات الدبلوماسية المعروفة لمقاضاة القنوات التي تحرض ضد وحدة اليمن وضد الجيش الذي تصفه بجيش الاحتلال من داخل بيروت وغيرها؟ أهذا هو وجه العهد الجديد الذي تطلعنا إليه؟ وما الذي تخفيه عنا الأيام القادمة؟

لن تجدي أي مبررات تساق مقابل إخماد نيران هذه الأسئلة، وإن ما بدر تجاه هذه القناة – وإن سُرّبه البعض- قد يطالهم ويطال منابرهم وأقلامهم مستقبلا، سواء كانت تلك المنابر مرئية أو مسموعة أو مقروءة، وعندئذ لن يفيد النواح والعويل شيئا.. ما كان أروع وأجدى لو جاء ذلك السلوك وفقا للدستور والقانون!