صنعاء: لذّة الحياة… وخطورتها

  علي زراقط

إنطباعيّ الأوّل: “عليّ أن أنسى كلّ ما شاهدته عن اليمن في الأفلام الوثائقية”. صنعاء أرض أخرى، وعلى هذه الأرض كلّ شيء، تقريباً كلّ شيء، يبدو مختلفاً.

فلنبدأ الرحلة: ها قد فرغتُ من مشاهدة الأفلام الوثائقية المتعدّدة عن اليمن، تحضيراً لرحلة انتظرتها طويلاً. في الطائرة، إلى الرياض، ومن الرياض إلى صنعاء، قبل الخروج من بابها أحاول استرجاع الشرائط التي شاهدتها. أخرج وأستقلّ سيارة تجوب شوارع المدينة، الانطباع الأوّل “صنعاء لا تشبه الأفلام الوثائقية”. بلا توقّعات مسبقة، لن أُخضِع هذا المكان إلى أيّ مقارنة مع أيّ مكان آخر، كلّ ما سأفعله هو المشاهدة.

تلوح لي المباني الحجرية، نقترب من باب اليمن، أحد أبواب صنعاء القديمة “باب شعوب، باب ستران، باب السبحة، وقرب السور الذي يقال إنّ عرضه كان يتّسع لثمانية أحصنة معاً، نمشي في طريق السايلة، بمحاذاة الجزء المتبقّي من سور كان طوله يتجاوز خمسة أميال. نصل إلى الباب: تقدَّم خطوتين وادخل إلى التاريخ. هنا ألوان وروائح تُرجِعك آلاف السنين إلى الوراء. هل هذه هي آلة الزمن؟ فلنقل إنّه السّحر نفسه يسكن في تلك العمارات المبنية بخيال طفلٍ وتناغم طبيعة.

تبدو صنعاء القديمة، كما لو أنّها نبتت هناك من تلقاء نفسها، كما تتوالد أحجار الجبال وأزهار الحقول. أكثر ما يلفت انتباهك، هو التناغم والتعايش بين الإنسان والمدينة التي يسكنها. فسكّان صنعاء القديمة يشبهون جدرانها. إنّه عالم متكامل من السحر، وروائح التمور والبهارات، تتسابق في الشوارع الدهليزية للأسواق “سوق البهارات، سوق الجنابي، سوق المدر”… ويمكنك السير هنا ساعات فلا تحسّ بالغربة، ولا تكفّ عن الاستغراب. مبانٍ متراصّة تتعالى ما بين ثلاثة حتى ثمانية طوابق (أدوار)، ترابية اللون، ومزركشة بالجصّ الأبيض في أشكال غير متشابهة، تبدو مثل قوالب الحلوى المزيّنة بالكريما.

تحتضن هذه المباني شوارع ضيّقة، تفضي إلى الدكاكين والبيوت، صاعدة نازلة لتُفاجأ حين يظهر لك في وسط المباني فسحة خضراء مزروعة تُسمّى “مقشامة”.

في صنعاء القديمة كثير من المقاشم، وهي مساحة من الأرض مخصّصة لزراعة الخضر والأشجار. أكثر من ستة آلاف منزل داخل السور، تحمل رائحة آلاف السنين، لا تزال كما هي، تتوارثها العائلات أبّاً عن جدّ.

فلنخرج إلى صنعاء الحديثة، إنّها الساعة الواحدة ظهراً. هناك كثير من الرجال في الطرق، أغلبهم باللباس التقليدي، المؤلّف من مئزر أبيض أو بنيّ وقميص تقليدي، إضافة إلى زنّار خصر تزيّنه “الجانبية”، أي الخنجر التقليدي، رمز الشرف والقوّة والرّجولة.

كلّ من رأيتهم من شبّاك السيّارة كانوا يحملون أكياساً بلاستيكية صغيرة، مليئة بأوراق نباتية خضراء. إنّه القات. بعض الوجوه بدأت تنتفخ مع مرور الوقت، وبحلول المغيب يبدو معظم سكّان المدينة بوجوه منتفخة من جهة واحدة، الجهة التي مضغت القات طوال اليوم.

ربما دخل القات، حسبما يقال، إلى اليمن عبر الحبشة، وبعضهم يُرجع تاريخه إلى 1500 سنة.

فاعتاد اليمنيون استهلاك القات عبر مضغها وتخزينها في الفم مدّة تزيد، في أقصى حدّ، على ثلاث ساعات. وتؤكّد الأبحاث ضرر القات على الصحّة، ومستهلكوها يؤكّدون أنّها مبعث طاقة وملتقى اجتماع الاصدقاء، وفي النهاية يبقى القات تقليداً يمنيّاً راسخاً، ومن النادر أن تلتقي يمنيّاً لا يخزّن القات.

نمرّ بمحاذاة عرس شعبي. إطلاق النار حاضر، وثمة رجال يرقصون “البرع”. هي رقصة يستخدم خلالها السلاح، خصوصاً الجانبية. والسلاح أيضاً متوارث عن الآباء والأجداد، فقد تجد أفراداً هناك يضعون سلاحاً متوسّطاً في صناديق سيّاراتهم. وكلّ ما في اليمن متوارث عن الأجداد والآباء، وحين تسمع كلمة “تقاليد” مرّات عدّة خلال اليوم الواحد، فإنّ ذلك يفسّر لك ممارسات اليمنيين المختلفة.

لم أرَ نساء في صنعاء بلا حجاب، وأكثرهنّ منقبات. علمت بوجود فتيات يتزوّجن في عمر التاسعة، وقابلت نساء يقدن جموع الثائرين. رأيت الكلاشينكوف يتدلّى من أكتاف الرجال، ليس للحرب بل هو جزء من اللباس والعادات. مررت على الحواجز الأمنية المنتشرة في كلّ شوارع المدينة، في محاولة الحفاظ على الأمن.

في أحد المطاعم الشعبية نجتمع مع مجموعة من الشبان، ويبدأون يعرفون إليّ الطعام اليمني: بالإضافة إلى السمك اللذيذ بالكمّون والليمون الحامض، تصطفّ الصحون، من المندي والحنيذ، الشفوت والسلتة، الفحسة والهريس، العصيد والتحلية بالخبز الطازج مع القشدة والعسل.

على بعد أمتار سمعتُ إطلاق نار، في محاولة اغتيال دبلوماسي أجنبي. لا خوف في الوجوه، بل هنالك تآلف بين لذّة الحياة وخطورتها. تآلف ورثه أبناء المدينة أبّاً عن جد.

بعد يوم طويل أجلس في المقهى، في شارع “حدّة”. يصل نبأ عن “خبير روسي يردي مسلّحَين حاولا اختطافه في شارع حدّة”. لا يبدو على أيّ من المرتادين التوتر، فأُكمل قهوتي، كأنّ شيئاً لم يكن، وأراقب السماء. الشمس التي كانت حارقة قبل نصف ساعة تخبّئ مطراً سوف يأتي فجأةً ثم يرحل كما جاء.

صنعاء ليست مجرّد مدينة، بل هي تجمّع تجارب فريدة لا يمكن أن تعيشها في أيّ مكان آخر.