الى اين يتجه العراق؟!!

  يحيى عبدالرقيب الجُبيحي

(ظل العراق كبير في عروبته وظل عرض العراقيين لم يشنٍ

إني أسائل إخواني وآصرتي وكنت راهنتُ فيهم أي مرتهن

كيق استطاعوا على ماسال من دمنا أن لايقولوا ولوعوفيتَ ياوطني ؟!)

من شعر الشاعر العراقي عبدالرزاق عبدالواحد..

ـ بعد تدمير العراق – سياسياً وعسكرياً وتنموياً وحضارياً خلال الغزو الامريكي – البريطاني الذي بدأ يوم 20 مارس 2003م وصولاً الى يوم التاسع من أبريل 2003م حيث سقطت عاصمة الرشيد على مرآى ومسمع العرب والعجم.. ظهرت بنفس ذلك اليوم المشؤوم جريمة أخرى.. مثلت غباءً جلياً أو هكذا فهم البعض في البداية.. سرعان ما اتضح انها مقصودة ومخطط لها مسبقاً! وهو ما تأكد عبر الشواهد التي ظهرت فيما بعد كنتيجة لهذه الجريمة البشعة والتي تمثلت بقيام الحاكم العسكري الامريكي – بريمر – بحل الجيش العراقي بمختلف توجهاته المذهبية، وليصبح قرابة مليون ضابط وصف ضابط وجندي في الشوارع دون عمل وليصل بهم الحال الى البحث عن لقمة عيش وشربة ماء؟! فكان هذا القرار الغبي والغادر أعظم هدية قدمتها الولايات المتحدة الامريكية لإيران ولعملائها الشيعة غير العسكريين في العراق! ليقوم هؤلاء العملاء خاصة ممن دخلوا العراق بدبابات الاحتلال الامريكي باصدار قرارهم الشنيع القائم على روح الانتقام والتشفي والذي تمثل باجتثاث حزب البعث بكل ماكان يمثل من قيادات اقتصادية وثقافية وقانونية وإدارية بمختلف الوزارات والمؤسسات الرسمية من أبناء العراق بوجه عام ومن السنيين العراقيين بوجه خاص! فكان هذا القرار هو البداية لمعاناة السنيين وبعض الشيعة الوطنيين، وأعقب ذلك قيام إقصاء وتهميش للسنيين بالذات في الوزارات والهيئات الحكومية المدنية والعسكرية والأمنية، وأزداد الأمر ضراوة منذ تولي نوري المالكي رئاسة الوزراء وبالأخص بعد انسحاب القوات الامريكية من العراق عام 2011م وهو مادفع المالكي بالنكوث باتفاقيات مسبقة مع السنة وتخليه عن (الصحوات) ومضاعفة إقصاء وتهميش السنة في الجيش، الذي تولت الولايات المتحدة إعادة بنائه وتدريبه وتسليحه على أسس طائفية جلية.. ليكون ذلك سبب عدم قدرة هذا الجيش الذي يقرب تعداده من المليون وصرف على تدريبه عشرات المليارات من الدولارات ..الوقوف امام مجموعة من الظالمين والمظلومين معاً!! كونه فقد عقيدته ومكانه ومكانته!.

كما تم بعهد المالكي تنظيف الاجهزة الأمنية العراقية من القيادات والكوادر السنية الوطنية والفاعلة.

ـ إضافة الى ماسبق ذكره.. ظل ولا يزال يتعرض بعض كبار القادة العراقيين السنيين للاضطهاد والمضايقات المستترة والمعلنة، وصولاً الى محاولة الاغتيالات بعضها شبه مجهولة للبعض! وبعضها بموجب أحكام صدرت بقصد وبحجج وذرائع غير سليمة.. كما حدث لنائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي الذي كاد ان يفقد حياته لولا فراره الى اقليم – أربيل – ومنه الى المنفى بسبب صدور حكم عليه بالاعدام بتهم ملفقة.. اضافة الى محاصرة نائب رئيس الوزراء صالح المطلق والعيساوي وغير هؤلاء وهم كثر من القييادات السنية السياسية والعسكرية والأمنية والإدارية، والتي تعرض بعضها للتصفيات الجسدية الغامضة! خاصة وأن بعض متنفذي الاغتيالات التي حدثت ولا تزال تحدث بالعراق وببغداد بالذات يحملون رخص مرور على الحواجز الأمنية دون مساءلة كما قرأتُ ذلك بصحيفة (الحياة ) مؤخراً.

ـ هكذا ظل العراقيون السنة يتعرضون للمضايقات وللقتل والتشريد والتهميش والإقصاء والظلم والقهر والغُبن يوماً بعد يوم.. لتكون هذه المعاناة غير المألوفة داخل وطنهم من اهم أسباب ودوافع قيام بعض التجمعات والاعتصامات ببعض المدن والمناطق السنية.. والتي كانت تطالب بالعدل والإنصاف والمواطنة المتساوية.. لا أقل من ذلك ولا أكثر، فحصلت على دعم بعض الأحزاب والشخصيات العراقية الشيعية والكردية وغيرهم بمايخص تلبية تلك المطالب المشروعة.. لكن المالكي لم يكترث بتلك المطالب.. بل وجه قواته بسحق تلك التجمعات والاعتصامات السلمية على مرآى ومسمع العالم.
ـ ولأن العراقي السني بوجه خاص المنتمي لوطنه قلباً وقالباً.. والمتمسك بوحدة وطنه بقدر تمسكه بوحدة أمته.. يستحيل عليه الاستمرار بقبول الإقصاء والتهميش وبأن يظل مواطن من الدرجة الثانية! فكان مرغماً بالاستعانة بمن بخلصه من المالكي الذي هو وراء تهميشه وإقصائه ومعاناته وبعدم استجابته للحد الأدنى من مطالبه الوطنية والمشروعة.

ـ ليحدث ماحدث في الموصل مؤخراً، ويظهر مقاتلون عراقيون معظمهم من هؤلاء المهمشين والمضطهدين ممن كانوا ضمن الجيش العراقي المنحل وحزب البعث الملغي.. لكن ذلك لايعني عدم وجود مجموعة إرهابية من تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام والمعروف بـ (داعش).. بين هولاء المقاتلين.. حيث استغل (داعش) الشعور السني بالاضطهاد والتهميش والغُبن.. وهو نفس الاستغلال الذي حدث ولايزال بسوريا تمامآ؟! ولأن التهميش والاقصاء والظلم من أهم العوامل والاسباب المؤدية إلى التطرف أحيانآ!.

-ولذا.. فانه يُمكن القول .. أن مابات يحدث بالعراق اليوم معظمه بسبب جرائم وطائفية نوري المالكي بالدرجة الأولى .. الذي حينما أخفق في تفسير ما يجدث أو هكذا تظاهر .. لجاء إلى اتهام السعودية بكل خبث وغباء بأنها هي وراء الأحداث الاخيرة وليس بسبب ظلمه وطائفيته وحقده ولؤمه .. مع أن السعودية كانت أول من حذر من نتائج حل الجيش العراقي عام 2003م على لسان الأمير سعود الفيصل .. كما أن السعودية لم تخفي رفضها لسياسة المالكي المذهبية والطائفية .. إنطلاقآ من توجهاتها السياسية والدينية والعربية المُعلنة والجلية .. وجاء النفي لمزاعم المالكي ضد السعودية من أسياده الامريكيين قبل السعوديين أنفسهم !

مع أني أخشى القول أن الولايات المتحدة التي ظلت تحمي المالكي رغم معرفتها بطائفيته وولائه المطلق لإيران على حساب وطنه وشعبة .. هي من أسباب مايحدث بالعراق اليوم .. كما كانت هي السبب الاول بما حدث بالعراق نفسه بالأمس القريب .. بل واخشى القول أيضآ أنه ربما قد يكون هناك تفاهم إمريكي – إيراني بهذا الجانب .. لتظل أميركا تتلاعب بالعرب كما هي عادتها معهم دائمآ؟!!.

-ولأن الشيعة العرب غير الشيعة الفرس, بما فيهم مراجع الشيعة غير العرب ممن لايحسون بمظالم العرب بل ولا يجيدون حتى اللغة العربية كما هو معروف ؟! فقد جاءت فتوى ((السيستاني)) الأخيرة تدعوا إلى حرب مقدسة ضد السنة !! ولا غرابة بذلك .. فقد أفتى ((السيستاني )) نفسه بعدم التصدي للإحتلال الإميريكي عام 2003م وهو مايدحض أقوال بعض الصحفيين العرب ممن كانوا يعتبرونه معتدلآ ! ومنهم الكاتب الصحفي المعروف جهاد الخازن .

– بل إن المراجع الشيعة العرب بالعراق بما فيهم من عادوا إلى العراق على ظهر دبابة أمريكية كعمار الحكيم .. ليسو بنفس أهمية ومكان ومكانة غيرهم من غير االعرب . لأنه ربما يصعب على بعض المراجع الشيعة العرب إصدار فتاوى تحت الطلب ضد أبناء وطنهم من العراقيين السنة كما هو حال فتوى بل فتاوى ((السيستاني)) ؟!
– ثم.. كيف يفسر أمثالي التقارب الإميريكي – البريطاني- الإيراني الأخير ؟! في الوقت الذي يحدث في العراق اليوم مالم يحدث فيه قبلآ؟! بينما ظلت الدعاية الاميركية المضللة من وراء غزوها للعراق تتمثل بتحويلة إلى واحة ديمقراطية بالمنطقة .. لتظهر وبصورة أوضح وأعمق اليوم حيث يتحول العراق ذاته إلى واحة للطائفية البغيضة والإنتقام ؟!

إن ما يحدث في العراق اليوم ليس سهلآ ؟! حتى ولو استطاع الجيش العراقي أو بالأحرى قوافل المتطوعين الشيعة من القضاء على تنظيم ((داعش)) الإرهابي رغم صعوبة ذلك .. فانه يستحيل القضاء على انتفاضة المضطهدين والمظلوميين من السنة الذين ظلوا ولا يزالون يعانون من حكومة المالكي الطائفية الأمرين ؟!
وللتذكير .. فأن المجموعات السنية من عشائر وعسكر وغيرهما قاتلوا الإرهابيين ((داعش)) و ((القاعدة)) بسوريا والعراق معآ.. والمالكي والأسد وإيران يعرفون ذلك جيدآ .

-أمام كل ماسبق ذكره .. يأتي السؤال المرير .. إلى أين يتجه العراق ؟!
-لقد ظل العراق موحدآ أيام حكم صدام حُسين حتى ولو بقوة الديكتاتورية إن صح التعبير ؟! وحفاظآ على هذه الوحدة ..فإنه لابد أولآ من إسقاط المالكي وتوجهاته الطائفية وإخراجه من العملية السياسية تمامآ كونه جمع كل السلطات لمصلحته ومصلحة طائفيته وإيرانيته .. كما لابد من الاستجابة لمطالب المعتصمين بالساحات من السنة كونها مطالب وطنية ودينية واخلاقية مشروعه..وإعادة المسرحين من وظائفهم المدنية والعسكرية والأمنية مع إعادة هيكلة الجيش العراقي .. ثم وهو الأهم.. لابد من إعادة التوازنات والقيام بمصالحة وطنية بحق وحقيقة وإعادة بناء الوحدة الوطنية التي ظلت هي الجامع بين كل العراقيين حتى يوم الغزو المشؤوم .. هذه هي المطالب المشروعة كما يرى كاتب هذه الاحرف.. والتي يجب أن تسود عاجلآ وليس آجلآ ..

– أما اذا أستمر المالكي في ممارسة الحكم مع استمرار الدعم الامريكي له بحجة الديمقراطية وعدم فرض امريكي على من يحكم العراق كما نسمع من القادة الامريكيين اليوم ..إضافة إلى استمرار الدعم الايراني للمالكي بالذات ..فإن العراقيين السنة سيتجهون نحو المطالبة باقليم خاص بهم إسوة بالأكراد على الاقل .. وقد يتجه العراق إلى حرب مذهبية يصعب احتواؤها إن لم يستحيل وربما قد يتجه نحو التشظي والانفجار ليكون ذلك بداية النهاية له ولوحدته بل ولجيرانه ثم للمنطقة كلها .

وهذا هو توجه العراق الذي يأمل أمثالي عدم حدوثه !

-ثم ..أين ما يسمى بالجامعة العربية التي لا تُجيد عدا تكرار مُمل لكلمات.. الرفض , الاستهجان , الاستنكار ؟! بل أين هم العرب خاصة دول مجلس التعاون الخليجي مما بات بحدث بالعراق الذي ظل كبيرآ في عروبته محافظ على عرضه وشرفه رغم ما أبتلي من كوارث ومحن ؟! هل سيتخلون عنه اليوم كما تخلوا عنه في الأمس! إلى درجة عدم قدرتهم على التمني له بالعافية ؟! وذلك هو بعض ما عناه شاعر العراق الكبير عبدالرزاق عبدالواحد ؟!

– ولأن الشيء بالشيء يُذكر .. لماذا يلتزم العرب الصمت تجاه إيران التي باتت تمثل توجهآ بل وتدخلآ في شؤون العرب وإثارة النعرات الطائفية ببعض الدول العربية بصورة مباشرة أحيانآ وعبر بعض عملائها وممثليها بتلك الدول أحيانآ أُخرى .. حتى ولو قرأنا بعض تصريحات من هنا وهناك ضد إيران .. فإنها مجرد كلمات عابره لا تقيم حقآ ولا تردع باطلآ .. بل إن هذه الكلمات كثيرآ ما تصدر عن خوف أو عن استحياء ؟!.

وليس المطلوب من العرب الدخول في حرب مع إيران أكانت عسكرية أو حتى إعلامية .. بقدر ماهو إستغلال لبعض ماقد يشغل إيران ولو قليلآ عن تعمدها المُستمر في الإضرار بمصالح العرب حكومات وشعوب ؟!! ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
قيام بعض الدول العربية خاصة دول مجلس التعاون الخليجي وبالأخص دولة الإمارات العربية المتحدة التي تحتل إيران جزرها وتستأثر بخيراتها عبر العمالة الايرانية والتبادل التجاري شبه المعدوم بين الإمارات وبين معظم أشقائها العرب؟!!

-أقول .. ماذا لو قامت دول مجلس التعاون الخليجي بالذات.. بتقديم مُساعدات مادية لأبناء (الاحواز) العرب الذين يعانون من فقر مغد ق وتهميش جلي رغم وجود 80% من ثروات إيران النفطية بالذات بأرضهم .. ورغم أن سكانهم لا يتجاوزون العشرة ملايين من أصل 70 مليون إيراني ؟ بجانب معاناتهم من القهر والإذلال والكبت من الحكم الفارسي ضدهم .. لكونهم سنة وشيعة هم العرب الأصل.. ووجودهم على الضفة الشرقية من الخليج إنما يؤكد عروبة الخليج وليس فارسيته حسب الإدعاء الايراني؟!
إن تقديم مساعدات مادية لابناء الاحواز العرب الذين يذوقون الأمرين داخل وطنهم .. قد تكون بمثابة شوكة في خاصرة إيران على الأقل .. وحتى تتاح الفرصة بإصدار بيانات عربية رسمية تُوجه للمجتمع الدولي ككل .. وهي تتساءل بمرارة لماذا يُسمح بتدخل إيران بشؤون بعض الدول العربية جهارآ نهارآ .. ولا تُقابل بالمثل ؟!!

-مع ان الحديث عن الاحواز العرب بوجه عام يحتاج لسرد خاص ولموضوع مستقل .. وهو ما قد يتم بقادم الايام بعون الله ..

ومرة أخرى.. يأتي السؤال المرير .. إلى أين يتجه العراق أليوم ؟!