هل تهزم الفيدرالية العرب؟

  سامح راشد

أسبابٌ كثيرة تُفسّر حالة التفكك الذي بدأ يصيب بعض الدول في المنطقة، تتفاوت من الانقسام المجتمعي إلى قمع الأنظمة، مروراً بالأدوار الخارجية، ووجود بذور التفكك ذاتياً في تركيبة الدولة. إلا أن التوالي، بل التزامن، الحاصل بين أكثر من حالة تشهد انقسامات وحروباً واتجاهاً متسارعاً نحو الفيدرالية، أو التقسيم، رسمياً أو فعلياً، أمر يثير التساؤل، ويدعو إلى ضرورة التفكر، ملياً، في مستقبل “الدولة الوطنية” في المنطقة ككل. فبعض الدول التي تشهد حالياً احتراباً أهلياً، أو تكاد، لم يكن من المتصور أبداً تدهور أوضاعها إلى هذا الحد. فبينما يمكن العثور على مقومات انقسام مذهبية وعرقية في العراق، وجذور سياسية واحتقان اجتماعي في اليمن؛ من الصعوبة بمكان تفسير حالة التفسخ التي تعيشها ليبيا، بتهميش مناطق الشرق، أو الجنوب، في مرحلة تأسيس انتقالية. كما أنه لا يمكن اختزال الاستقطاب المجتمعي الحاد في مصر، بعزوه، حصرياً، إلى الصراع بين الإسلاميين وخصومهم، وامتداده إلى الظهير الشعبي لكلا الجانبين.

ربما كان في بعض الحالات ما يكفي من المقومات الذاتية للتفكك والانقسام، غير أن العوامل المغذية، ومؤججات الصراع، لا بد أنها أسهمت بشكل كبير في تفجر الموقف، في أكثر من دولة، في توقيت متقارب وبصورة متشابهة. ولابد هنا من الانتباه إلى أن الأمر ليس مقصوراً على الدول العربية، أو منطقة الشرق الأوسط وحسب، حتى لا يظن العرب أنهم فقط المعرضون دائماً للكوارث والمشكلات، وكأن العالم كله يتآمر دائماً ضدهم وحدهم. فالوضع في أوكرانيا يعطي مثالاً جلياً على سهولة تفكك الدولة، ما لم تكن مستندةً إلى جذور اجتماعية قوية، ومدعومةً بروابط وظيفية، تجعل في تماسكها، مؤسسياً وشعبياً، مصلحة لمختلف مكونات ذلك المجتمع. كذلك الأمر بالنسبة لمناطق أخرى في العالم، وإنْ بدرجات مختلفة، فاسكتلندا تفكر في الانفصال عن التاج البريطاني، وستجري استفتاءً على ذلك في 18 سبتمبر/أيلول المقبل، على الرغم من أن الأسكتلنديين لا يعانون من معضلات حقيقية، أو مشكلاتٍ، سيكون الانفصال حلاً لها. وظهرت دعوات مشابهة في مناطق أخرى، مثل الباسك والكيبك وغيرها.

المسألة، إذن، ليست محصورة في الدول العربية، أو الشرق الأوسط. ومن ثم، لا يجب اعتبار أن موجة “الفدرلة” التي بدأت تتسلل إلى دول في المنطقة هي بالضرورة مؤامرة خارجية، وإلا لكانت هناك دول أولى بالطمع فيها، وأسهل في التآمر عليها. وهنا، يجب التوقف ملياً، إذ على الدول العربية الانتباه والحذر من تداعي التفكك، وانتقاله من دولتين أو ثلاث إلى أخريات، بعضها قابل بالفعل للتفكك، ومقوماته لديها قائمة، بل متوهجة.

وعليه، يجب التعامل مع احتمالات اللجوء إلى الفيدرالية، أو صيغ أخرى مرنة من الحكم، بطريقة براغماتية وديناميكية، وليس بانغلاق على شعارات غير واقعية، أو بمنطق تبرئة الذمة، وتحميل المسؤولية لأطرافٍ أو أسبابٍ خارجية. الدولة الوطنية العربية بحاجة إلى إنعاش وإعادة تأسيس، بغض النظر عن شكل الدولة وطبيعة نظام الحكم فيها. فالخطورة ليست في الفيدرالية بحد ذاتها، أو ارتخاء قبضة الدولة المركزية بالمطلق، وإنما في غياب الرؤية والإطار الحاكم لذلك التحول، فضلاً عن عدم الاستعداد له، أو حتى الاستجابة له بمرونة، وتجييره لصالح الحفاظ على أسس الدولة كيانها. لذا، لن يحول التصايح والتباكي على ما يجري في سورية أو العراق أو ليبيا، دون تكراره في مصر أو السودان (مجدداً) أو بعض دول الخليج. وإنما ما يحول دون ذلك تجديد مقومات الدولة، وتطويرها، واستيعاب مكوناتها من دون تمييز. وبسط اليد بقدرٍ من السلطة، يقنع أطياف المجتمع بالاستمرار في الانضواء تحت لواء دولة واحدة، بدلاً من جشعٍ في السلطة واحتكارٍ للحكم، قد يفضيان، في النهاية، إلى تنازعٍ على السلطة وانتزاع للحكم، وربما سقوطٍ للدولة ذاتها.