شعار الموت المتخفي بالجرعة

  جمال حسن

يرفع الحوثي شعار “إسقاط الجرعة”، لكنه يريد إسقاط الدولة، لا احتاج لكثير من الوقائع، هل كان بحاجة لنشر مسلحين حول العاصمة لو لم يكن يتخفى وراء سيناريو حربي من اجل السيطرة على صنعاء.

الجرعة ليست إلا ذريعة، يستطيع ترويجها من خلال جماعة مثقفين استلذوا دور الرهبان.

إن تعامله مع اللجنة الرئاسية بتلك الغطرسة، يأتي من شعور سابق بانه منتصر، وها هو قد بدأ يستعد مسبقاً لنتائج بدت له حتمية، أي معركة صنعاء، لنتصور ماذا سيعني استيلاءه على المدينة؟ كيف سيعمم تلك الغطرسة على مدار هائل من أعرافه المستبدة، التي لطالما مارسها في مناطق نفوذه. ثم هناك احتمالات غير تلك التي يتوقعها، إذ أن الحوثي اليوم يقف كقنبلة موقوتة لانفجار حرب أهلية.

على الأقل هذا ما أثاره حشده لمسلحين على أبواب العاصمة. وفي نفس الوقت نشره مسلحين داخل صنعاء. وهو ما أذاعته وكالة أنباء فارس الإيرانية، المتوعدة بدور إقليمي أوسع، وهي تذيع خبر نشر ما اسمته “كتائب الحسين” لإسقاط العاصمة، هكذا قالت بالحرف الواحد، إنه الوعد أو الخلاص الذي بشر به الرئيس السابق للرد على مطالب رحيله من السلطة. المزعج هو موقف حشد السياسيين والمثقفين، الذين إما قدموا انفسهم من موقف المحايد، أو المروج للمنقذ القادم من الشرايين المظلمة من قبور الماضي.

لم اجد في حياتي خطاباً بهذا الإسفاف. حشد من المثقفين يتسترون بخطاب وطني، يتنكرون برداء أهل الفضيلة، كمدافعين عن الجوعى، إنهم يضعون انفسهم بأدوار أقل كثيراً من دور زعيم ميليشيا دينية، أي حين يصعد ويقول إن الشعب يريد ذلك، ثم يمارس المثقف بوعي أو دون وعي، عملية تضليل هائلة باسم معارضته للإصلاحات.

من قال انه الشعب، هو نفسه يضعه كوطاف لفوهة بندقيته، ليشيد بها حربه المقدسة أو ما سنسميها حصار صنعاء. وبالتأكيد هو لا يلعب في تلك المهزلة وحيداً، إذ أن شراهة الانتقام تتحرك كعناكب من وراء بيوتها الواهنة والخفية.

هل كان المثقف بحاجة لهذا الدور الهزيل؟ في زمن المخاوف من استبداد السلطات لا نفترض من كل المثقفين أن يصيروا أبطالاً، قد تكفر عنهم أدوارهم الإبداعية في المشهد الثقافي والفكري. أما أن يصطف في تلك الأدوار المزينة لنزوع طائفي.

ماذا فعل مسلحو الحوثي المتباهون باقتحامهم العاصمة كمنقذين، ذهبوا لتصفية حساباتهم مع احد المساجد السلفية بصنعاء. على الأقل يرفض المثقف حتى في أزمنة الخوف تلك القسوة الدامية التي تحاول فرز هويات مذهبية أو طائفية في نسيج المجتمع. لنتذكر تعارضنا مع حركة دينية سياسية كالإخوان، هو وجودهم المحفز لتلك الهويات الصغيرة. كان بإمكان الحوثي التخلي عن مسلحيه، وممارسة الاحتجاج السلمي، ماذا كان سيخسره؟ غير انه يريد هذا الدور الملتبس لنزوعه. . كم هو سيء، حين يتستر المثقف على خجله بوقاحة تستدعي دور الفضيلة، يتملكه الشعور بالذنب من انجرافه في المشهد المأزوم، انحيازه لواقع غريب عنه، فيشيع الوهم كأسوأ راهب يدعو للصلاح، لكنه يذري ثمار الموت حوله.

يلعب الحوثي دوراً لا يجيده، لكن ذلك المثقف يلعب دوراً هزيلاً، وثانوياً باعتباره وشاحاً سياسياً وأخلاقياً لجماعة مسلحة ذات نزوات مذهبية. لنفرق بين مطلب سياسي وشعار يرفع دعاوي خرافية حول أحقية حكم ممنوح من الله، أي انه كان على الحوثي بدلاً من المزايدة المغالية بغطرسة العضلات، تقديم بديل اقتصادي وبرنامج سياسي.

يستند فيه على وقائع ونتائج عملية. والسؤال ماذا قدم الحوثي للمدن التي سيطر عليها؟ صعدة مثلاً، كم عدد الطرقات التي عبدها، رغم انه يأخذ الجبايات، كما يدير موازنتها المخصصة من الحكومة. ماذا فعله عدا ترويج خرافة قبضته الأمنية، وهي قبضة لا يتورع فيها من ممارسة كل أنواع القمع ومصادرة ابسط الحقوق. حتى الكهرباء التي يوزعها من مولدات معظمها قدمتها منظمات للنازحين استولى عليها، يعطيها للمواطنين بأضعاف ما تقدمه الحكومة. ليقدم لنا ماهي إنجازاته العملية بدلاً من التشدق بيافطات خادعة.. حتى دور الزعامة التي يرتديها يمنياً، فهو ليس اكثر من تلميذ ومقلد لزعيم حزب الله حسن نصر الله الإشارة بسبابته الواعدة، لصديقي كذلك الحق بالقهقهة إذ يجد فيه كاريكاتورياً ومضحكاً، أو حين يمسح المنديل على جبهته، بطريقة سماحة السيد، حتى لو لم يكن هناك عرق، إذ انه سيحتاج لكمية كبيرة من الأرطال تجعل ادعاءه التعرق منطقياً ومقبولاً. كما انه يحاكي حزب الله حتى بإغلاق طريق المطار عندما دشن الأخير هيمنته السياسية في بيروت. بصراحة لا يزعجني هذا الدور أكثر من المتطفلين على الفضيلة، والنزاهة والحق، في الواقع، اكثر ما يشعرني بالإحباط، هو وجود عدد هائل من المتطفلين، بصورة مثقفين، سياسيين وحقوقيين.

فحيث تكثر الطفيليات تزداد الأمراض، وتتلوث الأجواء. حتى في شبكات التواصل الاجتماعي ينهمر التلوث علينا بأشكال غبية من التعليقات والعبارات السمجة.

بالتأكيد كثيرون يقعون ضحية لما يؤمنون به. تجاهلهم رائحة الحرب، وهم الحصول على امتياز في سوق الدهماء. أن يتنازل المثقف عن دوره الملتزم، ويسقط في لغة السوق الصاخبة، فالأنفع له أن يكون حمال كار.